عزمي بشارة

عزمي بشارة "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟"

غلاف الكتاب

يمثّل مصطلح السلفية في تاريخنا المعاصر إشكالية للباحثين في محاولة فهمهم لهذه الظاهرة التي يرجع تاريخ ظهورها للقرن الثالث الهجري على يد مؤسسها أحمد بن حنبل، وليس نهاية بتمظهراتها الجديدة مع محمد بن عبد الوهاب في القرن الـ11 الهجري، مثيرًة أسئلة نقدية متعددة حول إسقاطها على أنها مصطلح اختزالي بدلًا عن اعتبارها مصطلحًا تاريخيًا له سياق واضح التسلسل في التاريخ العربي الإسلامي خضع لتبدلات جوهرية أنتجت سلفيات متعددة.

الأصولية في أساسها مصطلح مستورد من تسمية كنائس بروتستانتية أمريكية نادت بالعودة إلى أصول الدين والنص التوراتي

يقدم المفكر العربي عزمي بشارة في بحثه "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، دراسة تفكيكية لمفهوم السلفية بوصفها سلفيات متعددة لا سلفية واحدة، لها "معطى تاريخي يعبر عن وجود سلفيات سنية وشيعية متعددة" نشأ عنها سلفيات فرعية، لذلك إذا ما أردنا إعادة دراسة المصطلح يجب أن نرده إلى سياقه الاجتماعي الثقافي الذي شهد بدايات تأسيسه، بنسبه للحنابلة على يد من قاموا بجمع مؤلفات أحمد بن حنبل الفقهية، وعرفوا فيما بعدها بـ"أصحاب الأثر".

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟".. راهن المفهوم وسياقه التاريخي

السلفية مصطلحًا إشكاليًا

يرى بشارة في مستهل الفصل الأول من بحثه أن المشكلة الأساسية في الدراسات الاستشراقية بقائها "محصورة معرفيًا بالنظرة النمطية أو وجهة النظر التي تبني ثنائية شرق/ غرب"، والتي ماهت بين مصطلحي السلفية والأصولية، وجعلتها مرادفة للحركات الإسلامية اليوم، وهو ما يصفه بـ"ضلال معرفي وبحثي كبير"، لأن الأصولية في أساسها مصطلح مستورد من تسمية كنائس بروتستانتية أمريكية نادت بالعودة إلى أصول الدين والنص التوراتي، ولذلك يعتبر أن مصطلح السلفية "أشد التباسًا" حتى من الأصولية.

فإذا ما جردّنا مصطلح السلفية من تعريفاته المتعددة، ورددناه إلى أصل التسمية نخلص إلى أن السلفية تعني التزام القرآن والسنة وحدهما، والاستناد إلى سيرة الرسول بما فيها أقواله وأفعاله، والصحابة، فهي تقدم "النص والأثر على العقل، في الجملة، وعلى الرأي القائم على الدليل العقلي، عند حصول التعارض"، وتتماثل السلفيتين السنية والشيعية في هذا التعريف، لكنها تختلف بين الاثنتين بأن "الشيعة ظلوا فاتحين باب الاجتهاد على السنة الذين أغلقوه"، ولذلك ينفي بشارة ما تروج إليه الدراسات العربية أو الشرق - أوسطية بأن مصطلح السلفية نمط خاص بالجزيرة العربية، إنما هو يشمل العالم الشيعي أيضًا.

لكن عند إسقاط المصطلح على سلفية الجزيرة العربية، نجد أن السلفية الوهابية "تميزت بمماهتها بين السلفية والحنبلية"، والتي يصفها بشارة بأنها "حنبلية ما بعد أحمد بن حنبل"، من خلال إعادة إنتاجها لتخيل أحمد بن حنبل، بحيث أن مؤسسها محمد بن عبد الوهاب "ذوّب فهمه السلفي للإسلام في مذهبية سلفية – اعتقادية، هي المذهبية الحنبلية المتخيلة" متجاوزًا "المذهبيات الفقهية"، وعند المقارنة بين المعنى الإصلاحي الكلاسيكي للسلفية الذي يقول بالعودة إلى روح السلف بانفتاحهم وجهوزيتهم للتطور والاجتهاد، نجدها عند الوهابية "نقطة عودة وانكفاء وإعادة إنتاج "الإسلام الأول الصحيح" المتخيل".

