فضيحة في برلين.. استغلال القاصرين جنسيًا مقابل المال

فضيحة في برلين.. استغلال القاصرين جنسيًا مقابل المال

استغلال اللاجئين القاصرين جنسيًا متواصل في دول الاتحاد الأوروبي (صورة تعبيرية/ ألفارو فوينتي/Sopa Images)

استنكفت وسائل الإعلام العربية خلال الأيام الماضية من الحديث عن قضية الاستغلال الجنسي التي يتعرض لها طالبي اللجوء في مراكز الإيواء في ألمانيا، رغم أن القضية بما كشفه التحقيق الميداني الذي أجرته محطة ألمانية عن تنامي هذه الظاهرة، تبعث تخوفًا، من مدى جديّة التزام الاتحاد الأوروبي بالمواثيق الدولية المتعلقة بتقديم الحماية للهاربين من مناطق النزاعات في الشرق الأوسط، والتي ساهمت في إشعالها السياسات المزدوجة للدول الغربية.

تتعدد حالات الاستغلال الجنسي للاجئين في البلدان الأوروبية مما يبعث تخوفًا من مدى التزام هذه البلدان بالقوانين والمعاهدات الدولية

اقرأ/ي أيضًا: التسول والاستغلال.. واقع لاجئات سوريات بالمغرب

فضيحة برلين.. الجنس مقابل الحماية

في أحدث فضيحة مرتبطة بقضايا الاستغلال الجنسي التي يتعرض لها المهاجرون في مراكز الإيواء الأوروبية، كشف تحقيق أجرته القناة الثانية في محطة ZDF الألمانية تعرض اللاجئين المقيمين في مركز "فيلمرسدورف" في برلين للاستغلال الجنسي من قبل شركات أمنية بالتعاون مع موظفي الشركة الموكل إليها حماية مراكز اللاجئين.

وهذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية الاستغلال الجنسي للاجئين بين دول الاتحاد الأوروبي، وبحسب مركز الإحصاءات الأوروبي، فقد استقبلت الدول الأوروبية خلال عام 2016 ما يزيد عن 1,2 مليون لاجئ، في عدد تقريبي للأعداد التي وصلت لأوروبا عام 2015، وتصدّرت دول سوريا، أفغانستان، والعراق جنسيات اللاجئين الواصلين بشكل غير نظامي عبر البحر إليها.

وبيّن التقرير أن عناصر الأمن التابعين لشركة GSO لعبوا "دور الوسيط بين اللاجئين والزبائن" مقابل تقاضيهم أموالًا عن هذا الدور، بينما يتقاضى اللاجئون ما بين 30 حتى 40 يورو، ويقول عنصر أمن في التقرير إنهم: "يتصلون بنا ويقولون: أنا بحاجة لامرأة، أو بشكل عام إلى رجل، وخصوصًا من صغار السن. كلما كانوا أصغر سنًا ارتفعت التسعيرة".

تعقيدات الإقامة في مراكز الإيواء

وفي الحالة الألمانية للتعاطي مع ملفات اللاجئين الذين ينتظرون قرارات منحهم حق الحماية الدولية، فإن القانون الألماني لا يسمح للاجئين المقيمين في مراكز الإيواء الاستفادة من دورات اللغة الألمانية أو العمل طالما أنهم لم يحصلوا على بطاقة الحماية، دون أن تُقدم السلطات الألمانية أي بديل عن ذلك، وبحسب تقرير نشره مركز Pew Research أيلول/ سبتمبر الفائت فإن 49 في المائة من اللاجئين المسجلين لدى الحكومة الألمانية ينتظرون قرار البت بطلباتهم.

وأوضح التقرير أن 1,145 مليون لاجئ من أصل 2,205 مليون وصلوا لدول الاتحاد الأوروبي حتى نهاية عام 2016 ينتظرون في الدول التي تقدموا إليها الموافقة على طلباتهم، وفي هنغاريا وحدها ينتظر 65 ألف لاجئ من أصل 70 ألف قرار المحكمة للبت بطلباتهم، وتأتي خلفها اليونان حيثُ ينتظر ذات القرار 45 ألفًا من أصل 50 ألف تقدموا إليها بطلبات لجوء.

إحصائية لأعداد اللاجئين الذين ينتظرون قرار قبولهم

وتُعتبر الإجراءات الجديدة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي منافية لاتفاقية الأمم المتحدة حول وضع اللاجئين التي بدأ تنفيذها في 22 نيسان/ أبريل 1954، ونصت على تقديم الدول الأعضاء الحماية لكل شخص مُعرض "للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية"، حيثُ ترفض معظم دول الاتحاد الأوروبي استقبال حصصها من اللاجئين الفارين من النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، ويأتي في مقدمتها دول الكتلة الشرقية في الاتحاد الأوروبي.

تُعتبر الإجراءات الجديدة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي منافية لاتفاقية أممية تنص على تقديم الحماية لكل شخص مُعرض للاضطهاد

إحصائية دول المنشأ للاجئين

اقرأ/ي أيضًا: شبكة "شي موريس": الاتجار بالنساء في لبنان الفاسد

الاستغلال الجنسي في مراكز الإيواء

حادثة الاستغلال الجنسي التي تعرض لها اللاجئون في مركز "فيلمرسدورف" لم تكن الأولى في مراكز الإيواء المسجلة رسميًا، فقد كشف تحقيق لمجلة "داس بيبر" النمساوية عن تعرض اللاجئين المقيمين في مراكز الإيواء هناك للاستغلال الجنسي من سيدات نمساويات كبيرات في العمر مقابل المال.

