عزمي بشارة: إسرائيل لم تستطع اختراق الشعوب العربية وفلسطين أولوية

عزمي بشارة: إسرائيل لم تستطع اختراق الشعوب العربية وفلسطين أولوية

حلل عزمي بشارة آفاق القضية الفلسطينية (التلفزيون العربي)

الترا صوت – فريق التحري

استكمل المفكر العربي عزمي بشارة، يوم الإثنين، الأول من شهر نيسان/إبريل، سلسلة المقابلات المعمقة التي يجريها عبر التلفزيون العربي، حيث تطرق الجزء الثالث من السلسلة إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وآفاق القضية الفلسطينية في ظل عديد من المستجدات الأخيرة.

يلتقي ترامب وجمهوره مع اليمين الإسرائيلي المتطرف، حسب بشارة، إذ يظهر ذلك في الجماعة التي تحيط به، والتي سلمها ملف المنطقة كاملة والصراع العربي الإسرائيلي

بدأ بشارة الحوار بالتعقيب على الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، حيث رأى أن الرئيس دونالد ترامب يتعامل مع المنطقة ومع الصراع العربي الإسرائيلي، بمنطق تاجر العقارات، الذي لا يرى في دور الدولة العظمى، إلا عناصر القوة الأمريكية، متجاهلًا أي مسؤوليات.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب عزمي بشارة عن الطائفية.. تأصيل فريد في مختبر تاريخي حيّ

يلتقي ترامب وجمهوره مع اليمين الإسرائيلي المتطرف، حسب بشارة، إذ يظهر ذلك في الجماعة التي تحيط به، والتي سلمها ملف المنطقة كاملة. وهو في ذلك يستغل أن النظام السياسي الأمريكي، نظام تتحكم مؤسسة الرئاسة في سياساته الخارجية. كما أن الكونغرس يتبنى موقفًا منحازًا بالكامل للوبي الصهيوني فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، مع أنه يتحلى بمسؤولية أكبر في قضايا أخرى.

نجح ترامب إذَا كما يوضح مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في صراعه مع البيروقراطية الأمريكية التي تتحلى ببعض المسؤولية، من خلال تعيين رجال مقربين من قاعدته وتوجهاته المتطرفة.

في هذا السياق، أكد المفكر العربي أن نمط السياسة الذي يمثله ترامب نمط خطير، يصبح أكثر خطورة مع صمت الكونغرس في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي، مشيرًا إلى التحولات في الخطاب الإسرائيلي بخصوص الجولان المحتل، حيث إن إسرائيل كانت مستعدة للتخلي عنه، مقابل نمط تسوية بشروط معينة، غير أن ترامب يهدي نتنياهو هدية الآن، ستصبح عبئًا على إسرائيل نفسها على المدى البعيد.

ورغم أن الخطاب الصهيوني والأوساط المناصرة له لا يميز حاليًا بين المناطق المستعمرة عام 1948 وتلك في التي تم استعمارها عام 1967، فإن العرب منشغلون في هذا التمييز، ناقدًا المبادرة العربية والإصرار عليها.

ومعقبًا على نفس هذا التوجه، فقد عدّ عزمي بشارة أن كل منطق السلام بعد عام 1967، قام على إخضاع العرب للأمر الواقع، بحيث يصبح ثمن السلام هو الأراضي التي تم احتلالها عام 1967 فقط، من خلال مبدأ الأرض مقابل السلام، وهو منطق تم نسفه من خلال خطوة دونالد ترامب الأخيرة بشأن الجولان. حيث تسعى هذه الخطوة إلى استغلال وضع راهن في المنطقة وفي سوريا، وهو وضع لن يستمر، ما سيحيل إلى القضاء على عملية السلام برمتها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ترامب يتبنى موقف اليمين الإسرائيلي المتطرف، وليس حتى موقف الليكود، وهو بالتالي يساهم في دعم اللاعقلانية في السياسات الإسرائيلية.

