فيديو: قول يا طير.. حكايات مصورة للشتات الفلسطيني

أقيم معرض "قول يا طير" في آذار/مارس الماضي بالقاهرة (الترا صوت)

إعداد: مها عمر

حين تشتد وطأة الحاضر تستدعي الذاكرة الماضي الذي ما يلبث أن يعود حاضرًا بدرجات أكثر قربًا من كونه مجرد حكايات تروى.

في ظل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان المحتل، وفي ظل مرور يوم الأرض على الأرض العربية المتآكلة يومًا بعد الآخر، يصبح استدعاء الحكاية بطلًا لإنعاش الذاكرة العربية، أمرًا جديرًا بالاهتمام، وقد يعيد توجيه البوصلة نحو حدود الحق التاريخي في الأرض، بإزاحة بعض من ضباب النسيان عن حقيقة ما حدث.

في وقت ما يُصبح استدعاء الحكاية أمرًا جديرًا بالاهتمام، لإعادة توجيه البوصلة نحو حدود الحق التاريخي

الحكايات التي أقيم لها معرض "قول يا طير" في آذار/مارس المنصرم بالعاصمة المصرية القاهرة، وعرض تفصيليًا شهادات مهجرين فلسطينيين ومقتنياتهم التي ما زالوا يحتفظون بها من أثر أراضيهم وبيوتهم. كان "الترا صوت" في المعرض لزيادة توثيق الحكايات بالصورة.

شاهد/ي أيضًا: فيديو: هل تغيرت طرق التضامن مع فلسطين؟

ومن كتاب "ذاكرة حية" الذي أعدته وحررته السيدة فيحاء عبدالهادي، من مؤسسة الرواة للدراسات والأبحاث؛ نبرز في السطور التالية بعض ما جاء من روايات المهجرين الفلسطينيين عام 1948، حين قامت العصابات الصهيونية بعمليات تطهير عرقي وطرد منظم لعائلات فلسطينية بأكلمها بوسائل عدة لم تقتصر على القتل المباشر، فالترويع والإرهاب دائمًا لهما مكان في وقائع المحتل.

عراق المنشية

عراق المنشية والتي يمكن أيضًا تسميتها بـ"القرية الباسلة"، تقع على بُعد 32 كيلومتر شمال شرقي قطاع غزة. طهرت القرية عرقيًا بشكل كامل في الأول من آذار/مارس 1949. وكانت من أواخر القُرى التي سقطت بيد العصابات الصهيونية بعد عام كامل من النكبة، وظلت صامدة حتى عام 1949 تحت القصف والدمار بفضل متطوعين من القرية والجيش المصري والسوداني.


صورة لرشيدة فضالات في معرض "قول يا طير"

قامت العصابات الصهيونية المسلحة بعد اتفاقية رودس، بهدم القرية وتشريد أهلها البالغ عددهم عام 1984 حوالي 2332 نسمة. وعلى أنقاضها أقام المستوطنون مستعمرة "كريات غات".

تحكي رشيدة فضالات المقيمة في مخيم البقعة بالأردن، عن العزّ الذي كان ينعم به أهل قرية عراق المنشية، فتقول: "كنا مليحين ومسعدين، وعايشين بأرضنا. الخير اللي كنا فيه ما كان حدا فيه". وتستطرد: "كان القمح بالدار، الشعير بالدار، أكل الدواب بالدار، اللهم صلي على النبي البندورة بالدار والحمص بالدار والسمن بالدار والفول بالدار واللبن ومشتقاته بالدار. كل شي كان موجود عندنا. ما كنا فقراء".

تتمنى رشيدة وهي تحكي أن يتذكر الناس قصة خالها الشهيد محمد عيد، الذي كان مقاومًا مع زملائه للاستعمار البريطاني، قبل أن تبدأ سلطات الاستعمار بالترصد له، لكن عيد أرهقهم بتخفيه وهروبه من قبضتهم كل مرة، حتى قبض عليه، وكان عريسًا جديدًا منذ شهرين فقط.

من المشاهد اللافتة في قصة محمد عيد أنه حين كان معتقلًا طلب رؤية زوجته قائلًا: "بس بدي أبل ريقي منها قبل ما استشهد"، جاءته زوجته بقنينة عطر، فغنى لها أغنية تحفظها رشيدة:

مالك يا قلبي مالك منهم/ وبكت على فرقتنا بنات العم. حطونا في هالقايق/ واللعب والله ماهو لايق يا بنت العم. حطونا في هالقاووش ودرنا نروش/ لبسنا هالطربوش صباغه بدم.

عم أبو ناصر وجمال عبدالناصر

يحكي محمد أحمد حسين القاضي قصته مع التهجير. وُلد القاضي بقرية كوكبا وهي أيضًا من القُرى التي سيطرت عليها العصابات الصهيونية في 12 أيار/مايو 1949. 

كان العم أبو ناصر، كما يكنى، يعيش مع عائلته في بيت كبير على مساحة لا تقل عن سبع دونمات، تحيط به كروم العنب. يقول: "زرع أبي كرم من أنواع مختلفة من العنب: العنب الخليلي والعنف اليافاوي وعنب بز البقرة وعنب قريش. ويحوط الكرم أشجار التين الشوكي الذي كنا نسميه الصبر. حبة التين الشوكي كانت أضعاف الموجودة الآن بكل البلاد العربية".

ويستطرد: "كانت هناك أشجار ذات قيمة عالية الآن، كنا نأكلها ببساطة من الأرض دون أن نعرف قيمتها، مثل: الفقع ويسمونه المشروم، ونباتات أخرى مثل الخرشوف وكنا نسميه خرفيش".

يقول أبو ناصر إن لديه حكاية خاصة مع جمال عبدالناصر، عندما كان لا يزال ضابطًا صغيرًا في فرق الجيش المصري الرابضة في فلسطين: "في شمال شرقي قرية كوكبا كانت هناك قرية اسمها عراق سويدان، وإلى الشمال مباشرة قرية اسمها جولس، وبين هذه القرى كان هناك تلة عالية أقام عليها الاستعمار الإنجليزي في ذلك الوقت مركز شرطة وبجوارها مركز مبني من حجارة تُقطع من الجبل، مما يعتبر حصينا، كان الجيش المصري موجودًا بهذا المركز، وضمن الضباط كان هناك جمال عبدالناصر".


صورة لأبو ناصر في معرض "قول يا طير"

 يستطرد أبو ناصر: "كان في ذلك الوقت الخبز الذي يقدم للجنود جاف صعب على الإنسان أن يأكله، فكنت يوميًا أذهب على الحمار معي خبز الطابون ولبن الخضيض، وأقدمه للجنود المصريين". كان عبدالناصر يستقبل الطفل الصغير فرحًا، ويهاديه بحلاوة المولد المصرية: الحمصية والسمسمية والفولية.

عاش أبو ناصر رحلة تهجير طويلة وقاسية، يختصرها ببيت شعر لأحمد رامي غنته أم كلثوم: "قد تساوى في الثرى راحلٌ/ غدًا وماضٍ من ألوف السنين".

 

اقرأ/ي أيضًا:

تبغ وزيتون: حكايات وصور من زمن مقاوم

 4 كتب عن القضية الفلسطينية صدرت في 2018