عمّان: الحقّ الضائع في مدينة ليست لأهلها

عمّان: الحقّ الضائع في مدينة ليست لأهلها

(Getty Images)

على بُعد 100 كم تقريبًا إلى الشرق من ساحل المتوسط، تقع عمّان فوق سلسةٍ جبلية، وهي اليوم، مركزٌ لتجمّعٍ حضريٍ يحتل المرتبة العاشرة سكُانياً في الشرق الأوسط1]، وفي تاريخ المدينة أنّ الأمير عبد الله بن الحسين وصل إليها ربيع عام 1921، قبل مئة سنة من الآن، وقد كانت وقتها بلدة يسكنها بضعة آلاف على هامش مُتصرفية السلط2]. لتصير منذ تلك اللحظة عاصمة للدولة الأردنية في مرحلتي الإمارة والمملكة.  

المدينة ليست مصفوفات سكنية تكرّر نفسها في جغرافيا جامدة. إنّما كائن يتنفس ويتمدّد بين المجالين العام والخاص

تُخبرنا دراسات المُدن، في الاقتصاد والعَمارة والأنثروبولوجيا، كيف ترسم السياسة فضاءات المدينة، والسياسة هنا هي تاريخ الدولة في المكان والتوجهات الاقتصادية- الاجتماعية للسُلطة الحاكمة، حيث أنّ المدينة ليست مصفوفات سكنية تكرّر نفسها في جغرافيا جامدة، إنّما كائن يتنفس ويتمدّد بين المجالين العام والخاص.

تحدّث الفيلسوف الفرنسي هينري لوفيفر عن مفهوم سمّاه "الحقّ في المدينة - The Right to The City"[3]، وقَصد به أنّ استخدام المدينة حق يوازي حقّ الإنسان في الصحة والتعليم وغيرها من الحقوق الأساسية. وهذا يشمل حقّ سكّان المدينة في الانتفاع بمرافقها ومساحاتها العامة، والاستفادة من فُرصها الاقتصادية والثقافية، وهو يرى أنّ هذا الحقّ يتسع ليشمل مُشاركة النّاس في خلق الحيّز العام وبناء مدينة تُشبههم وتُعبّر عن قيمهم الاجتماعية والجَمالية ومصالحهم الاقتصادية. فهل يمتلك النّاس في عمّان الحق في مدينتهم؟  

التنمية تحت مظلة نيو ليبرالية

ثمّة مبان تطبع وجه المدن الكبيرة، بوصفها أيقونات تُعبّر عن طبيعة المكان وطريقته في الحياة. وهي تظهر في الترويج السياحي الرسمي، وفي المواد الدعائية والأعمال الفنية، وفي التقارير الإعلامية والهوية البصرية الخاصة بالمدينة. وفي حالة عمّان، فإنّ مجموعة من المباني الاستثمارية تحتل الجزء الأكبر من هذه المساحة، وأهمّها الأبراج الفُندقية والتجارية في منطقة العبدلي، وبرجي بوابة الأردنّ في منطقة أم أذينة، وفندق الرويال في منطقة الدوار الثالث. وإذا ما أضفنا لهذه المُلاحظة، احتواء المدينة على سلسلة من وكالات المطاعم الأمريكية وعلى عدد كبير من مراكز التسوق المُغلقة "المولات" فإنّه يصير من الممكن بدء الحديث عن الطابع النيوليبرالي الذي رسخّته السُلطة في مدينة شامية أخواتها: دمشق والقدس وبيروت.  

اقرأ/ي أيضًا: الحقّ في المكتبات العامّة وسؤال الديمقراطية

والتطوير النيوليبرالي يعني أنّ خطط التنمية في المدينة تشتغل لصالح القطاع الخاص. وتجعل من الاستهلاك المادي قيمة أساسية تنبني عليها الملامح الحضرية، على حساب القيم التاريخية والثقافية والاجتماعية. والأهم، في الدول النامية: على حساب التنمية الخدماتية وتشييد البنى التحتية.  لأنّ الربح، بوصفه بوصلة التنمية الحضرية، سيواصل الإشارة إلى الأهداف الاقتصادية الخاصة، غير آبهٍ بالصورة الشمولية لمناطق المدينة وسكّانها، حيث تُدار الأمور بطريقة الشركات.