التطبيع العربي وخطوة ترامب

أما بشأن أجواء التطبيع العربية، فقد رأى أن تصاعد هذه الأجواء مؤخرًا بشكل لافت، ساهم بشكل بديهي بتشجيع ترامب على اتخاذ مثل هذه السياسات، ملوحًا بأن تطبيع دول بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي فعليًا، لاعتبارات مرتبطة بعلاقاتها مع واشنطن، بالإضافة إلى التنافس الخليجي على إرضاء إدارة يمينية في واشنطن، جعل هذا الوضع مريحًا جدًا لترامب.

وأبدى صاحب "من يهودية الدولة حتى شارون" استغرابه مجددًا، من كون من يقوم بالتواصل مع إسرائيل، يرى أن هذا التطبيع لم "يلطف" الموقف الإسرائيلي والأمريكي، لكن يبقى مصرًا عليه، مشيرًا إلى أن استجداء القبول الغربي بهذه الطريقة، لم يجد أي فائدة، حتى بالمنطق النفعي.

وكرر المفكر العربي موقفه الذي يفرق بين نمطين من التطبيع، واحد مرتبط بتسويات الأمر الواقع، وخيارات المهزومين، وآخر تنتهجه دول عربية الآن، يقوم بإصرار على إبداء الإعجاب في إسرائيل، وإعطاء الحق لها على أساسات توراتية باستعمار فلسطين. وهو ما يفسر الانزياح عند هذه الدولة إلى تغيير الموقف التاريخي من إسرائيل، ومن حقها بالوجود، والدفع إلى ذلك عبر جيوش إلكترونية في تويتر وغيره.

في سياق تبرير التطبيع من خلال القول بالصراع المشترك مع إيران، نفى بشارة أن يكون منطق "عدو عدوي صديقي" مجديًا، في إشارة إلى التحالف السعودي الإماراتي ضد إيران، لأن إسرائيل لن تحارب إيران أصلًا. وتابع أنه مهما حصل في إيران، علينا أن نفهم نحن في المنطقة، أن "سياسات إيران التوسعية، يجب أن تفشل من خلال مشروع عربي ووحدوي، وليس من خلال علاقات مع إسرائيل"، حيث إن هذه السياسات تقوي طهران، وتعزز سرديتها بخصوص مناهضة تل أبيب، بالإضافة إلى أن إيران ليست إسرائيل، بمعنى أنه لا بد من إجراء حوار معها.

مع ذلك، فإن مقومات هذا الحوار غير موجودة، لأنه لا توجد جبهة عربية موحدة تجلس للتفاوض مع طهران. بعد أن نجحت في إحداث شرخ في الموقف العربي.

في هذا الصدد، فإن إسرائيل كما يبين المفكر العربي، تجر الدول العربية لصراع مع إيران، وليس العكس، فإسرائيل لن تحارب من أجل أحد، ولها عقيدتها الأمنية القومية، التي تسيّر صراعاتها.

عمومًا ورغم موجات التطبيع هذه، فإن إسرائيل لم تستطع اختراق الشعوب العربية، والرأي العام العربي، حيث أبقى ذلك العلاقة مع معها على صعيد الأنظمة فقط. وهذا على المدى البعيد مهم جدًا، مع ضرورة التوعية على مستوى الشارع، بخصوص مركزية إسرائيل في الخطاب العربي، من دون شعارات أسهل، لكنها أقل نفعًا، توظف أحيانًا العنصرية ضد اليهود، دون تقديم خطاب عقلاني لخطورة إسرائيل في المنطقة، مشيرًا إلى أن "حليفنا الأساسي هو الشعوب".

التصعيد في غزة              

معلقًا على الأحداث الأخيرة في قطاع غزة، توقع عزمي بشارة أن المقاومة الفلسطينية الآن، تتحلى بحدود الانضباط، وتريد تحريك ملف الحصار ورفعه، وعدم تطبيق التفاهمات المتعلقة به، من دون إشعال حرب، وهي معادلة حساسة تتقنها المقاومة في غزة. حيث يدركون أن نتنياهو لا يستطيع الصمت على إطلاق صاروخ أو اثنين من غزة، لكنه لا يستطيع الاندفاع عسكريًا في نفس الوقت، بما يكلفه خسائر انتخابية، وردودًا مكلفة.

