غِواية الشيخ محمد عمران.. هكذا قرأ القرآن بمقام

غِواية الشيخ محمد عمران.. هكذا قرأ القرآن بمقام "إنما للصبر حدود"

الشيخ محمد عمران (يوتيوب)

(1)

هل حرام أن نقول إن الشيخ محمد عمران يغنِّي القرآن؟

في بيت محمد عبدالوهاب، كان الشيخ محمد عمران يسمع عَزف عبده داغر لمقدمة ابتهال "يا سيد الكونيْن"، مُردِّدًا: "يا سلام.. يا ساتر يا رب.. يا ساتر يا رب".

تنحنح وبدأ: "جئتك قاصدًا.. يا سيد الكونين.. جئتك قاصدًا.. أرجو رضاك"، يكرر: "أرجو رضاك" 5 مرات، كل مرة بنبرة مختلفة، ترتعش حسب درجة الشوق.

لم يعرف عن الشيخ محمد عمران لهثه خلف شهرة أو مال أو جاه كان محافظًا على روح الهاوي وحب التجربة رغم تمكنه

لم ييأسْ الشيخ محمد عمران من شفاعة نبيّ الله، كان يطيل المدَّ في "رضاك" مرة، ويختصر الطريق إلى رضاه في المرة الثانية، يضغط على الياء في "سيد الكونين"، ويطيل نطقها داعيًا الله بما يحبه.. ويحكى أن جبريل أتى رجلًا ليعلِّمه كيف يدعو الله ويعظمه بما يحبه، تبارك وتعالى،  فقال: "اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسرّه، أوله وآخره، ظاهره وباطنه، لك الحمد يا مالك الملك في الأولى والآخرة".

اقرأ/ي أيضًا: أغرب 5 فتاوى مصرية في رمضان

اختصر محمد عمران الدعاء الذي يحبه الله، ويستجيبه في موسيقى صوته وهو يبتهل بقوله: "يا سيد الكونين، أرجو رضاك".. يعترف له بالوحدانية والملك ويترجَّاه، بالدموع، أن يقبله في رحمته ورضاه.. وفي لقطة سريعة بعد كل ما جرى من ابتهال ودموع و"أرجو رضاك" يقول.. "وأحتمي بحماك".

 

موسيقى عبده داغر مستمرّة، وفي الخلفية تسمع عبدالوهاب: "الله الله الله، يا راجل يا جبَّار". فيرد الشيخ "عمران": "العفو، العفو، العفو".. ويصر عبدالوهاب: "يا جبَّار.. يا جبَّار.. يا ساتر"، "يا سيدي، الله يا حبيبي".

والشيخ محمد عمران مستمرّ في اعترافاته: والله يا خير الخلائق.. إن لي قلبًا لا يروم  سواك وبحق جاهك إنني بك مغرمٌ.. والله يعلم إنني أهواك، أنت الذي لولاك ما خُلِق امرؤ.. كلا ولا خلق الورى لولاك".

 

عند الشيخ عمران، الطرب يسع الجميع، عكس القرَّاء والمطربين والمزيكاتية، فقد كانوا على مذهب "عدوك ابن كارك"

 

(2)

عند الشيخ محمد عمران، الطرب يسع الجميع، عكس القرَّاء، والمطربين، والمزيكاتية، فقد كانوا على مذهب "عدوك ابن كارك".

كان الشيخ نصر الدين طوبار يخاف من أداء موشحاته مع الموسيقى، وفي قعدة طَرَب، استوى على كرسيه بعيدًا عن الميكروفون، وانضم لـ"السمِّيعة"، لكن محمد عمران فرش له اللحن، وغنَّى: "يا شيخ نصر الدين تعالى نسمعك.. تعالى تعالى تعالى لمّا لمّا نسمعك".. و"ركّبه المقام"، بلغة الشيوخ، لتبدأ موسيقى الشيخ نصر الدين، وقبل أن يبدأ وصلته، هلِّل الشيخ عمران: "يا روحي عليك".    

وجد الشيخ محمد عمران الونس والدفء في صحبة السمِّيعة، وحمد الله على نعمة "عدم الشهرة" لكي لا تسرق منه لذّة الطَرَب لوجه الله وحده، ولا تمنعه عن القراءة أو الابتهال في مولد النبيّ أو في عزاء أو فرح على سطح بيت قديم.

كان يكره القراءة وبينه وبين ربه حجاب. براح الشوارع والأسطح كان مريحًا له أكثر من ميكروفونات أستوديو الإذاعة.

(3)

في آخر جلسة للشيخ محمد عمران مع عبدالوهاب.. قال له: "في الحقيقة، حرج شديد إن أنا باقول قدام الأستاذ عبدالوهاب، دي مش قليلة أبدًا".

الشيخ محمد عمران شخص تواضَعَ لله ورسوله وخلقه لكن القدر بخل عليه، وحين نجح في امتحان الإذاعة وصلت بيته رخصة العمل كمقرئ بعد وفاته بـ3 أسابيع.

