عودة السوبر مان

عودة السوبر مان

فرانكي زاباتا خلال العرض

هناك ما أثار الانتباه ولفت الأنظار خلال مراسم الاستعراض العسكري المقام في شارع الشانزيليزيه الشهير في مدينة باريس، يوم الأحد الفائت 14 تموز/يوليو، بمناسبة العيد الوطنيّ في فرنسا. لم يكن ذلك الأمر الملفت أيّ تصريح أو مضمون خطاب للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي بات محط أنظار الجميع وهدفًا للانتقاد، بل كانت الدهشة في السماء، حيث حلّق رجلٌ على ارتفاعٍ عالٍ يحمل بندقية بيده فوق رؤوس الحاضرين من شخصيات رسمية في أركان الحكومة وضيوف الاحتفال من شخصيات سياسية وزعماء دول، إضافةً لجمهورٍ غفير من المواطنين المحتشدين لمشاهدة العرض العسكري.

يعتمد الاختراع الجديد لـ فرانكي زاباتا على خمس محركات توربينية صغيرة وخزان للكيروسين، يساعده على الإقلاع والطيران لمدة محددة

يعتبر هذا العرض من العادات الرسمية في مثل هذه المناسبة، فهو يرمز إلى قدرات فرنسا العسكرية واستعدادها للدفاع عن نفسها، كان قد أقر عام 1880 بعد 10 سنوات على هزيمة فرنسا أمام بروسيا، لذلك فيه قصديّة من إظهار أهمية الجيش وإمكانياته والتأكيد على مكانته كضامن للوحدة الوطنية.

اقرأ/ي أيضًا: كذبة ماكرون لمواجهة الأخبار الكاذبة.. عين على فترة رئاسية ثانية

وقف ذلك الرجل على لوحٍ طائر مرتديًا ما يشبه لباس رواد الفضاء، واضعًا خوذة يقال إنها مصممة خصيصًا لمين سيطير بهذا اللوح الطائر، تساعد على تحديد الإحداثيات وتزوده بالمعلومات الكافية حول الوقت وسرعة الرياح، نسبة الارتفاع ومعدل الوقود. كان الرئيس الفرنسي الذي حضر الاستعراض الرسمي فخورًا كما علق على صفحته الرسمية على فيسبوك بالجيش الفرنسي الحديث والمتجدد، لتصل لنا نحن المشاهدين الذين لم نصدق بعد ما نراه على الشاشة، تصل تلك الجملة محملّة بعشرات الصور التي تتبادر إلى أذهاننا حول إمكانية حصول طيران فردي بالوقوف على لوحٍ نفاث - هذا لأول وهلة- وفيما بعد تتركنا صدمة طيران جندي عسكري مع بندقية في السماء في حيرةٍ وخوف كبيرين من أن ذلك قد حدث فعلًا.

من هذا الرجل وماذا يفعل في الاستعراض العسكري للجيش الفرنسي؟ إنّه المخترع الفرنسي فرانكي زاباتا، بطل العالم في رياضة التزلج، كان زاباتا قد أطلق اختراعه الجديد اللوح الطائر الهوائي في برشلونة عام 2016، والذي يعتمد على خمس محركات توربينية صغيرة وخزان للكيروسين يساعده على الإقلاع والطيران لمدة محددة. في تلك الفترة كان الجهاز ما زال قيد التجريب ويتم إجراء اختبارات السلامة عليه. كان زاباتا قد صرّح في ذلك الوقت بأن اختراعه غير متوفر لعامة الناس ولا يمكن استخدامه للتنقل، وعندما يصبح متوفرًا سيكون له استخدامات عديدة في عمليات الصيانة والإنقاذ والجيش. وهذا ما قام به زاباتا حقيقةً عندما تأكد من أن اختراعه في أتم الجاهزية وصار بالإمكان تعبئة خزان الوقود، ربط الحزام والطيران به واقفًا فوق رؤوس البشر في الشوارع. وقد اختار له أو اختير له مناسبة عامة في فرنسا بلد الاختراع الأصلي، في يومٍ مميز هو اليوم الوطنيّ، ليتم فيه الإعلان عن استخدامه الجديد، هذا اليوم الذي يُذّكر بسقوط سجن الباستيل عام 1789 على أيدي الثوار الباريسيين، أحد أهم الأحداث المؤثرة في الثورة الفرنسية فهو يؤرخ لنهاية الملكية المطلقة ذات السلطة المقدسة التي مثلها الملك لويس الرابع عشر. كما أن الاحتفال باليوم الوطنيّ يؤكد على المصالحة الوطنية والوحدة بين جميع الفرنسيين، باختصار هو يوم الشعب ويوم انتصاره وتحقيق المساواة والعدالة.

ماذا لو باعت فرنسا لقوات الأمن الداخلي المصري عشرات الألواح الطائرة لتغزو سماء القاهرة؟

وبالعودة إلى سؤالنا ما الذي يفعله هذا الرجل الطائر في هذا اليوم، فهذا ما كشف عنه خيالنا وفضحته المخاوف. لربما نسيّ زاباتا الاستخدامين الآخرين الصيانة والسلامة وفضل أن يهدي الدهشة الأولى للرئيس الفرنسي ويتركنا بأفواهنا المفتوحة فزعًا نفكر فيما لو صار لهذا الجهاز استخدامات عسكرية حقيقية، وفيما لو طارت كتيبةٌ من الجيش في السماء أمام المتظاهرين في أحد أيام السبت حيث الموعد الدائم لمظاهرات السترات الصفراء في مدن فرنسا، تلك المظاهرات التي خفت بريقها لما لاقته من قمعٍ وتشويه، ماذا سيكون مصير المتظاهرين لو تحققت هذه النبوءة؟ أو في سيناريو أسوأ لنتخيل معًا أن تقرر فرنسا تصدير اختراع زاباتا للدول العربية التي تشهد مظاهرات واحتجاجات، حينها ربما سنرى قوات الجنجويد تطير في سماء الخرطوم على سبيل المثال، أو قوات حفظ النظام تطير في شوارع الجزائر العاصمة، ماذا لو باعت فرنسا لقوات الأمن الداخلي المصري عشرات الألواح الطائرة لتغزو سماء القاهرة، هذا وقد سبق أن فعلتها فرنسا في مصر تحديدًا عندما قامت ببيع أجهزة مراقبة للسلطات المصرية.

اقرأ/ي أيضًا: السترات الصفراء تربك النظام المصري

ربما أخطأ المخترع الذكي في وضع مولوده في أمانة الجيش، فهم لن يحسنوا معاملته، على أقل تقدير هذا ما أخبرتنا به ابتسامة الفخر على وجه الرئيس الفرنسي، فماذا ستخبرنا تلك الابتسامة فيما لو تحققت تخيلاتنا وارتسمت على وجه الرئيس المصري أو القائد العسكري السوداني؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماكرون.. زمن ذهبيّ قصير

"Vécu".. إعلام السترات الصفراء البديل في وجه فرنسا الرسمية