عندما مات حافظ الأسد!

عندما مات حافظ الأسد!

حافظ الأسد تشرين الأول/ أكتوبر 1973 (Getty)

1

صادف أن والدتي كانت في زيارة لمنزل عائلة مقدم البرامج الدينية في التفزيون السوري مروان شيخو، عندما أخبرته عائلته بقدوم اتصال من القصر الجمهوري يطلب منه الحضور بملابس سوداء إلى مقر الإذاعة والتلفزيون في ساحة الأمويين. حدث ذلك عصر العاشر من حزيران/يونيو سنة 2000، لم يكن أحد يعرف السبب الذي دفعهم لطلب ارتداء الثياب السوداء من الرجل الملتزم دينيًا، صاحب المزاج الأنيق في اختيار الملابس ذات اللون الداكن أو أطقم السفاري.

دخلت القنوات الرسمية السورية، منذ 10 حزيران/يونيو 2000، في حداد على حافظ الأسد جرى خلاله بث آيات قرآنية متواصلة على مدار 40 يومًا

كانت الساعة الخامسة مساءً تقريبًا موعد اجتماعنا اليومي في الحي مع أصدقائي، عندما عدت إلى المنزل لسبب لا أتذكره، كان والدي يمسك المذياع بيده يسمع موجز أهم الأنباء على هيئة الإذاعة البريطانية BBC حين أخبرني بموت حافظ الأسد. كانت BBC من أوائل الإذاعات التي أعلنت موت الأسد قبل أن يشاع ذلك رسميًا، ربما لأن الخبر كان مكتمًا عليه ريثما ترتب أمور التوريث.

اقرأ/ي أيضًا: حافظ الأسد وساسوكي

عدتُ مسرعًا إلى الزقاق لأقطع على أصدقائي لحظات التنبؤ بهوية المنتخب الفائز بكأس الأمم الأوروبية التي كانت ستنطلق مساء اليوم ذاته. لم يصدق أحد منهم الخبر، ظن الجميع أنني أكذب عليهم، وبدأ الجميع بنهري خوفًا من عواقب مثل هذه الأخبار الكاذبة. بعدها بساعة عرفنا أن القصر الجمهوري خسر الأسد، ونحن خسرنا مشاهدة بث البطولة مباشر على التلفزيون الرسمي مثلما خسرت إيطاليا النهائي أمام فرنسا بهدف دافيد تريزيغيه التافه مهاجم يوفنتوس الغريم التاريخي لإنتر ميلان. على أي حال كان هدف تريزيغيه ذهبيًا لكن موت الأسد لم يكن كذلك.

وأخيرًا قطع البث المباشر على كافة القنوات الرسمية مرئية ومسموعة؛ أطل مروان شيخو في تمام الساعة السادسة مساءً بتوقيت دمشق، بوجه شاحب، عينان دامعتان، وبصوت مبحبوح كانت تخرج منه الكلمات متلعثمة، وبعد مقدمة تراجيدية أعلن: موت الأسد. ودخلت القنوات الرسمية في حداد جرى خلالها بث آيات قرآنية متواصلة على مدار 40 يومًا، وأصبح ينقل مراسم التشييع، العزاء، وجلسات مجلس الشعب المكوكية التي عقدت لتعديل الدستور حتى يتسنى توريث الأسد الابن للسلطة.

فجأة فرغت شوارع الحي المرتبط بأسطح منازله مع منازل أحياء العشوائيات من الناس. أغلقت المحال أبوابها. توقفت حركة السير المرورية. وألتزم الجميع منازلهم. كان المشهد أقرب من محاولة انقلاب فاشلة. صمت مخيف من القادم كأن البلاد إما خارجة من حرب أهلية أو داخلة إلى المجهول؛ لم يكن ذلك مهمًا في ذلك الوقت، لأننا اكتشفنا بعد 11 عامًا ماذا يخبئ لنا قدرنا مع الأسد الابن!

2

بعد أن أنهيت أول ستة أشهر من خدمتي الإلزامية متنقلًا بين حلب وريف دمشق، جاءني الحظ سنة 2009 أن أقضي بقيت خدمتي في مطار التيفور العسكري في منتصف الطريق الصحراوي الذي يربط بين مدينتي حمص وتدمر. أتاحت لي خدمتي في المطار التعرّف بأنواع مختلفة من الضباط أو صف الضباط المتطوعين. كان لدينا مثلًا ضابط برتبة ملازم الذي تخرّج حديثًا من الكلية الجوية أو الحربية لكنه يتعامل معنا نحن صف الضباط المجندين على أنه لواء. ويوجد الضابط الذي يثرثر بين الدقيقة والأخرى عن صديقه الضابط ذي الرتبة العالية مع أنه لا يعرفه.