ترتبط طريقة تنمية العاصمة هذه بالانفتاح الاقتصادي الذي تميّز به السوق الأردني منذ عام 1999، مع وصول الملك عبدالله الثاني إلى سدّة الحُكم. حيث تبنّت الدولة برنامجاً لجذب الاستثمار الأجنبي، وتسيير سُبل الاستيراد والتصدير ضمن منظومة التجارة العالمية، بدعم من صندوق النقد الدولي. ومن هنا بدأ العمل على مشروعات عملاقة على غِرار ما يحدث في إمارة دُبَي، في كلٍ من مدينتي عمّان والعقبة[4]. مع ضرورة الانتباه إلى الفارق الاقتصادي بين الإمارة الخليجية الغنية والأردنّ محدود الموارد المالية.

ولفهم الفضاء العمّاني تفصيلاً، كما رسمته التنمية النيوليبرالية، يُمكن بدء الحديث من الوسط القديم للمدينة، الذي شكّل النواة الأولى للدولة الأردنية، وبالتالي ذاكرة مكانيةً يُفترض بها حفظ الأثر الثقافي والاجتماعي الوطني. قبل خمس عشرة سنةً من الآن، تحوّلت منطقة "وسط البلد" إلى مكان شبه مهجور. حين هاجرت الدولة، حاملةً معظم مؤسساتها -من مختلف المناطق، ومعها مجموعة من المرافق التجارية إلى الضواحي الجديدة في القسم الغربي من المدينة. وقد بدا الأمر حينها كما لو أنّه تم التخلي عن مسؤولية النهوض بـ "وسط البلد" وترتيبه لصالح الانتقال إلى مناطق نظيفة وجديدة[5].

وبعد عدّة سنوات، أعيد إحياء الشارع الرئيسي في "وسط البلد" كمزارٍ تُراثيٍ يضمّ مطاعم ومقاهي يؤمّها السياح والأثرياء وأفراد من الطبقة الوسطى في النهار. فيما تُرِكَت جيوب الفقر والحارات العشوائية على حالها[6].وبدلاً من إحياء "وسط عمّان القديم"، بدأ التخطيط الحكومي بدعم من عدّة شركات استثمارية على تنفيذ مشروع تجاري عملاق سمُيّ "وسط عمّان الجديد: بوليفارد العبدلي". وهو قائمٌ اليوم، على بُعد كيلومترات من المدينة القديمة، ضمن سلسلةٍ من الأبراج العالية والفنادق الفاخرة والمطاعم الراقية ومراكز التسوق الغالية ومقار الشركات والبنوك.

من البديهي أنّ النسبة الأكبر من سكان المدينة لا تشعر بالانتماء إلى هذا الوسط، ولا تقدر مادياً على الانخراط في خدماتِه الاستهلاكية. غير أنّ الأمور لم تقف عند هذا الحدّ. فقد عملت أمانة عمّان الكبرى على تهيئة محيط "نظيف" حول "الوسط الجديد"، وهو ما استدعى هدم السوق الشعبي الشهير في منطقة العبدلي. لم يكن يُشكّل هذا السوق جزءاً أصيلاً من ذاكرة المدينة فحسب، إنّما كان مصدر رزقٍ لآلاف العائلات العمّانية[7]، ومصدراً للتسوّق الرخيص بالنّسبة للفقراء وذوي الدخل المحدود.    

يرتبط "وسط عمّان الجديد" بمجموعةٍ من المشاريع المتشابهة في نمطها الاستهلاكي، التي ترتبط بدورها بالضواحي الحديثة والأحياء الراقية ومشروعات الإسكان الفاخرة، مع مناطق محدودة تسكنها الطبقة الوسطى. وهذا كله ينتظم في أفضية حضرية تتصرف بمعزل عن بقية المدينة، من ناحية بيئتها الاقتصادية الخاصة التي تخدمها شبكة طرق صُمّمت لاستخدام أصحاب السيارات، بعيداً عن منظومة النقل العام.

هذا المشهد النيوليبرالي الذي تُستثمر فيه الموارد والطاقات ليكون واجهة العاصمة، يُنتج إهمالاً تنموياً في بقية المناطق التي تشكّل غالبية المدينة من ناحيتي المساحة والسكّان، حيث تنمو جيوب فقيرة تُحيط بها خدمات بائسة، عبر ما يُمكن تسميته بالاستثمار السالب Disinvestment[8]، وهو ما يُحدث تناقضاً في أجندة التطوير الحكومية، ويُعمّق الفروق الطبقية بين السكّان.