أنماط التدين عند السلفيين

يحدد بشارة قبل المضي في مفاصل البحث أربعة أنماط من التدين تستخدمها السلفية حين العودة إلى السلف على اعتبارهم مرجعًا، يمكن تلخيصها بأنها النمط المستخدم لأغراض المحافظة على ما هو قائم، والذي "غالبًا ما يكون متزمتًا وطهرانيًا"، ونمط يعتبر السلفية عودة إلى أصول الدين للتخلص من الخرافات، ونمط يستخدم للتدخل بواسطة الدين في الشأن العمومي لنقد القائم، وهو ما يسمى بالسفلية السياسية، وأخيرًا نمط يستخدم بالتمرد العنيف على الإسلام الواقعي القائم في المجتمعات.

وإذا كانت الأنماط الأربعة تتفق على العودة إلى القرآن والسنة، فإنها لا تعود على أي حال من الأحوال إلى المكان نفسه كما يصفها بشارة، بل تستند إلى "متخيلات للماضي والسلف" على الرغم من استخدامهم للنصوص عينها في تصويرها لأتباعهم.

التنظيمات الجهادية المصرية أسقطت قاعدة "العذر بالجهل"، وتحولت معها لقاعدة "لا عذر بالجهل"

ولا يمكن تجاوز أن السلفية أسست لتفسها تحالفًا مع السلطة السياسية، وفعليًا هو مشابه للسلفية الوهابية، فهي كانت تأخذ منحى السلفية "المحافظة" في محاولة "التبرير للنظام القائم في مواجهة السلفية "الثورية" التي تستخدم السلف والسلفية لمعارضة النظام القائم"، وتتميز كما يصفها بشارة بأنها تتشارك أنماط الإيمان مع جمهورها، كما أنه "يصعب التحديد متى يؤمنون بالخرافات المنتشرة ومتى يستغلونها بوعيٍ للارتباط بتدين البسطاء".

اقرأ/ي أيضًا: انشغال عزمي بشارة بـ"المسألة العربية".. ما بعد قشور الراهن العربي

فهي وإن كانت تعتمد على النص القرآني، والأحاديث النبوية كمرجع أساسي لا لبس عليه، فإننا نلحظ كيف عملت في فتاوها الشرعية على عرض القضية بفقرة جزئية، قبل أن تقوم بتدعيمها بالأحاديث، والآيات القرآنية، وأقوال الفقهاء المعتمدين لديها، وهي ما نراها حاضرة في نصوص السلفية الجهادية الحديثة، الأمر الذي يصلنا بالفتاوى التكفيرية التي تصدر عن الجماعات السلفية الحديثة، أو التي ستنشأ مستقبلًا عملًا على تأويل النصوص الشرعية بحسب حاجاتهم.

التكفير عند السلفية

في الانتقال إلى الفصل الثاني من البحث نقرأ أن السلفيين الجهاديين في عصرنا الراهن يُعرفون بأنهم "الخوارج"، بحسب ما يطلق عليهم السلفيين الطهرانيين، بسبب استسهال السلفية الجهادية للتكفير، بما فيها "تكفير الحاكم والخروج عليه، وقتل مخالفيهم"، وهم يختلفون عن المرجئة التي ترى بتأجيل الحكم إلى يوم القيامة لأن الله هو الذي له الحق في الحكم على الناس، وهم كذلك رأوا في "فصل الاعتقاد والقول عن العمل"، ولهذا يعدون الفرد مؤمنًا ما دام اعتنق الإسلام، ودعوا إلى "ترك الحكم في الصراع ما بين المسلمين إلى الله وحده، والامتناع عن استخدام التكفير في هذه الصراعات".

