فريد عمارة.. سحر البساطة

فريد عمارة.. سحر البساطة

من تصاميم فريد عمارة

"التصميم هو التفكير إذا جُعل مرئيًا" يبدأ المصمم المصري فريد عمارة إحدى محاضرته الموجودة على موقع يوتيوب بتلك العبارة المقتبسة، ويستهل شروحاته عن أعماله في التصميم بذكر عدة نماذج وتجارب تطبيقية من علم النفس التجريبي، ويسطقها على تجاربه. 

تنسحب معه أفكارك حيث الشرح والصور، تفكر بمايقول وتتابع، غالبًا ماتأتيك فكرة ما بضرورة التدوين. تدوين تلك الأفكار المكتوبة في رسوماته، لأنك لن تجد تفسيرًا لها في أي مكان. ليبدو أمامك عالم التصميم والغرافيك عالمًا محسوسًا بالمرئي والمقروئي. هو أشبه بلعبة مرئيات وأفكار. حاول فريد عمارة نقل كل ماتقع عليه عينيه إلى تصاميم مقروءة وبعبارة أدق إلى أفكار يمكنك قراءتها واختبارها. 

فريد عمارة: التصميم هو التفكير إذا جُعل مرئيًا 

مجموعة كبيرة من الأعمال باللغة الإنجليزية والعربية، إلى جانب القصص القصيرة، ومؤخرًا محاولات على جمل من القرآن. كل هذا جعل من تصاميمه عالمٌ تغرق بمتابعه على موقعه الخاص فلا تتركه دون أن تراه وتقرأه كله. البساطة والتدخل الشخصي بالتصميم بما تقتضيه الرسومات والكلمات، هما جوهر تكنيك العمل، لاأفكار معقدة تحتاج للتفسير ولا جمل طويلة يجب التركيز فيها، إلاّ في بعض الأعمال التي تأخذ شكل القصة القصيرة، ولذلك مبرراته الفنية. الكثير من التصاميم لاتحتاج إلى الكلام وأغلبها لا يحتاج إلى الرسم، يوفق عمارة بين هذا وذلك بتقدير مدى ثقل الكلمة الموجودة، فبعض المعاني التي يراها ثقيلة وكافية أن توجد لوحدها على صفحة بيضاء توصل المعنى وتفسر الحالة. كالكثير من الجمل القرآنية، التي لايمكن وضع معها أية خطوط أو أشكال، وغالبًا ما يتم استخدم رقم الآية المزخرف الموضع في الهامش السفلي، كتوظيف موضوعي وتكنيك فني في بعض التصاميم. 

اقرأ/ي أيضًا: فنانو غزة.. تهريب الأمل

أمّا مايستطيع الرسم أن يوصله فلا داعي للكتابة عليه، لتبدو العلاقة تناسبية عكسية، فالتفاصيل والعناصر تكمل بعضها البعض، في إنتاج علاقة ما بين ما أراه وما أفكر فيه. وأنصاف جمل تكتمل بالرسم الموجود عليها، فيأخذ الرسم موقعًا أكبر من الكلمة، وغالبًا ما يكون بالألوان الغامضة كالأسود، وأحيانًا ما يكون للونها شكلًا خاصًا يضيف مسحةً من البريق، تلحظها العين أولًا عند النظر، وتوضع العبارة بألوان فاتحة في مكان يتناسب مع كل ما يُقال. 

في لجوئه إلى البساطة يتعثر بالمباشرة المفيدة، تلك التي يخزنها العقل أسرع، كاستخدام مجموعة من المعاني والضوابط على القول والتفسير، وفي حالات كثيرة تنفلت تلك المحددات على صفحات بيضاء أو سوداء بالكامل، ليكون الفارق المعمول عليه في التصميم ذلك التدخل البسيط من الفنان جاعلًا منه عملًا مميزًا. وعليه فإن الإبداع المُطلّع عليه في خبايا التصاميم يعيش على وضع تلك المفارقات البسيطة إلى جانب بعضها. 

بعد المشاهدة والإعجاب والتأمل يخطر على البال سؤال: ما هو الفن، وماهي الأعمال الذكية والناجحة؟ يعمل عمارة في تدخله البسيط أحيانًا بإنتاجه للمعاني على تقريب الرؤية، يحددها ويجعلها مقروءة، ليقول لك هذا ما أريد أن أقول، ولكن أنظر كيف أصنع منه فنًا حقيقيًا.