وفي نيسان/ أبريل الفائت، أفادت تقارير لمراكز حقوقية غربية أن الأطفال المهاجرين الذين وصلوا لليونان يتعرضون للاستغلال الجنسي من أجل جمع المال ليتمكنوا من الوصول لبريطانيا أو واحدة من دول الاتحاد الأوروبي الشمالية، وأشارت التقارير أن الأطفال يحصلون على مقابل مادي يبلغ 15 يورو، وأنه يتم استغلالهم جنسيًا غالبًا من رجال في سن الـ35 وما فوق، ويعكس ذلك جانبًا مهمًا من تحول هذه القضية لتجارة مربحة للمافيات التي تنشط في المخيمات التي أعدتها الأمم المتحدة في اليونان ريثما تنتهي من البت في قرار إعادة توطين اللاجئين في الدول الأوروبية.

لكن الأمر لا يقتصر على المخيمات اليونانية أو تلك التي أقامتها هنغاريا على حدودها، بل وصلت قضية الاستغلال الجنسي للأطفال إلى الدول الاسكندنافية التي تُعتبر من الدول النموذجية للديمقراطية، والمدافعة عن حقوق الإنسان، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 طردت السلطات الدنماركية مديرة اللجوء في بلدية "لانغَلاند" في جزيرة "لولاند"، بعدما أكدت تحقيقات استغلال موظفات في مركز "تولا بولا" للقاصرين جنسيًا، كما أن تقريرًا منفصلًا لصحيفة الغارديان البريطانية تحدث عن تعرض أطفال ما دون سن السابعة للاغتصاب من قبل عصابات في مخيمات اللجوء الرسمية.

هل تكفي آراء الأطباء النفسيين لمحاربة الاستغلال الجنسي في أوروبا؟

عند كل حديث عن فضيحة استغلال جنسي يتعرض لها اللاجئون، الذين ينتظرون الموافقة على طلباتهم، تذهب الصحف الغربية لنقل آراء الأطباء النفسيين لمعرفة الأسباب الكامنة وراءها، غير أن الأمر في واقع الحال يحتاج إعادة نظر في القوانين الأوروبية المتعلقة بقضايا اللاجئين الهاربين من الحروب المشتعلة في الشرق الأوسط، والتي كان أبرز أسباب اندلاعها على هذا النطاق الواسع من العنف غير المسبوق في التاريخ أساسًا سياسة الدول الأوروبية الكبرى نفسها.

وفي مقابل ذلك فإنه على الرغم من تقدم المنظومة الحقوقية في العالم برفقة ظهور آلاف المراكز الحقوقية التي توثق مثل هذه القضايا، فإن استغلال ضحايا الحروب يسجل خرقًا واضحًا للقرارات الأممية ليس من جانب مافيات الاتجار بالبشر فحسب، إنما من جانب ساسة الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن فصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أولئك الساسة، وهو المعروف بعدائه الشديد للاجئين، وساهم وصوله للبيت الأبيض بتغذية هذا الشعور عند أحزاب اليمين، ومناصري الأحزاب الشعبوية.

استغلال ضحايا الحروب يمثل خرقًا واضحًا للقرارات الأممية من جانب مافيات الاتجار بالبشر ومن جانب ساسة الدول الغنية أيضًا

وأظهرت وثيقة سرية لاجتماع سري عُقد في آذار/ مارس 2016 بين المفوضية الأوروبية وثماني دول أفريقية، قدم مضمونها مقترحًا يتعهد خلاله الاتحاد الأوروبي منح الدول الثمانية مبلغ 45 مليون دولار أمريكي في السنوات الثلاث القادمة، إضافة لتزويدهم معدات متطورة مثل كاميرات مراقبة، وتدريب خفر السواحل، والمساهمة بإنشاء مخيمي لجوء مشابهين لـ"معسكرات الاعتقال"، ما يشكل مخالفة صريحة للقوانين الدولية، حيثُ تُصنف تلك الدول في الاتحاد الأوروبي على أنها محكومة من أنظمة ديكتاتورية.

ويفضح مضمون الوثيقة حجم التناقض داخل دول منطقة اليورو التي تحاول أن تتصدر المشهد الديمقراطي على المستوى العالمي، فيما تهرول لاستخدام أساليب غير قانونية تعمل في الخفاء للحد من وصول اللاجئين إلى أراضيها، فهي معنية في سياستها أكثر على زيادة رأسمالها باتفاقيات التجارة الحرة، والحصول على مخصصاتها من النفط الذي تنتجه دول الشرق الأوسط، وحين يكون الأمر مرتبطًا بقضايا اللاجئين فإنها تظهر مدى التزامها للحد من وصولهم إلى أراضيها رغم أنها تتغذى على ثروات بلادهم التي فروا منها بسبب مواقف ساستها السلبية.

ونهاية، فإن قضية الاستغلال الجنسي التي أُثيرت في المركز الألماني قبل أيام، وما سبقها من تقارير نشرت اعتبارًا من عام 2015، لن تحدث فارقًا مهمًا قد يؤثر على مفاصل القرار الأوروبي حول قضية اللاجئين، بقدر ما سيبقى الحال على ما هو عليه، كون هذه القضية تأتي ضمن عدة قضايا يتجاهل الاتحاد الأوروبي تمويلها بالمال اللازم لمحاربتها، مقابل صرفه ملايين الدولارات ليس فقط على الحد من وصول اللاجئين إلى دوله بطريقة غير نظامية، إنما بطريقة أو بأخرى يعمل بصرفه هذه الأموال على المشاركة بالانتهاكات الحقوقية عبر تقديمه أجهزة مراقبة متطورة لتجسس حكومات دول الشرق الأوسط على مواطنيها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

معاناة الأطفال في الحرب بين الأذى الجسدي والمعنوي

أطفال سوريا يصنعون ملابس العالم في ظروف سيئة!