سيرة ذاتية متنها رضوى

سيرة ذاتية متنها رضوى

بوستر لرضوى عاشور (فيسبوك)

لا أظن أن الوقت كان يمر. كنت أنا من يخطو فوق الوقت، كانت السابعة إلا الثلث صباحًا، قبل أن تستقل الشمس بسماء طليلطة عام 2008. لكن الناس يتحركون، المتاجر تستعد للاستيقاظ، كانسو الشوارع، الطلبة، الأتوبيسات التي تجوب طليطلة دون كسل. لم أنم ليلة البارحة.

حملت حقيبة صغيرة على ظهري وضعت فيها دفتر ملاحظاتي وبعض الكتب، وخريطة للمدينة. لست جيدة في اتباع الخرائط. سرت في الطريق، رأيت وجه البروفيسور إجناسيو الذي عُرف من جدول محاضراتنا المرسل على الإيميل، أنه يدرس مادة لم أسمع بها من قبل وهي "أخلاقيات الترجمة".

وجدتها فرصة جيدة. مشيت خلف الرجل. أقطع الطرقات وفقًا لخطاه هو. أتجنب اضاعته وكأنني لو أضعته لن أصل. كان يمشي بسرعة. وكنت أمشي محاولة البحث في معالم المدينة الصغيرة التي لم تستيقظ بعد أي شيء مألوف.

مرت أيام كانت خلوتي فيها قراءة غرناطة رضوى عاشور. كنت أقرؤها بتمهل حتى لا أنتهي منها بسرعة، فتعود غربتي لتتضخم أكثر من ذي قبل

لم يكن يومي الأول لكنه كان يومي الأول بين أيام أولى كثيرة. المبني عتيق كالمدينة. هذه هي المدرسة التي أنشأها ألفونسو العاشر الملقب "بالحكيم" وألف فيها تاريخ العالم.

اقرأ/ أيضًا: تواطؤ الكاتب مع الموت

في يومي الأول في المدينة كان معي شاب فلسطيني أردني أسمه طلال، يتحدث الإسبانية بطلاقة وليس مثلي، يعيد الجمل ويسترجع الكلمات. كان قد مضى على تعلمي للإسبانية 5 سنوات فقط. اللغة تحتاج إلى قسم كبير من عمرك لتقيم معها علاقة ودية.

حين تدخل يفاجئك ممر طويل على جدارنه صور عديدة مرسومة، ثم عدة مساند خشبية تحمل كتبًا عربية تمت ترجمتها إلى الإسبانية بأصلها العربي. مرت عيني بسرعة بين الكتب حتى وقعت على ثلاثية غرناطة لكاتبة تدعى "رضوى عاشور" كانت المرة الأولى التي أسمع فيها الاسم وليست المرة الأولى التي أسمع فيها عن الرواية التي يتحدث عنها أصدقائي في القاهرة بشغف عجيب.

كم من الوقت لدي؟ كنت قد تركت البيت لأذهب إلى المدرسة. كان بيت الطلبة يقع على منخفض اسمه "الكانترا" أو القنطرة، تنزله هبوطًا إلى حيث "ريزدنثيا توماس إي باليينتيه"، مدخله مصمم على شكل سلالم متقاطعة مائلة تناسب الطلبة الذين يحملون حقائب جرارة.

كانت القنطرة مرهقة صعودًا وهبوطًا وخاصة لبدينة مثلي. في آخر القنطرة يقف تمثال لـ"ميجل دي ثربانتس"، مؤلف الدون كيخوته، أو الدون كيشوت الفارس الذي عُرف بمحاربة طواحين الهواء، كنت أتعلق به لأتصور جواره، كنت أحكي معه في معظم الأوقات. يومًا ما قلت له "القنطرة متعبة يا عزيزي".

تناولت ثلاثية غرناطة وقرأت. لا أذكر كم من الوقت مضى وأنا أقرأ. ولا أظن أن الوقت كان يمر. كنت أنا من يخطو فوق الوقت، وملل الاغتراب، ورطوبة سبتمبر في طليطلة. وهبوط وصعود القنطرة، كل يوم.

