فقرات من كتاب الحرب

فقرات من كتاب الحرب

عبد الناصر غارم/ السعودية

عاشق في الجبهة

في جبهة الحرب التي اشتعلت فتائلها
وبالتحديد
داخل خندقٍ
ظل التراب مسيجًا لقداسة الأحلام فيه
كما تسيجه الفراشة والحمائم بالهوى
وعليه تسبح نجمتان..
قال المقاوم للمقاوم
والظلام مخيمٌ من فوقهم
وعلى محياهم تغني بسمتان:
لي يا رفيقي في طلول العشق
ترقص قصتان..
قلبي تتيم ذات يومٍ بالجميلة بنت جاري..
والتقينا في الأزقة
والإشارات البريئة
والكلام
وفي وعودي بالزواج بها
وفي طفح انحساري..
الفتاة
وبعد أن ملت مواقيت انتظاري..
في براءة روحها
ذهبت لتفتح لي الكتاب
وتقتفي قول التمائم والطلاسم
ثم غاصت في فقاقيع انكسارتها
وفي وجع انكساري..
حينما قال الولي
بأن قلبي في محبته "ترابيٌ"
وقلب البنت "ناري"..
فانزوت عني بعيدًا
واقتفت قلبًا جديدًا
هكذا من دون أن تأوي لها كتب اعتذاري..
بعدها
من دون وعدٍ أو كذا
أحببت فاتنةً
تواعدني جنون الليل في وضح النهار..
طفلةً كانت
ولا زالت
ولكن حينما تحكي
أراها تنتقي الكلمات من لغة الهيام
ومن قواميس الكبار..
أهلها
أعداء لهفتنا
ووالدها رمى بالأمس صاروخًا
على أطلال داري..
قبلها
قصفوا مواقعنا
وقد فرضوا على أهلي شبابيك الحصارِ..
وحدها محبوبتي في الليل تكتب حلمها شغفًا
على أشجان صدري
وحدها تمضي تفكر
- حين تذكر ظل قلبي -
بالهروب وبالفرارِ..
والهوى
يختال تحت جفون عينيها
وفي صمتٍ يغني أغنيات العشق
يستجدي قراري..
آه منها
لم أعد أدري أتنتظر احتضاري..
أم أراها
من خيوط الشمس
تنسج انتصاري..
كي تعيش بقية العمر القصير
إلى جواري..
هل ترى من بعد هذا
-يا رفيقي-
سوف تنبت في حياتي وردتان!؟
في المدى
هز المقاوم للمقاوم رأسه
وعلى الخدود اليابسات
بخفةٍ
قفزت هنالك دمعتان..
وتمرد المعنى على الكلمات في أشجانها
وبلحظةٍ
دخلت إلى قلب المقاوم
من رصاصات الأعادي طلقتان..
ودم المقاوم خط من فوق التراب
"تفاءلوا..
فالحلم إن قتل الربيع
فبعد عامٍ
سوف تولد وردتان".

مواجع

الساعة الآنَ خمسُ مواجعٍ وأسى 
مع الهزيعِ الأخيرِ تلاحقُ العسسا

تنوحُ عندي، سأحصيها على عجلٍ 
فغبنُ قلبٍ تصلَّبَ تارةً وقسا
   
وآهُ صبٍ، ونكبةُ ثائرٍ قلقٍ 
وتيهُ من ضاعَ عنه الحقُ والتبسا
  
وحزنُ شيخٍ إذا ما غابَ مغتربًا
يعودُ نحو طلولِ الدارِ منتكسا
  
ومن أسى الدهرِ أني ذبتُ في وجعٍ 
وخافقي من كتابِ البؤسِ قد درسا
   
يا كاتبَ الدهرِ سطِّرْ سيرتي فأنا 
من يعرفُ السيفَ والبيداءَ والفرسا

أميرُ عرش القوافي، تاجُ روعتها 
ومَن لكعبةِ شِعرِ الصافنات كسا
  
أبحرتُ في العشقِ نحو شجونِه ولِهًا 
وقاربي فوق أمواجِ الغرامِ رسا
   
لي في الفضائلِ أيكٌ ظللت مدنًا
بروعةِ السحرِ، أنعم بالذي غرسا
   
فهل يُلامُ الذي في لحنِ أغنيتي 
يشدُّ أوتاره، إن قامَ أو جلسا؟   

ما للمواجعِ في عمري تلازمني 
وفي طريقي تدسُّ الشوكَ والدنسا
   
يجتاحني الليلُ، يقذفُ بي إلى دركٍ 
فلا أرى فيه روحًا أو أرى نفسا
   
أعيشُ خلفَ قيودي، أبتغي فرجًا 
أستنجدُ القيدَ والسجَّانَ والحرسا
   
أدعو إلهي، وأرجو الضوءَ يبهرني 
وفي خطى الليلِ أمضي ألعنُ الغلسا
   
وكلما قيلَ عن فجرٍ يلوحُ غدًا 
ليترعَ الروحَ بالنجوى، أقولُ "عسى"   

أنا الممزقُ بين الصمتِ في لغتي 
وبين حرفٍ لأحلامِ الصبا كنسا
   
لي دمعةٌ بللت خدي بحرقتها 
تسيلُ من بؤبؤٍ ما نامَ أو نعسا
   
في داخلي الآنَ طفلٌ طافحٌ برمٌ 
يتلو على بهو قبري "ن" أو "عبسا"

في القلب

في القلب بضع قصائدٍ
تأتي إليَّ بحرفها المخفي
والصوت الصموت.

في القلب تكتمل استعارات النشيد
ويختفي في ظلها
وهج الصفات الباذخات مع النعوت.

في القلب ركعة عاشقٍ
ما زال يتلو اسم غانية الفؤاد
مع تراتيل الدعاء
وفي تسابيح القنوت.

في القلب سبع سنابلٍ
في كل سنبلةٍ
أنينٌ صارخٌ
وحنين ذاكرةٍ يداهمها السكوت.

في القلب
تزدحم المواجع
والحنين يلفها
شغفًا حزينًا 
في المدائن والشوارع والبيوت.

في القلب قصرٌ
كنت قد شيَّدته لأحبتي
صرحًا مشيدًا
كان أصلب من مداميك الجبال بموطني
واليوم أهون من بيوت العنكبوت.

في القلب من في القلب إلا أنت
نجمٌ لا يغيب
وبوح عشقٍ لا يموت.

كتاب الحرب

بسم الذي سواك من طينٍ وماء..
اقرأ كتاب الحرب
وابدأ بالقراءة 
من حروف الطلقة الأولى
إلى أن تنتهي بالموت في فصل الدماء..

اقرأ
لتنتصر الورود على الحشود
وقف عليها شاهدًا متعجبًا
فأمام عينك 
دون وعدٍ
سوف تبتسم السماء..

اقرأ فصول الأولياء الثائرين
الأوفياء الحالمين
وهم يعيشون الفضيلة والطهارة والنقاء..
يتقاسمون الخبز
والأحلام والآمال
- رغم خصاصةٍ في القلب -
حتى تطلع الشمس الجديدة في المدى
 وتغيب أزمنة الشقاء..
يتسابقون ...
إلى البنادق يهرعون
يقاومون مقاتلات الموت
من أجل البقاء..

اقرأ نهايات الحكاية في متون الابتداء..
أعني حكاية أولياء الأرض
من لبوا لداعيها مناجاة النداء. 
وبأحسن القصص التي قد أبهرت
كتبوا أساطير البطولة
بالرجولة والفداء.

اقرأ/ي أيضًا:

حبيبتي تستيقظ من كابوس قناص

نحو تلك الثقوب السوداء