عن رضوى عاشور وغرناطة وسيناء التي أعرفها

عن رضوى عاشور وغرناطة وسيناء التي أعرفها

ضوى عاشور (1946-2014)

انتهيت منذ أيام قليلة من قراءة "ثلاثية غرناطة" للكاتبة الجميلة رضوى عاشور، كما انتهت إجازتي القصيرة أيضًا وحان موعد عودتي للكتيبة اليوم. ينتصف طريقي غالبا حين أصل إلى قناة السويس. أحتاج فقط إلى المرور إلى الجانب الآخر من سيناء لبدء رحلة الوصول إلى مقر وحدتي العسكرية، بكل ما يحمله ذلك العبور من رمزية ودلالة.

تأخذنا "ثلاثية غرناطة" إلى الحواري الأندلسية والمساجد وولع الزخرفة على الأبواب والبيوت وولع النسخ وقراءة الكتب

في تلك الدقائق المعدودة التي يتخللها العبور، أرمي خلفي حياة كاملة وأحمل معي فقط ما أستطيعه من أحلام تعينني علي قضاء الأيام هناك، في تلك اللحظات التي أقف فيها عند حدود مدينة السويس مواجها الصحراء بكل ما تحمله لي من عوالم متوازية ومتداخلة وتناقضات لا حدّ لانتهائها، تبدو بدائل العبور أمامي محدودة للغاية، لكنّني أختار المرور عبر أحد المراكب الصدئة التي يمتلكها الجيش، متفاديًا المرور عبر النفق المظلم بأفعال حُرّاسُه، أنتظر على جانب الطريق مادًا يدي أستوقف سيارات النقل الثقيل الذاهبة لمصانع الإسمنت بشمال سيناء، وأتفحص وجوه السائقين طالبًا حملي معهم في طريقهم المار بوحدتي العسكرية القابعة وسط تلك الصحراء الشاسعة، المترامية في أقصى شرق البلاد هناك.

اقرأ/ي أيضًا: رضوى عاشور.. عاشقة من مصر

في الطريق، تداهمني الدهاليز التي ورطتني بها الجميلةُ الروح والساحرة رضوى، منذ أغلقت آخر أوراق الرواية ولم تفارق خيالي مشاهد غرناطة وبَالَنسيَه والجعفرية... وغيرها من المدن والحكايات التي صنعتها رضوي كعالمٍ مِن نِثَارِ الذكريات لا يزال مُضطرمًا في أعماقي.

من السيارة أنظرُ إلى نتوء الصخور وتموّج الرمال الناعمة، فتبدو  لي كممرات للذاكرة بجسدِ الصحراءِ الملتويَ من حولي وتنحني مُشكِّلَةً أقواسًا ومُنحنيات صاعدة وهابطة بشكلٍ يَعِدُ بسحرٍ لا متناهٍ. طيف وسطَ كُل هذه المشاهد الساحرة من تلك الليلة الخريفية، يأخذني هناك، إلى أقصي الشمال، إلى بلاد ما وراء البحار كما كانت تسمى؛ يأخذني لعلي ومَريَمَة وحسن وسعد ونعيم وسُليمة وعُمر الشاطبي وأبو جعفر وأبو منصور، إلى مالقة وشنيل وعين الدمع والبيازين والحمراء، إلى آثار البيوت والقلاع والحنايا والمقابر والحوانيت ومطبعة أبي جعفر وحمام أبي منصور الذي ظَلَ يحمل مفتاحهُ لأربعين عامًا بعد ما حمله أبوه وجده وجد جده حتى جاء القَشتَاليون وأغلقوه، لأنه من عادات العرب السيئة كما قالوا!  

تأخذني إلى الحواري والمساجد وولع الزخرفة على الأبواب والبيوت وولع النسخ وقراءة الكتب.. تمر سطور الرواية أمامي كلوحات سريالية على حائط من زجاج السيارة ومراياها الكثيرة حولي، وتبدو لي كلماتها ككُرة من الخيط تلتفُ حولي ولا أجد منها مهربًا. تقولُ رضوى علي لسان أحد أبطالها: "كأن الأيام دهاليز شحيحة الضوء كابية يقودك الواحد منها إلى الآخر فتنقاد، لا تنتظر شيئًا، تمضي وحيدًا وببطء يلازمك ذلك الفأر الذي يقرض من خيوط عمرك". أقرأ هذه الكلمات وأُكمِل السطور التي تليها محدثًا نفسي: يا لها من ساحرة، تكتب لتقُضّ بالكلمات مضجعي.. وأُكمل كلماتها: "ثم تتساءل: هل كان حلمًا أو وهمًا؟ أين ذهب رنين الأصوات، والمدى المفتوح علي أمل كقرص الشمس في وضح النهار؟".