لكن السلفية رفضت مبدأ المرجئة في حديثهم عن "الإيمان هو الاعتقاد والقول فحسب، وتعدّهم ضلالًا"، كما أن السلفية ترفض مبدأ الخوارج في التكفير، فإذا كان الخوارج "يكفرون مرتكب الكبائر"، فإن السلفية ترى بأن "لا بد له من نص قطعي يبيّن أن هذا الفعل كفر مخرج من الملة"، وتتوافق جميع التيارات السلفية فيما بينها، على الأقل نظريًا، على أنه إذا كان الفرد جاهلًا، مكرهًا، مخطئً مع ثبوت النية الصادقة، فإنه لا يجوز تكفيره.

إلا أن التنظيمات الجهادية المصرية أسقطت قاعدة "العذر بالجهل"، وتحولت معها لقاعدة "لا عذر بالجهل"، ومن حيث هذه النقطة يرى بشارة أن "السلفية الجهادية عمومًا سلفيات، فهي لا تكفر عامة المسلمين، لكنها تكفرهم عمومًا فعليًا بعدم شرعية العذر بالجهل"، وهي تختلف عن ابن تيمية الذي لم يكفر عوام الإسماعيلية، كذلك فإن التيارات السلفية كما يذكر بشارة تتفق على أن "موانع التكفير يجب أن تطبق على بعض الحالات المعاصرة".

في مراجعة سريعة لقواعد التكفير الثلاث التي حددتها التنظيمات الجهادية المصرية في سبعينيات القرن الماضي، نراها محصورة كما يلخصها بشارة في "الحكم والتشريع بغير ما أنزل الله شرك"، و"من آمن ببعض الإسلام وترك جزءًا منه"، وأخيرها "الإيمان لا يكفي بل يجب إظهاره والعمل به"، وهذا يحيلنا للفكرة السابقة المرتبطة بموانع التكفير، والتي استند إليها البحث في إشارة كوينتن فيكتوروفيتش إلى أن السلفيين الجهاديين قاموا بتكفير الحكام على اعتبار أنهم "استبدلوا حكم الشريعة الإسلامية، غير مكرهين".

عزمي بشارة: داعش مثل كل الحركات الاجتماعية يدعي تجذير نفسه في الماضي التاريخي

وعلى الرغم من توافق السلفيين في بعض الجوانب، فإن الخلاف تنوّع بينهم إلى أن وصل مؤخرًا "حد الانقسام وتكفير المخالفين"، وهذا التكفير "لا يمكن إلا أن يكون عقديًا"، وتنوعات الاختلاف بين السلفية كثيرة منها سلفية مجافية للسياسة يقتصر وجودها على الدعوة للتدين، وسلفية تتعامل مع السياسة بدءًا بالنصيحة واللاعنف، وصولًا للسلفية الجهادية التي تأثرت بالحركات الإسلامية السياسية.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة.. في تشريح الإرهاب

ويعتبر صاحب "مقالة في الحرية" في هذا السياق أنه عند تعقب أصول داعش الفكرية لا يعني "أن هذه الأصول أنتجته"، لأنه "ليس مجرد فكرة أو نص، إنه ظاهرة اجتماعية هي نتاج الظرف التاريخي، الاجتماعي والسياسي، لكنه مثل كل الحركات الاجتماعية يدعي تجذير نفسه في الماضي التاريخي، معتبرًا نفسه (أصليًا)".

السلفية الحديثة.. السلفية الوهابية إنموذجًا

تعود ارتباطات السلفية في وعينا المعاصر إلى تفسيرات السلفيين لنصوص أحمد بن حنبل الذي يرون فيه أنه "أحيا عقيدة السلف وحارب دونها"، وفقًا لما يرد في مطلع الفصل الثالث من البحث، والتي بقيت على ما هي عليه إلى القرن الـ18 عندما ظهرت في جزيرة العرب "إعادة صياغة جديدة للسلفية" على يد محمد بن عبد الوهاب "تماهي بين الحنبلية والسلفية" على عكس ابن تيمية الذي لم يماه بينهما، وقام بعض السلفيين بعدها على العمل بإحياءٍ أو تجديدٍ ثالثٍ للدين، ساهم في انتشارها التحالف المعروف تاريخيًا بين بن عبد الوهاب وابن سعود.