ويقول محمود السعدني عنه: "أغرب شيء أن موتَ الشيخ محمد عمران، آخر العنقود في مدرسة الشيخ علي محمود، لم تشر إليه أية جريدة أو مجلة، ولم يذع خبر وفاته في أية إذاعة.. حتى صديقه الحميم، جلال معوض، سمع الخبر من العبد لله بعد شهر من وفاته، والعبد لله علم بالخبر بالصدفة من قارئ صديق بعد 3 أسابيع من رحيله، وهو دليل أكيد أن العملة الرذيلة تطرد العملة الصحيحة من السوق، وعلى أن الزمن الحاضر فقد موازينه".

اقرأ/ي أيضًا: استعادة متولي الشعراوي.. ماذا بقي لأئمة داعش!

(4)

هات لي مقرئًا أو مطربًا يلحِّن "السلام عليكم".

هو الشيخ محمد عمران.

كان ينشد وصلة "أنشدت في مدحه أحلى أناشيدي"، ولمَّا أنهى الوصلة حيَّاه وَنسه من "السمِّيعة": "يا روح قلبي أنت"، "يا ساتر يا ساتر يا رب"، "الله الله الله، ايه الجمال ده يا عم".. فقال لهم: "بتحاوروني أنا؟ بتحاوروني أنا؟!"، وردَّ التحية بأحسن منها.. ارتجل لحنًا غنَّى به "سلامو عليكوم" كأنه "يفرش" لـ"السمِّيعة"، ويركّبهم المقام ليردّوا عليه "عاليكوم السالام".

 

الشيخ محمد عمران "أصلاً بالخبرة كده بيحب المزيكا". كان في حوار تليفزيوني وسأله المذيع عن مكتبة شرائطه، فقال:

أنا عندي مكتبة من مختلف الحاجات الجميلة.. قرَّاء ومنشدين ومطربين وموسيقيين عالميين.. زي.. بيتهوفن وخاتشاتوريان.

انتظر المحاور أن يسمع من شيخ كفيف أن ليس له في الدنيا إلَّا الأناشيد والمواويل والقرآن، ولا يسمع إلا إذاعة "القرآن الكريم".. ولذلك ردّ باستغراب: "بتسمع خاتشاتوريان وبيتهوفن! بيفيدوك في ايه؟".

فردّ: "أيوه باسمعهم.. أولًا، أنا باسمع حاجات "خاتشا" كلها.. الباليهات والكمنجة والبيانو، أصلًا أنا، إلى حد ما، بالخبرة كده.. بأحب المزيكا".

لكن ما لا يعرفه المحاور أن الشيخ محمد عمران، من شدّة علمه وإحساسه بالمزيكا،  كان أول من يؤذن أذان "هزام"، ويخرج عن الأذان التقليدي الذي وجدنا عليه آباءنا.. و"الهزام" مقام سلمه الموسيقى (سي نصف بيمول - دو - ري - مي بيمول -  فا دييز - صول - لا)، وهو مقام يحتاج أحبالًا صوتية قوية وحسَّاسة.. تشبه أحبال صوت الست أم كلثوم، التي غنّت على نفس السلم "سيرة الحب"، و"للصبر حدود".

 

ولم يسمع المحاور تسجيلًا صوتيًا للشيخ محمد عمران، وهو يعاكس "مدثر".. وإذا اعتبرنا أن محمد عمران يغنّي القرآن والأناشيد والمواويل، فالذي يعزف وراءه فريق موسيقي كامل يتكوَّن من عبده داغر، ومدثر.. كعادة "عمران" يعاكس مدثر باعتباره "بونبوناية القعدة"، وفي هذا التسجيل، لحَّن له "انشالله يجيك، ويحط فيك يا مدثر".

 

(5)

 

حاول الشيخ محمد عمران اختراع "مزيكا" جديدة للآذان، كانت له مليون محاولة قبل أن يصل إلى أذان على مقام "الهزام".. قلّد الشيخ رفعت في التكبيرات الأولى والشهادتيْن، وخلطه بطريقة الشيخ مصطفى إسماعيل في "الحيعلتين" (حيّ على الصلاة، حي على الفلاح)، ورشّ عليها رشّة من روحه ومزيكته.. لكنه فشل.

لم يسع الشيخ محمد عمران للنجاح لكنه كان يجرّب، ولو كان أهم ما في حياته أنه عاش التجربة، فهو "الكسبان".. فضَّل التجريب والتجديد وتقليب موهبته فوق نار هادئة (التفتيش في موهبته) على انتظار تكريم ملوك ورؤساء الدول والممالك والمشيخات.

عاش ومات محترفًا يحافظ على روح الهاوي، لم يلهث وراء الشهرة، والعبايات الحرير، والميكروفونات ذات الصدى الذي يصل إلى بلاد تركب الأفيال، كانت تزعجه، وتتعبه، و"تسلّم قلبه من عِشْق رب العباد إلى غواية العباد".

اقرأ/ي أيضًا:

فتوى تحريم الاحتجاجات العشوائية تثير جدلًا في تونس

فتاوى المغرب.. كل شيء يثير الضجيج