أمسَت هذه الكلمات طيفًا يراودني أينما ذهبت، أعيش أسيرًا بينها وبين كل العوالم التي انفتحت على مصراعيها جِراء هذه الكلمات التي كُتبت لتصير بمفعول الصدمات الكهربائية.. أتحسر على الآمال التي بدت لجيل كامل كقرص الشمس في وضح النهار قابلة للتحقق، لكنها أمست للكثير وهما عشناه زمنًا وانقضى.

تقول أيضًا: "تمضي وحيدًا وببطء يلازمك ذلك الفأر الذي يقرض من خيوط عمرك".. وأي فأر سيدتي ذلك الذي يقرض من أرواحنا كلما اشتهى!! غُصةٌ في النفس سكنتني، دهشة ووجع وشوقٌ وألم لا حدود له.. لا زالت تَجولُ ببالي مشاهد وحكايات السقوط المدوية، وتختلط بواقعي المهزوم ولا أدري عن أي عالم كانت الرواية تحكي!! وكل العوالم حولي تبدو كغرناطة السقوط!! إلاّ أن ذكراها أجمل.

رضوى عاشور: كأن الأيام دهاليز شحيحة الضوء كابية يقودك الواحد منها إلى الآخر فتنقاد

يشتتني صوت السائق شاكيًا مرارة العمل وصعوبة الطريق مرة، وسائلًا مرات أخري باديًا تعاطفه مع غربتي في هذا المكان المُقفر، مسترسلًا في سرد حكاياته وذكرياته مع الطريق التي لا تنتهي، بينما تختفي معالم الصحراء المتشابهة في ظلمة الليل الكالحة حولي إلا ما يظهر منها من ضوء السيارة الأمامي في طريقي الطويل، تبدأ الأرض أمامي في الاستواء وتلوحُ لي "الحَسَنَة" مقر وحدتي العسكرية عند حافة الأفق بأنوارها الكئيبة، ولوحات الطريق التي تُعلن عن اقترابنا.. أفكر في المصير الذي ينتظرني هناك.. صراعات أخرى.. هلاكٌ روحي.. وتناقضات تملأ المكان حتى ذرّات التراب ونسمات الهواء.

اقرأ/ي أيضًا: أطياف رضوى عاشور.. خفة لغة الحكاية

كل هذه الصحراء الشاسعة التي طالما كنت أتوق للسير والترحال فيها، آتيها الآن بروحٍ مقبوضة مقيدًا بكل تلك الأصفاد والقيود العسكرية الرتيبة الخالية من كل المعاني.. ولا أجد من كل ذلك مهربًا إلا بالكتب والشعر وروحٌ مُؤنِسةٌ لطالما أنقذني طيفها حولي .

تختلط كل تلك الأفكار في رأسي المضجَرة حتى ثنايا عقلي المهزوم كشيء من العبث الذي اعتدته في هذه الأيام، يراودني تشابه الأحوال، النفوس والهزائم، كلها متشابهة. اختلفت الأزمنة وتبقت القلوب المنكسرةُ على نفسها عصيةٌ على الاختلاف والتبدُّل. مصائر الشخصيات تنذرني بانكسارات لا حدود له، صار الواقع المرير مشهدًا معتادًا ما بين غرناطة الماضي وقاهرة الحاضر.. وأرى نفسي مُفككٌ لآلاف القطع المتناثرة، وكل ما حولي عبارة عن بيئة رمادية هشة ومفككة لا تصلح لأي حياة. أنظر لنفسي متسائلًا: كم من الجسور نحتاج لنرمم بين مفردات الماضي والحاضر، ونفهم طيّات الزمن؟