في واحدة من أشهر تصاميمه يرسم فيها شجرتين متقابلتين، جذورهما ممسكة ببعضها، كُتب تحتها كلمة معًا "together". هذا التقابل حاضر دون أي تواجد بشري، في بادئ الأمر يبدو أنهما مجرد شجرتين في مكانين بعيدين، إلاّ أن  فيهما من الترابط مايحيلك للتفكير بأن جذورهما جعلت منهما انعكاسًا لبعضهما، في اختصارٍ للقول كاثنين في مكانين بعيدين ولكننا مرتبطين بشدة. أو كزوجين من أي صنف متقاربين رغم المسافة. 

وفي تشكيل آخر لتصاميمه، ألف الألبومات كما يسميها، وهي عبارة عن مجموعة صور مرفقة مع قصة قصيرة مكتوبة، بالتعاون مع أحمد سعد الدين جمال، حين راح مشروع عمارة يأخذ شكلًا أقرب إلى الحكاية المتكاملة بدخول الكلمة وإعطاها مساحة أكبر إلى جانب الرسم، عبر سلسلة من الصور أو اللوحات، كأنها حكاية مرئية قراءةً ورسمًا، إحداها كانت حكاية سورية بعنوان "يُنسى كغيره" عن امرأة عجوز تطعم الطيور، وفتاة ترسل ورق على شكل بجعة لشاب يخاف الانحناءات، هؤلاء العناصر الثلاثة تعاني من وطأة الحرب اليومية في سوريا.

ضمن تلك القصة القصيرة، يضع تفاصيل يوميات الأشخاص الثلاثة بكل مافيها من عادية، أمام ثقل غيابهم بسبب القصف، تنتهي الحكاية بعبارة: "ربما لم يحدث أي من هذا بنفس الشكل الذي يُحكى. لكن الأعداد اليومية، تقول إنه في الواقع، من ناحية إحصائية بحتة.. ربما حدث كل هذا".

في ما سبق وبعباراتٍ قصيرة ومصاغة جدًا، ورسومات موضحة، خدشٌ مبطن للحكاية المصورة، بمعنى أن أروي حكاية متخيلة، حدوثها غير مؤكد، ولكن البراهين تؤكدها، في ذلك نسفٌ للقصص وتأكيدٌ للوقائع. والأهم أنه تأكيدٌ على ضرورة وقف الحرب بطريقة فنية. 

البساطة هي جوهر وأسلوب مُتبع للرسم والقول في أعمال المصري فريد عمارة

من ميزات هذا العمل أن لاكلام يقال فيه فوق الكلام المكتوب، ولاشروحات زائدة تحتاجها التصاميم لإيصال الفكرة المرجوة، فالبساطة الملاحظة في كل عمل هي جوهر أسلوب مُتبع للرسم والقول.

اقرأ/ي أيضًا: حسين الحاج.. الشعر كأشغال يدوية

"افتح قلبك" عبارة صغيرة كتبت في أسفل مساحة بيضاء، تجتاحها غيوم سوداء من الأعلى تبدو وكأنها ستملأ الصفحة وتغطي العبارة. كل ماهنالك أن القلب سيختفي لو بقي سواده بداخله. "كم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرة" نجدها مكتوبة أمام كتابين يميلان على مجموعة كتب، في تفسير مبسط للآية القرآنية، يرى فيها الغلبة في الميل لا بكثرة العدد، ومكون هذه الغلبة الأهم هو كتاب.

الآية القرآنية القائلة "ولاتحملنا مالا طاقة لنا به" على خلفية بيضاء يغتالها السواد ممدود عليها حبل مُمزع يكاد ينقطع، لاأحد يحمل مالاطاقة له به في الرسم، ولكن شيء خفي يحمل وزرًا وعبئًا ثقيلًا عليه، يكاد الحبل معه أن ينقطع. 
الفكرة في الفكرة، وعلاقة التصميم بالتفكير، معالجات فكرية فنية يضعها فريد عمارة لتفسير مايراه ومايفكر فيه على طريقته الفنية، وفي إنتاجه لنوع من أنواع الفنون المعاصرة رابطًا الصورة بالكلمة، في تخيل أصيل لشكل الفن الذي سيتيح له التعبير عن رؤاه الفكرية والفنية. 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يوجد فن سيئ؟

9 تشكيليين رسموا الست.. تلوين صوت الزمن