علي أزحاف.. كريستالية الشعر

علي أزحاف.. كريستالية الشعر

علي أزحاف

لكن ما الشعر؟ كمْ يبدو هذا السؤال عصيًا وسهلًا في آن، إذ الشعر ماء الحياة وكينونتها، الوجود عينه، إنه محرك وعلة الوجود. فماذا قبل الشعر؟ لا شيء طبعًا، العدم والخواء؛ وماذا بعد الشعر؟ الشعر طبعًا، الوجود وما وراء الوجود، الفيزيقا والميتافيزيقا، الهنا والهناك، الآن والقادم. بهذا فإن الشعر هو الميتافيزيقا المتمثلة في كونها الوجود المتجاوز للوجود.

الشعر هو الملح الذائب في الحياة، ومحركها الرئيس، إنه برزخ شفاف بين الواقعي والخيالي

الشعر بهذا هو الملح الذائب في الحياة، ومحركها الرئيس، إنه برزخ شفاف بين الواقعي والخيالي، بين الملموس والمحسوس.. إنه القول الكريستالي بهذا المعنى. وما قصيدة النثر إلا تجسيد حي لهذه الكريستالية، التي تبتغي، إن تبتغي شيئًا، سوى مهادنة الذات والتعبير عن دواخلها وما يعجّ بها وفيها.

اقرأ/ي أيضًا: كريمة عيطوش.. ترسم الوجه الثالث للموناليزا

من هذه الكريستالية الشفافة، تنطلق قصيدة الشاعر المغربي علي أزحاف، داخل منجزه الشعري الأول "ترانيم بوذا الصغير" (روافد، 2016)، لتلامس وتستشعر أفق انكتابها، ولغتها المفعمة بروح الشعر المعاصر الذي ينطلق من هشاشة وهسيس اللغة، من تدفق اللذة، إذ إن "لذة النص ليست بالضرورة، كما يقول رولان بارت، من النمط الظافر، البطولي، المفتول بالعضلات". فلا عضلات لغوية غيرية يتكئ عليها نص هذا الشاعر. إن النص هنا هادئ وصاف متدفق في مساره الأبدي الشفاف، موضحًا لما في القعر، ولما في الذات. ما يجعلنا نصطلح على القصيدة عنده بكونها "قصيدة كريستالية"، فما يميز القصيدة الكرستالية أو "قصيدة المعنى" هنا، كما يقول الكاتب المغربي عبد الواحد مفتاح، أنها تنطلق من الحافات الصعبة للكتابة وتجاوزها الإبلاغ المظهري للمجاز أو التشبيه كمُسبّبات لصورة شعرية وثيقة الصلة بالموروث الكلاسيكي، إلى الكتابة بضوء المعنى وبياضه، وهي كتابة ليس شرطًا أن تحقق لي - كقارئ- إبدالات قرائية لتلتف على توليدات اِلتقاطية لها تمامًا، كما يجنح كثيرون في انتخابٍ للغموض والاصطفاف وراءه طلبًا لعمق مُبـْهم وفي غالب الأحيان يكون معدمًا. يقول: أتفقد/ في المرآة/ وجهي/ أحيانًا/ ينتابني/ إحساس/ بالانتفاء" (ص 107).

تختزل قصيدة الشاعر علي أزحاف في ثناياها، وفي روحها، قصيدة الهايكو بكل ما تختزله هذه القصيدة، إذ تتنفس ذات أوكسجينها، من حيث تَبَنِيـها للتقشف والاختزال والتكثيف. إلا أنها تنحو منحى مغايِرًا، إلى الخروج عن الغموض إلى الشفافية، وإلى التعدد، من حيث جعل الشاعر من قصيدته مكثفة بالشاعرية والصوفية، غير متبنية غموضها. إنها صوفية شبيهة لتلك التي يتبناها أهل جبال الهيمالايا، فيكفي النظر إلى عنوان الديوان للتأكد من كلامنا هذا: "ترانيم بوذا الصغير". يقول: المرأة/ التي أحببتها،/ على أطرافها/ نبتت الطحالب/ سكنتها الأصداف الفارغة" (ص 30).

في "ترانيم بوذا الصغير"، اللغة هادئة لا يبتغي الشاعر قوة عضلاتها

في قصيدته التي افتتح بها عمله هذا، الحاملة لذات عنوان الديوان، والتي كُتِبت على امتداد ستة عشر مقطعًا عموديًا، تَحَوّل فيها صوت الشاعر إلى صوت راهب بوذيّ، يصنع من أحلامه ترانيمَ ووصايا وتراتيلَ، متخذةً المقاطع أسلوب الأمر، أو لنقل الوصِيّة، مما يصطبغ عليها طابعها الصوفي. يقول: "لا تدع القدر يقدّ قميصك من دبر" (ص 11)، ويقول: "تذكر أن في رحم الألم تولد اللذة" (ص 6).

اقرأ/ي أيضًا: مدينةٌ أخرى ستوجَد أفضل من هذه

اللغة هادئة لا يبتغي الشاعر قوتها من عضلات بائدة ومحاسن زائدة. إنها بهذا المعنى كتابة بيضاء، كتابة بالمحو، تلك الكتابة التي تدرك قيمة الكلمة وتاريخها الطويل، وحياتها الضاربة في القِدم، لكون الكلمة لوحدها متجردة عالم متفرد ووجود متجدد. فالكلمة تتنفس وتحيا ولا تموت. والشاعر إن يكتب قصيدته هنا، فهو يكتب البياض أيضًا. كأننا أمام قصيدتين في نفس الحيز والمساحة، قصيدة بالحبر وأخرى بالصمت، صمتٌ صوفي، الذي ما هو إلا "لحظة القطع الضرورية لترك الذات تقابل انتثارها، وتصبو لمواجهة مصيرها". يقول: بين/ تخوم الصمت/ وحدود اللغة/ تتمدد المرأة/ وحيدة/ على/ حافة الحرف".

حافة الحرف، أو حافة اللغة، إنها الشَفْرة (بفتح الشين) الحادة للكتابة، إنها ذلك البسيط الصعب الذي يركبه علي أزحاف في قاموس الشعر، وما القاموس إلا بحر عميق ووَعِر. هذا وتأتي الأنثى في هذا الديوان كدالٍ أساسي لا يفارق القصيدة داخله.. حضور يتأتى له عبر ضمير المخاطب(ة)، أو الاستعمال المباشر للألفاظ الدالة على الأنثى/ المرأة بشكل جزئي أو كلي، أو عبر إحالات جسدية.. فالأنثى إلى جانب تلك الصوفية والطبيعة والكتابة الشفافية تبقى كلها هي المحرك الرئيسي داخل الديوان، مما يصطبغ عليه كريستاليته وبريقه. يقول: "في بلادي/ تنبت الأرض/ نهودًا مثل فاكهة الشمام/ حين تينع/ يقطفها الغرباء" (ص49).

وتبقى الإشارة الأخيرة على كون كل القصائد التي كتبت على طول مساحة متوسطة أو قصيرة، شبيهة بالكتابة الشذرية، إلا أنها مختزلة بشكل مكثف، عبر أبيات من كلمة أو كلمتين في هندسة لغوية تعطي لكل تعبير أحقيته ومكانته داخل المتن القصائدي. 

اقرأ/ي أيضًا:

"أجمل نساء المدينة": فانتازية بوكوفسكي

دفاعًا عن الكاتبات المتزوجات والعاملات