كالنجاة من فوضى الروح هذه وآلام الفقد ووجع الوحدة ونسيان الذات خلف كل هذا الترحال، وكل تلك الأسئلة التي حيرتني وأرهقتني إجاباتها كما لم تفعل سواها، تلك التي صفعتني بها ورأيت أثرها على وجه على أيضًا.. نجاة فتاة قابلها علي هاربًا من كوثر التي كانت كجزيرة على ظهر حوت، ظاهرها بديع وباطنها مظلم، عكس نجاة تلك التي تركها أيضًا ليهرب من الحقيقة المؤلمة التي أضحت بركانًا ثائرًا في عقله وقلبه . كانت نجاة تُجسد كل تلك الصراعات النفسية التي خلّفتها حروب القَشتَاليين علي الإسلام في جيلٍ تلو جيل.. كانت أسيرة قوادٍ نصراني امتلكها بعد أن تخلي عنها حبيبُها مُتخاذِلًا، فكانت مجبرة على بيع جسدها، ومجبرة على بيع روحها، كما كانت تحكي لعلي مستجيرة علّها تجد إجابة لكل تلك التناقضات التي تعتريها وهي في الكنيسة مجبرة على الصلاة للمسيح كقيد على المكوث في الأندلس كغيرها ممن رفضوا الرحيل.. تقول شاكية له: "أذهب إلى القداس وأركع وأصلي للمسيح، وأذكر كلام أبي وأدعو لرب المسلمين، ثم أضطرب ولا أدري أيهما هو الرب الصحيح. فـأدعوه لكي يساعدني". وصمتَ علي ولم يستطع الإجابة.

تتراءى لي حكاية نجاة كما أرادت رضوى؛ مرآة جاءت لتفضح التيه الذي ضللنا فيه السبيل و الصمت الفاضح على وجوهنا، ثم تفتتت في صمت وذابت في الرمال دون أي أثر في الرواية .

بلحظة تكاد يختلط بها اليأس بالحزن المرير. يتساءل علي محادثًا عمر الشاطبي: "وهل تعتقد يا سي عمر أننا قادرون علي هزيمته؟"، قاصدًا عدوه القَشتَاليين، فيرد عمر بثقة: "بعون الله قادرون، ماذا دهاك يا علّي، أين إيمانك يا رجل، ليس ما نعانيه سوي اختبار لقوة إيماننا، فهل ترسب يا علي في الاختبار؟".

تظل "ثلاثية غرناطة" ثقيلة كما الهزيمة، لكن فيها من الأمل ما يفيض، كما في عيون رضوى وروحها

يترك عمر عليًا يحدث نفسه: "من أين يأتي الشاطبي بكل هذا اليقين؟"، ويتركني علّي لأغوص في ثنايا عمر الشاطبي، أفكر في أبي.. أتذكر جملة كتبها روائي تلبستني حتى العظم: "قد لا أشبه أبي لكنه يسكنُ تحت جلدي".

اقرأ/ي أيضًا: سيرة ذاتية متنها رضوى

بقدر ما كانت تقربني الثلاثية من ذلك العالم الذي كنت أبحث عنه بقدر ما رأيت في الشاطبي شيئًا من والدي، الذي لم أشبهه كثيرًا لكنه يسكن تحت جلدي، أراه في ذلك الإيمان الجميل الذي لم أعرف الوصول إلى يقينه قط، بقدر ما جعلتني الرواية أقف على أرض من الواقعية الممزوجة بشيء من الهزائم المتجددة، بعيدًا عن السحر والحكايات اللاتينية الأخّاذة التي اعتدت قراءتها، إلى مزج الحاضر بالتاريخ والهزيمة بالأمل.

تظل الرواية ثقيلة كما الهزيمة، لكن فيها من الأمل ما يفيض، كما في عيون رضوى وروحها. شيء في الفكرة يحضُّ على التفكير، الأمل والسعي باتجاه المعرفة بالحياة ذاتها، الرواية ذاتها تظهر كعزف منفرد، كعمل ثوري يحض على كل هذه الأشياء الجميلة، وعلى الحياة أكثر. فشكرًا رضوى علي عذوبة روحكِ، وما كتبت يداك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لا وحشة في قبر رضوى

رضوى.. سلام كما ينبغي لنبل الكلمات