فعليًا مرّت السلفية الوهابية في علاقتها مع الدولة السعودية بعدة منعطفات، كان آخرها التحولات التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان بانقلابه على السلفيين الإصلاحيين، لكنها في المرحلة التي استبقت حملة بن سلمان، كانت السلفية الوهابية قد توصلت لاتفاق مع الدولة السعودية بتحويلها لمؤسسة دينية تابعة لمؤسسات الدولة أصبحت خلاله كما يصفها بشارة "تابعًا متزمتًا"، فهي حظيت بنفوذها لتكون حارسًا لحدود الدين، واستخدمت كمصدر مهم لـ"شرعية النظام الحاكم"، واعتمدت على "القبيلة أداة تنظيم سياسي، والإسلام بفهمه البدائي إيديولوجيا تعبوية للوصول إلى السلطة وتوحيد بلدان ومقاطعات في دولة" باستغلالها "ضعف الالتزام الديني" لدى سكان جزيرة العرب، وهي المرحلة التي يمكن وصفها بـ"الإصلاح النجدي السلفي".

ويفرق بشارة هنا الإصلاح الديني رغم تضمنه للعنصر السلفي عن الإسلام السلفي الحركي المعاصر، كما الفرق بين "الإيمان بالتقدم والإيمان بأن البشرية تتدهور وتتراجع عن عصر ذهبي خلفته وراءها"، ويتميز تيار ابن عبد الوهاب عن غيره من التيارات السلفية السابقة بأن كان "جزءًا من موجة نهوض إسلامي امتدت من إندونيسيا إلى المغرب" كما يرى الباحث جون فول، الذي يضيف بأن السفلية الوهابية "لم تتخذ دائمًا صيغة حنبلية، بل تشكلت بموجب بيئة كل بلد وتكيفت خلال التفاعل مع ظروف ذلك البلد".

على سبيل المقارنة.. ما بين حركة ابن عبد الوهاب والجهادية الحديثة

يمكن القول هنا إن تكيف السلفية الوهابية مع ظروف كل بلد منفصل عن الآخر، شكّل سهولة لسحب الباحثين "الخيط كي يمر بالوهابية التي كانت بالكاد تذكر في تلك المرحلة"، ولعل أبرز المنعطفات التي شكلتها التجربة الأفغانية كانت بتأثيرها على ظهور الحركات التفكيرية الجهادية في العالم العربي، ولاحقًا بظهور الجيل الثاني من هذه الحركات التي تم احتسابها على تنظيم القاعدة، لكن هذه الحركات لم تقف عند تنظيم القاعدة، بل امتدت بعد انشقاقها عنه لتتخذ "منحىً تكفير أشد تطرفًا".

وبحسب بشارة فإن عوامل الخلفية الاجتماعية لنشوء الأفراد في التنظيمات الجهادية الحديثة تفسر "نشوء المزاج الجماهيري المتفاعل مع مثل هذه الأعمال والقواعد والمصادر الاجتماعية لهؤلاء الراديكاليين"، وبموازة هذا التاريخ الاجتماعي، علينا ألا نهمل وجود "تاريخ أشد عينية يتعلق بسير نخبة القادة"، والتي يجد بشارة بأن قادتها بدأوا من حركات من نوع الإخوان المسلمين التي يعتبرها "نوعًا من مرحلة مدرسة ابتدائية أو متوسطة"، ويأتي بعدها التجربة الشخصية للقادة النخبة أنفسهم من خلال التعرض للظلم الذي دفع بهم للتطرف، وأخيرًا عدم انحدار هؤلاء القادة النخبة من "أصول فقيرة أو ريفية لم تستوعبها المدينة".

ابن عبد الوهاب في حركته بدا كأنه يؤسس لدين جديد، كما يرى بشارة، عبر تخيل مطابقته مع الدين أول ظهوره

وفي هذا المنحى إذا ما أردنا المقارنة بين حركة ابن عبد الوهاب والحركات الجهادية أو السلفية الحديثة في عالمنا العربي الراهن منذ نشوء حركة الجهاد الأفغاني، نجد أن ابن عبد الوهاب في حركته بدا كأنه يؤسس لدين جديد، عبر "تخيل مطابقته مع الدين أول ظهوره، لا من حيث المضمون والنصوص، بل حتى من حيث المنهج وطريقة نشر الدين والبيئة الاجتماعية"، وهو ما يختلف عن تنظيم القاعدة الذي شكل "مركزًا عسكريًا وأيديولوجيًا (وافتراضيًا) للجهاد" ممثلًا بمواجهة النظام العالمي الجديد بقيادة الولادة المتحدة من دون "علاقة بأرض أو وطن"، فيما كان تنظيم الدولة أكثر راديكاليًة بتحوليه المجتمع الإسلامي الأوتوبي إلى "كابوس دموي عدمي".

