07-أبريل-2019

زائرة تلتقط صورًا لثورة 1968، خلال معرض لوكالة الأنباء الفرنسية (Getty)

بعد خمسين عامًا على ما سمي أحداث أيار 1968 في فرنسا، أي في العام 2018، أعيد نقاش فرنسي ثري، وانطوى على اختلاف مثير في وجهات النظر حول الموقف من تلك الأحداث وحول أثرها وتأثيرها في المجتمع الفرنسي، وتاليًا الأوروبي، إذ ثمة من يراها أثرت سلبًا، وثمة من يراها إيجابية، ولكن... بعد نصف قرن اختلف الفرنسيون على تقييم أحداث انتهت وقد جرت تحت الجسر مياه كثيرة، وبعد أن صارت فرنسا في موقع تعتبر فيه عالميًا: بلد الأنوار والحريات.

بعد نصف قرن، اختلف الفرنسيون على تقييم أحداث ثورة 1968، التي انتهت وجرت تحت الجسر مياه كثيرة،

ثمة من يعتبر تلك الأحداث حركات طلابية احتجاجية، وثمة من يراها ثورة ثقافية نتيجة أثرها الثقافي ونتيجة مشاركة كبار المفكرين والفلاسفة والروائيين والشعراء آنذاك فيها، إذ شارك فيها كما هو معلوم: جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وميشيل فوكو وجيل دولوز وأندريه مالرو ومورياك وسواهم.

اقرأ/ي أيضًا: ميشيل فوكو.. المنظور الفلسفي للسلطة

انطلقت تلك الأحداث من جامعة "بانتير" في العاصمة باريس، لذلك عرفت عالميا باسم "الحركة الطلابية" وامتدت شرارتها إلى جامعة السوربون وتوجت بإضراب عام شامل في فرنسا في 13 أيار/مايو. وأسفرت عن اتفاق غرونيل في 30 من الشهر ذاته بعد مواجهات دامية مع الشرطة الفرنسية. نص الاتفاق على تعديلات في الأجور، وإصلاحات في الجامعات وحل البرلمان، كما أنها أطاحت بشارل ديغول، الرئيس الفرنسي آنذاك.

ثمة من يرى -على حق- أن فرنسا، بل أوروبا، بكل ما تشهده الآن من مستوى دخل متقدم، ومستوى معيشي متطور (إلى حد ما) ومن حريات مكفولة ومصانة ومن ديمقراطية وغير ذلك... إنما هو ناتج عن تلك الحركات الطلابية التي انتقلت حينها إلى بعض الدول الأوروبية خارج فرنسا. تاريخيًّا كانت فرنسا قبل 1968 واقعة تحت حكم سياسي شبه مطلق بقيادة شارل ديغول، وهيمنة رأسمالية كبيرة حولت المجتمع الفرنسي إلى مجتمع استهلاكي من طراز متقدم... وقد بدأ التغيير، كل ذلك التغيير انطلاقًا من تلك الحركات، أي منذ خمسين عامًا فقط!

لكن ذلك غير متفق عليه من الفرنسيين، ثمة وجهات نظر عديدة لديهم. في الذكرى الخمسين لتلك الأحداث تم نشر مقالات ودراسات وكتب كثيرة تصف وتقّيم تلك "الثورة". ثمة من قال إنها كانت ضربة قوية وانتكاسية لجانب من قيم المجتمع الفرنسي الحديث، وثمة من قال إنها خلصت البلاد من تلك القيم المضادة للتطور والتقدم التي كانت سائدة. وثمة من دعا، لحسم الموضوع، إلى الاستماع إلى رأي الناس الذين عايشوا تلك المرحلة وشهاداتهم، إذ إن النقاشات جميعها كانت محتكرة من قبل النخب الثقافية والسياسية.

ثمة آراء متضاربة حول ثورة 1968، بين من يراها ضربة لقيم المجتمع الفرنسي الحديث، ومن يعتبرها خلصت البلاد من تلك القيم المضادة للتطور

إدغار موران، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير، اعتبر أن "كل شيء تغير، ولم يتغير شيء. النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي عاد إلى طبيعته، لكن المسار الذي انطلق (1968) سوف يبلبل روح العصر والحساسيات". قد يكون موران خشي من تمدد اليساروية التي سرعان ما (اختطفت) حركة أيار/مايو 1968، وانتشرت بعدها في فرنسا والعالم. وقد اعتبرها جان بيير لوغوف أنها ثورة "مراهقة" في كتابه "فرنسا الأمس، سردية عالم مراهق"، ودعا فيه إلى النظر إلى تطورات الحركة ومآلاتها وآثارها بعد تجاوز تلك الصورة "المثبتة" في أيار 1968.

اقرأ/ي أيضًا: محاولة متأخرة لفهم 1968.. "كي لا تذرونا الريح"

بالاستفادة من ذلك الحدث، ليس حدث أيار/مايو 1968 ذاته، بل من حدث النقاشات والانقسامات الكبيرة حوله بعد خمسين عامًا من نشوئه يمكن أن ننظر، بقدر من المراعاة، لثورة آذار 2011 السورية ولم يمض عليها (سوى؟) ثماني سنوات، ولم تزل سوريا غارقة بالدم والدمار كرد على رغبة التغيير التي أطلقها السوريون منذ ثماني سنوات. فالحدث لم ينته، ولم تتوقف نقاشات السوريين حوله (على الرغم!) من مضي ثماني سنوات! وينبغي ألا تتوقف. سنضطر أن ننظر إلى النتائج القادمة، النتائج المستقبلية لنرى ما أنجزته ثورة آذار/مارس 2011، وربما بعد خمسين عامًا أيضًا. النتائج المهمة للأحداث الكبرى تأتي لاحقًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جاك دريدا.. مراثي النقّاد

أكثر من مجرد عد.. كيف يصمم الإحصاء المجتمعات البشرية؟