المساحات المُتاحة في الحيّز العام

حين تعيش في غرفة تخصك في منزل عائلتك، فهذا لا يعني أنّ حقوقك المعيشية تقف عند حدود غرفتك. إنّك بحاجة للمشاركة في مساحات إضافية في غرفة الجلوس، وكذلك في المطبخ والحديقة وبقية المرافق. ينفع هذا المثال البسيط لتوضيح حاجة الناس في المدينة للحيّز العام خارج بيوتهم الخاصة، من ساحات مفتوحة للشمس والهواء، وحدائق ومتنزهات ومساحات خضراء، إلى طُرقات مرصوفة مهيأة للمشي وأرصفة واسعة ومسارات رياضية. وصولاً إلى ميادين للاحتجاج السياسي والتعبير العلني عن الذات.   

مطلع السبعينيات، كانت مناطق "عمّان الغربية"، المعروفة بخصوبتها وهوائها العليل، قابلةً للاستخدام الزراعي وبناء المتنزّهات الوطنية الكُبرى. غير أنّ الزحف العمراني ظلّ يتقدّم نحوها، مدفوعاً بتصاعد القيمة العقارية للبنايات الحديثة والمنازل الفارهة والقصور. دون أن تقرّ الدولة سياسات استراتيجية تحمّي خصوصية هذه الأراضي وتُشجّع على البناء في المناطق شبه الصحراوية شرقاً وجنوباً. حتّى تحوّل غرب عمّان إلى تجمّعات خرسانية عملاقة[9].

اقرأ/ي أيضًا: "سياسة الإذلال".. في تفكيك العار وأدواره

اليوم، تضمّ عمّان عدداً من الحدائق والمتنزّهات، لكنّها أقلّ من اللازم بكثير. إذ لا تولي المخططات التنموية أهمّيةً تُذكر للمساحات الخضراء. كما أنّ توزيع هذه الحدائق ليس عادلاً بالنّسبة لمُختلف المناطق من حيث كثافتها السكانية. ويبدو من الضروري الإشارة إلى أنّ "أمانة عمّان الكبرى" دمرت المساحة الخضراء في منطقة "رأس العين"، بهدف إقامة عدد من المباني التابعة لها[10]، إضافة إلى الحديقة العامة التي أُلغيت في منطقة "أم أذينة" ليقام فوقها برجا بوابة الأردنّ[11]، وهو ما جرى أيضاً لمتنزّه "جبل اللويبدة" الذي اقتُطع جزء أساسي منه لصالح مطعم فاخر[12]. كما أنّ شوارع المدينة، في غالبيتها الساحقة، تفتقر إلى أرصفةٍ واسعةٍ مُخصّصةٍ للتمّشي، لتصبح شوارع عمّان منطقة مخصصة للعبور فقط.  

وخلال مائة سنةٍ من الحياة العامة في بلدٍ يتوسطّ إقليماً سياسياً مُلتهباً، لم تتشكّل في عمّان ذاكرة احتجاجية يُعبّر عنها ميدان عام واسع، أو ساحات مُخصّصةٍ للمسيرات والمُظاهرات والفعاليات العامة. وبدلاً من ذلك، فإنّ المُتظاهرين اعتادوا التوجه إلى "دوّار وزارة الداخلية"، وسط مفترق مروري رئيس، يخترقه نفق ويمر فوقه جسر، ويرتبط بعدّة مسارات للمركبات.

ومع بدء أحداث الربيع العربي، صار "الدوّار الرابع"، قرب مقرّ رئاسة الوزراء، وُجهةً للتظاهر والاعتصام. فقامت الجهات الحكومية بتسييج "صحن الدّوار" لمنع استخدامه. وعن هذا كتب صحفي في جريدة الغدّ يقول: "الدوار الرابع معتقل رأي، سُجِن دون محاكمة عادلة، وتهمته الوحيدة رعاية واحتضان اعتصامات المعارضين والمهمشين.. حرية التعبير أولى بالرعاية من حركة المرور، وسجن الدوار الرابع اعتداء على حق الناس في التعبير"[13]

الخرسانة مقابل الإنسان

يورد باحثان أمريكيان، في مطلع ورقة نشراها حول التنمية النيوليبرالية في عمّان، ما قاله لهما ممثل شركة تطوير بوليفارد العبدلي: "هذا المشروع يثبت أننا لسنا مجرد رمال وجِمال، نحن الآن مدينة عالمية"[14]. يفترض هذا القول أن تشييد واجهات حديثة في المدينة كفيل بتحويلها إلى مدينة عالمية. والسؤال هنا: بأي معنىً يصير المكان عالمياً؟