الوهابية في تمظهراتها السلفية

يترك بشارة في الفصل الأخير حيزًا كبيرًا لمناقشة السلفية الوهابية، والذي يرى بأن عبد الوهاب أضاف إلى "أمثولة المدينة المتخيلة في عصر الرسول" كما جاءت في كتابات مدرسة أهل السنة والحديث، وقام بمقارنتها "بين الجاهلية التي سبقت الرسول والأوضاع في عصره، نموذجًا لفهم الأوضاع في عصره"، فقد أسس عبد الوهاب مذهبه السلفي على إلغاء "الوساطة بين الله والناس"، وصادر "التدين الشعبي" لاحتكار هذه الوساطة بين يديه، كما لو أنه يمثل "نبوًة جديدة".

اقرأ/ي أيضًا: كتاب عزمي بشارة عن الطائفية.. تأصيل فريد في مختبر تاريخي حيّ

ويلخص بشارة إدعاء النبوة بثلاث نقاط هي: "منهج فهم الواقع الحاضر بوصفه جاهلية"، و"لم يتبين الرشد من الغي على الرغم من تبليغ النبي للرسالة، فيكون إذًا ثمة حاجة إلى نبوة جهادية"، وأخيرًا "إلغاء مختلف الشفاعات والوساطات بين الله والناس، والتي تميز التدين الشعبي في كل مكان وزمان"، وابن عبد الوهاب هنا لا يرفض "البدع والوسائط" فقط، بل يذهب لرفض التمذهب أيضًا، فهو أكد على ستة أصول لإحياء الدين الإسلامي هي: التوحيد، الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق، الطاعة لولي الأمر، العلم يمنحه الله ولا يعلم الغيب سواه، رفض المتشبهين بأولياء الله، ومكافحة الفرق الإسلامية الأخرى.

ويأخذنا البحث في محاولة النظر لأصل السلفية الوهابية لنجد أنها "سلفية متزمتة دينيًا"، بالتأكيد على أنها "لا تعود إلى الماضي لتنهض من جديد في ملائمة الدين مع الحداثة، بل تعود إلى الماضي المتخيل لتعيد إحياءه"، فهي كما يراها بشارة ليست أصولية بالمعنى الكلاسيكي الإسلامي للأصولية، لأن أوسع مدى يمكن أن يدرج فيه علمائها الكبار وصفهم بـ"مجتهد في المذهب، الذي لا يخرج عن المجتهد المؤسس، و(المجتهد المرجح) الذي يرجح بين أقوال الإمام ويختار منها"؛ لذا نجد أن بشارة بالاستناد لما سبق يرجع أصل الوهابية إلى أنها "تيار صغير ذو توجه طهراني تقشفي في فهمه للدين"، لم يخرج من جزيرة العرب إلا في إطار غزوات البدو الموسمية على ريف العراق وبلاد الشام، وانتقلت خارجها "بأساليب دعوية منظمة بفعل الثروة النفطية".

نهايًة، تقدم هذه القراءة إذا أجزنا القول سردًا مكثفًا لبحث "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية"، والتي ناقش فيها عزمي بشارة مصطلح السلفية وتاريخ السلفية قديمًا وحديثًا، من خلال الحفر في التاريخ الإسلامي ليكشف عن تمظهراتها المتعددة، فهي إن كانت تتخذ من سلفية ابن عبد الوهاب إنموذجًا، فإنها لا تسهو عن مناقشة باقي السلفيات سواء كانت إسلامية أو مسيحية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة: "الجيش والسياسة" مدخلًا لفهم الدولة الوطنية العربية

الثورة في مفهوم عزمي بشارة