في الغباء كما لم يرد في كتب السياسة!

في الغباء كما لم يرد في كتب السياسة!

سامح شكري في السودان (Getty)

حين قال أرسطوطاليس إن الإنسان حيوان سياسي، فإنه يمكنك أن تستنتج أن كل فعل يقوم به الإنسان هو في جوهره فعل سياسي، وإذا كانت السياسية هي "فعل تنظيم حياة الناس"، فهذا يؤدي كنتيجة لكون كل سلوك إنساني في جوهره هو سلوك سياسي. 

أفعال مثل ما فعله سامح شكري مع المايكروفون تمثّل أداة شفافة لها قدرة تفسيرية عالية على نوعية "رجال الدولة"

تحليل الخطاب علم مهم من علوم اللسانيات التي تحظى باهتمام المؤسسات السياسية والمدنية التي تحاول أن تفهم الاستراتيجيات التي قامت عليها سلوكيات السياسي سين أو صاد. وإذا كان الخطاب السياسي يجب أن يراعي البراغماتية في تناوله بل يجب أن تكون من أولوياته فإن ذلك يعني أنه قد يكون خطابًا مراوغًا بطبيعة الحال، وإلا فكيف نستوعب مقولة كسينجر الشهيرة: بأن "الدبلوماسي الذكي هو الذي إذا قال نعم فهو يعني ربما، وإذا قال ربما فهو يعني لا، ولكنه لا يقول لا".

أسوق هذه المقدمة لأحاول أن أفهم كيف يمكن لوزير خارجية مصر سامح شكري، أن يعترض على تواجد "ميكروفون" لقناة إخبارية وهي "الجزيرة"، وأن يصل بتعبيره عن اعتراضه برمي الميكروفون على الأرض كالأطفال حين يغضبون من أمهاتهم! 

لكن يمكن تفسير هكذا سلوكيات تحت مظلة اللادولة، وفي سياقات سلوكيات اللامعقولية التي تتبناها عقليات تدير ملفات مهمة في البلاد مثل ملف الخارجية. أفعال كتلك وسواها، هي الأداة الشفافة الوحيدة التي يمكن أن يكون لها قدرة تفسيرية عالية على نوعية "رجال الدولة"، ونوعية الإدارة التي تقع الدولة تحت طائلتها. عقلية ضعيفة، مهترئة، كسولة، مماطلة، لا تملك ميكانيزم الإنجاز ولا تعرفه، ولم تتدرب على التعامل معه، مصابة بتعال وغرور شديدين، ينمان عن ضعف في السيطرة على المشاعر، وقصور في تقدير ما هو مستقبلي، أو له نظرة أبعد. بائس إلى أقصى حد! إن كان فعلًا صغيرًا فهو على ضآلته لا يمكن اجتزاؤه من الكل الكبير غير القادر بالدرجة نفسها، الغبي بالدرجة ذاتها، ولم يسبق أن رآه أحد ما ضمن أدبيات دولة تصنف دولة ما عدوة لها. 

يعرف الخطاب الجماهيري حسب ما ورد في دراسة عن إشكاليات الخطاب السياسي للدكتور وليد عبد الحي من "جامعة اليرموك" على أنه: "نص تحريضي، دعائي يرتبط في الغالب الأعم بالمناسبات والأزمات، ويأخذ شكل الخبر السياسي أو النص المتكامل أو الشعار أو الأغنية أو الطرفة، فلو أخذنا الطرائف السياسية حول زعيمين مثلًا كعبد الناصر أو السادات، فإن طرائف الأول ترسم صورة الشخصية "القوية سلبًا أو إيجابًا"، بينما ترسم للثاني صورة "المراوغ"، وهكذا الشعار والأغنية.. إلخ، وتصبح دلالات الزمان والمكان أكثر جدوى كعوامل منهجية مساعدة في تفكيك الخطاب السياسي".

الدولة التي تقوم على استدعاء أمجاد لا وجود لها، و"الزعل" و"رمي الدمى بعيدًا" هي دولة مثيرة للشفقة

فإذا كان هذا النوع من السلوك هو نوع من التحريض، ونبرة احترف رجال الدولة اللعب عليها قبل كل إخفاق وشيك في ملف مهم من ملفاتها كملف المياه مثلًا، فهو مثال صارخ على مدى العجز في ميزان القوى الذي وصلت إليه مصر دون مبالغات. لكن المفاجىء في الأمر، أو لنقل غير المتوقع ،أن سلوكًا كهذا يلقى دعمًا شعبيًا من باب "كيد العوازل" بلا مواربات. منطق يجعلك تقف عاجزًا، ويقف خيالك عاجزًا عن القدرة العظيمة على لي عنق التفسيرات لتطابق ذهنية الدولة المريضة البائسة تلك. 

في أبجديات العمل السياسي لا يكون الضعيف ضعيفًا إلا حينما يبدأ في شخصنة صراعاته وتجسيدها في شخص ما، أو كتلة سياسية ما، أو عمل تنظيمي ما. الضعيف هو الذي لا يجابه خصمه، فإذا ما سرنا على هوى السلطة ومزاجها، فهي لم تتحمل أن ترى ميكروفون الدولة الخصم، وكاريكاتير المعارض فلان وكاميرا المعارض علان، وشارة الجماعة الفلانية. 

الدولة التي تستمد شرعيتها من محاربة طواحين الهواء واستدعاء أمجاد لا وجود لها، و"الزعل" و"رمي الدمى بعيدًا" هي دولة مثيرة للشفقة. 

 اقرأ/ي أيضًا:

مصر التي تنتحر

حسام بهجت.. التهمة: صحفي