فإذا كان القصد هو طابع العمارة الحديث، فإنّ المعيار الأساس للقيمة المعمارية هو اتّصال البناء بحاجات الناس وسلوكهم اليومي، وليس مشابهته لنمط قياسي ما. وأمّا إذا كان القصد تحوّل المدينة إلى مجتمع حديث، وهذا هُو على الأغلب، فإنّ التحوّلات الحضارية في المدن ينبغي لها أن تبدأ من تنمية الإنسان لا تنمية العمران. إذ كيف يمكن لمدينة "عالمية" ألّا تضم أفراداً "عالميين"؟ مثلاً: كيف يُمكن لفتاة عمّانية أن تحيا حياة "عالمية" وهي لا تملك الحقّ في منح جنسيتها لأبنائها؟

تنمية إنسان المدينة، لا تبدأ من تعزيز نشاطه الاستهلاكي، بل من تهيئة الحيّز العام للنشاطات السياسية والثقافية والفنية، ومن الاستثمار في منظومات التعليم، وردم الفجوة الطبقية بين السكّان

وتنمية إنسان المدينة، لا تبدأ من تعزيز نشاطه الاستهلاكي، بل من تهيئة الحيّز العام للنشاطات السياسية والثقافية والفنية، ومن الاستثمار في منظومات التعليم، وردم الفجوة الطبقية بين السكّان، ومن خطط التنمية الثقافية التي تقرّرها السُلطات المحلية ضمن منظومة قيمية تعبر عن سكّان المدينة، وهو ما يغيب في مدينة عمّان، التي تمثّل عاصمةً لنظام سياسي لا يمثّل الشعب قاعدته الأساسية، إنّما تحكمه رؤية الدولة العميقة والخطط الحكومية المرتبطة بالتمويل الأجنبي، وتتجاذبه مصالح النُخبة الحاكمة ومصالح رجال الأعمال.

 



[1] World atlas (Largest Cities in The Middle East) | https://bit.ly/3vPjB9T

[2]  نشرة عمّان المصورة الصادرة عن أمانة عمّان الكبرى بتاريخ 2 آذار/مارس 2021 | https://bit.ly/3fTvNB2

[3] ناقش (هنري لوفيفر - Henri Lefebvre) هذا المفهوم في كتاب صدر بالفرنسية عام 1968 بعنوان "Le Droit À La Ville".

 وقد ترجم إلى الإنجليزية تحت عنوان"The Right to The City". رابط الكتاب الأصلي في موقع جود ريدز https://bit.ly/3v95XNS

[4] كتاب أطلس الأردن، 2013. مُساهمة الباحثة مريم عبابسة تحت عنوان "السياسات العمرانية تتطوّر بناءً" | https://bit.ly/3vWP8GO

[5] (الـ«كِت كات» وتحولات وسط البلد)، محمد عمر، مجلة حبر الإلكترونية، أغسطس – 2015. https://bit.ly/2TnTuIF

[6]  المصدر السابق.

[7] (ثلاث سنوات على ترحيل سوق العبدلي إلى المهاجرين)، أحمد أبو خليل، جريدة الغد الأردنية، أكتوبر – 2017. https://bit.ly/3c0Ax5d

[8] (خرائب حديثة: عن الحضرية النيوليبرالية في عمّان)، إليانا أبوحمدي، ترجمة: عمر فارس، مجلة حبر الإلكترونية، كانون الثاني/يناير 2019. https://bit.ly/2SUrts5

[9]  (إنقاذ الرقعة الزراعية من الزحف العمراني)، أحمد جميل شاكر، جريدة الدستور الأردنية، أكتوبر – 2013. https://bit.ly/3ik9cPG

[10] (عمّان: السلوكُ «المدنيُّ» في مدينة ليست مدينة حقًّا)، هشام البستاني، مجلة حبر الإلكترونية، يناير – 2015. https://bit.ly/3uVnp8n

[11] المصدر رقم 4 (مريم عبابسة – أطلس الأردن)

[12] المصدر رقم 10 (هشام بستاني – حبر)

[13] (الدوار الرابع سجينا)، فهد الخيطان، جريدة الغد الأردنية، تموز/يوليو – 2012. https://bit.ly/3yXqxng

[14] (KILLING THE CITY: NEOLIBERAL URBANIZATION AND SOCIAL BELONGING IN A NEW AMMAN) | ROSS HANSHAW AND BRENNAN RYAN | THE INSTITUTE FOR MIDDLE EAST STUDIES | The George Washington University | May 2018.

https://bit.ly/3vZvJoO

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "السلطة والمجتمع" تفكيك الذاكرة ورصد التاريخ السوري

كتاب "بلاد الشام في مطلع القرن العشرين".. تشريح المكان والتاريخ