من بين هذه النماذج، كان يوجد المقدم فاضل الذي يتعامل على أنه لواء رغم معرفة الجميع أن المثل الشعبي "كلامو مثل شباط ما عليه رباط" ينطبق عليه كثيرًا. وكان يحبّ الجنس كثيرًا رغم خوفه الدائم من زوجته، لا يصرح بذلك لكن أحاديثه الدائمة عنها تفضحه. في أحد المرات اتصل ضابط برتبة عالية مع العقيد قائد السرية كوساطة لمنحي إجازة لمدة ستة أيام، كنتُ صباحًا قد تشاجرت مع المقدم فاضل بعد أن أرسلني لتنظيف إحدى آليات الإشارة غير المسؤول عنها.

جاءني بعدها بساعتين يخبرني أنه طلب من العقيد منحي إجازة بسبب إنجازي مهمة تنظيف الآلية بشكل ممتاز، كنتُ حينها على علم مسبق من اتصال مع شقيقي بمنحي الإجازة المتفق عليها بين الضابطين، عرفتُ عدم صدق المقدم فاضل لصعوبة حصولي على إجازة كونه لم يمضِ خمسة أيام على عودتي من الإجازة. حديثه معي بهذه الجرأة جعلني أعرف أنه يريد شيئًا مقابل ذلك، وبالفعل طلب مني USB ممليئة بالأفلام إباحية.

كلما تذكرت المقدم فاضل أسترجع أهم المزايا التي كان يتصف بها: يعشق الأفلام الإباحية والثرثرة والنميمة، يخاف من زوجته دائمًا ومثيرًا، ومستنفر طول الوقت تحسبًا لهجوم استباقي يشنه العدو الغاشم على مواقعنا، كان يهوى تذكيرنا بأننا في حالة حرب مع العدو لا حالة سلام، والأهم من ذلك يمكنك أن تدفعه للحديث حول أي موضوع مقابل سندويشة فلافل. حلّت الذكرى السنوية لموت حافظ الأسد أثناء تواجدي في مطار التيفور. كنّا في المهجع نشرب المتة عندما دخل علينا المقدم فاضل ينهرنا لعدم ذهابنا للساحة العامة لحضور حفل التأبين السنوي الذي تشارك به كافة صفحات الصحف الرسمية. أرادنا الذهاب قبل بساعتين حتى يُجنب نفسه المساءلة أمام القيادة.

حين مات الأسد الأب فرغت الشوارع من الناس. أغلقت المحال أبوابها. توقفت حركة السير المرورية. وألتزم الجميع منازلهم

بعد فترة من الترّجي اقتنع المقدم فاضل بالجلوس معنا لشرب كأس متة لأن الوقت ما زال مبكرًا على الذهاب إلى الساحة. بعد اندماجه بالحديث معنا عن زوجته التي تقضي العطلة في قريتهم الساحلية، وحاجته لأفلام إباحية جديدة بعد رميه للـUSB بسبب اكتشاف زوجته لها، سألناه عمّا حصل حين مات الأسد.

اقرأ/ي أيضًا: حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

تنهد المقدم فاضل بطريقة مؤلمة، ثم أخبرنا: أعادونا من منتصف الطريق.. كنا في الطريق إلى منزلنا عندما طلب من السائق إعادتنا بسبب استنفار حصل حالًا في المطار. أوقفت الإجازات. طلب من الضباط وصف الضباط الذين يقضون إجازتهم قطعها، والالتحاق مباشرة بالخدمة. وقبل أن ينهي حديثه معنا تنهد تنهيدة طويلة، ثم قال: بقينا محرومين من الإجازات.. ولدينا حالة استنفار لأكثر من شهرين.

حينها عرفنا أن وراء هذه التنهيدة قهر لامتناعه عن ممارسة الجنس لأكثر من شهرين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الرجل الذي لم يوقع".. مسرحية البعث بعباءة فيلم وثائقي للميادين

يسار الأسد والوقوف على يساره