كنت كمن أصيب بالذهول من صدمة ما. كانت محاضرة إجناثيو عظيمة، مقارباته، تناوله، كل شيء كان رائعًا. من وقت لآخر. كنت أتحسس رواية رضوى وكأنني أقول للبيازين، وروائح البخور والطعام، والناس إنني أعود. انتهت المحاضرة. مجموعة ذهبت لتناول القهوة. كان رمضان ينهي عشرته الأخيرة. جلست في غرفة المحاضرات أستكمل ما بدأت.

بدون مبالغات. اختلفت طليطلة كثيرًا، بل اختلفت إسبانيا كلها. رحت أردد جمل الأبطال وكأنني أذكر نفسي بما حدث في المشهد هذا وذاك. تساءلت عن وجود الله. عن الغربة والمحبة والكآبة والسفر، والجنون والوجود والحياة.

مرت أيام كانت خلوتي فيها قراءة تلك الرواية. كنت أقرؤها بتمهل حتى لا أنتهي منها بسرعة، فتعود غربتي لتتضخم أكثر من ذي قبل.

اقرأ/ أيضًا: الطنطورية باكية في ذكرى ميلاد السيدة

ذات مرة حملتها معي لغرف الطعام. كان الغداء. وكان مسموحًا بزيارة واحدة لكل قسم على الطاولة. لم أنتبه أني مررت على قسم الفاكهة مرتين. هتفت الطاهية في وجهي: زيارة واحدة! ابتسمت في خجل.

كانت تربيتي في مدرسة الراهبات الكاثوليك جعلتني مسلمة كاثيوليكية. وكان هذا كفيلًا بجعلي حساسة وهادئة ومستجيبة لكل ما يقوله النظام حتى لو بدا أخرقًا. كان ذلك في البداية فقط!

لا أدري لماذا حين أتحدث عن رضوى يصبح كل شيء ذاتي، وكل قصة شخصية. هل تتشابه قصصنا؟ ربما أنا شجر التي كتبت عنها في أطياف

بعد عدة أسابيع كانت صداقة متحفظة قد دبت بيني وبين كثير من الطاهيات وخاصة الأصغر سنًا بينهن. كانت تساعدني في أكل طعام لا يحوي "البورك" أما في الأيام الكبيسة فقد كنت أكتفي بعد صيام النهار الطويل بالخبز والسلطة. مرت رضوى على عقلي بروايتها، فأعادت ترتيب الغربة بداخله.

ألححت على أصدقائي لترتيب رحلة إلى غرناطة. كانت مغامرة كبيرة، ومكلفة. كانت غرناطة تبعد سبع ساعات بالأتوبيس، وثلاثًا بالقطار. لم يتحمس الزملاء. الذين كانوا ثلاث مكسيكيات وأمريكي، وإيطالية. وبرتغاليان. وقررنا في النهاية زيارة مدينة أرض الجوز أو "أرانخويس" حيث مجسمات صغيرة لقصر الحمراء والحدائق، وبعض الممتلكات الملكية المعروضة للعامة.

كان المرشد السياحي في المتحف يتبع خطوتي أنا تحديدًا. ويخفي ابتسامة خبيثة. حتى هاجمني حنين ساذج فدمعت عيناي. احتضنتني صديقتي فانيسا البرتغالية وهي تضحك، فضحكت معها بصوت عالِ.

لا أدري لماذا حين أتحدث عن رضوى يصبح كل شيء ذاتي، وكل قصة شخصية. هل تتشابه قصصنا؟ ربما أنا شجر التي كتبت عنها في أطياف. لكنني مها التي ستكتب عن رضوى لفترة طويلة. عن امرأة توحدت معها في تفاصيل كثيرة. قد أسردها في نص طويل ذاتي يروي قصتينا في متن واحد.

 

اقرأ/ أيضًا:

 8 أعمال روائية من أدب السجون العربي

لا وحشة في قبر رضوى