في السياق عينه، فإن سلطة حماس في القطاع لا تستطيع البقاء في وضع الحصار الراهن، وبدأت تعاني من ضغط اجتماعي حقيقي، من ناس لهم مطالب عادلة ومشروعة ومطالب معيشية بالحد الأدنى. وبالتالي فإنها تسعى إلى الضغط لتغيير هذه الأوضاع، دون الانجرار إلى حرب كاملة. وحذر بشارة من أن إسرائيل، بعد الانتخابات القادمة، قد تتجه إلى حرب حقيقية، لأنها لا تسلم بوجود قوة حقيقية مناهضة.

في الإجابة على سؤال هل هناك قوة ردع في غزة؟ اعتبر مدير المركز العربي للأبحاث، أن الردع لا يعني توازنًا عسكريًا. وإنما إدراك "مقاومة الفقراء"، حسب وصفه، أن الطرف الآخر يعيش في مجتمع رأس مالي، مع طبقة وسطى، غيرمستعدة لدفع أي ثمن، وهو ما يعني أنه مجتمع لم يعد مستعدًا لأي تضيحة، وأن الردع لا يحتاج إلى توازن عسكري، وإنما إلى زعزعة هذه "الرفاهية". مستدركًا بأن المجتمع الإسرائيلي، قائم على جو قومي شوفيني، وتجنيد إجباري، ولذلك، فإنه قد تتم تعبئته في بعض الحالات.

الانتخابات الإسرائيلية.. اليمين الذي لن يسقط

بشأن الانتخابات الإسرائيلية، فإن بشارة اعتبرها محسومة من جهة المعسكر وليس من جهة الحزب، وهذا مرتبط بنشوء أحزاب صغيرة، تصبح أكثر تأثيرًا ضمن النظام السياسي القائم.

حيث نشأت إلى جانب الليكود حركات يمينية استيطانية ودينية، تشد الليكود من اليمين إلى اليمين المتطرف. ورأى بشارة أن نمو معسكر اليمين على حساب معسكر ما يسمى يسارًا، يكاد يكون قائمًا على أساس ديموغرافي، مع تزايد أعداد المتدينين. حيث ستتحالف حركات اليمين المتطرف، مع الليكود، من أجل تشكيل معسكر شبه مضمون. وحتى في حال فوز "الجنرالات"، فإنهم سيتحالفون في نهاية المطاف مع الليكود نفسه، في محاولة تفادي اليمين المتطرف.

إذًا، وحتى لو خسر الليكود بالأصوات، فإن هذا لا يعني فقدان القدرة على تشكيل الحكومة، من جهة أنه الوحيد القادر على تشكيل تحالف بأكثر من 61 مقعدًا. موضحًا أن اليمين لا يسقط في إسرائيل، على عكس ما تعول عليه السلطة الفلسطينية، وأن الجنرالات تحمل موقفًا قد يكون أكثر تشددًا من غزة، رغم أخذهم لموقف أكثر تقبلًا لسلطة رام الله.

لكن لماذا يبقى نتنياهو رغم تهم الفساد؟ يجيب بشارة على هذا السؤال من خلال تحليل القواعد الاجتماعية للأحزاب الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن هناك أزمة في هذه القواعد، قائمة على تفضيل الأيدولوجي على المعايير الأخلاقية، وهي أزمة تساهم فيها شعبوية نتنياهو. بالإضافة إلى ذلك، توجد لهذه القواعد رغبة عميقة عمل عليها قيادات الليكود منذ بيغن، على التشكيك في المؤسسات الليبرالية، مثل القضاء، مثل ما يحدث في معظم قواعد الأنظمة الشعبوية.

الانقسام الفلسطيني.. صراع على السلطة قبل أن يكون على السياسة

بشأن الخلافات السياسية بين فتح وحماس، أكد بشارة أن هذا الصراع لم يقم على الخلافات السياسية بالأساس، لكن السبب الرئيسي هو الصراع على السلطة. وعبر بشارة عن اعتقاده، أن المحرك الأساسي للصراع وديمومته وعدم القدرة على المصالحة، وتوقيع اتفاقيات لا يتم تنفيذها، هو هذا التنافس على السلطة.

كما كرر صاحب "أن تكون عربيًا في أيامنا" مشكلة أوسلو، بأنه خلق سلطة دون دولة، فأدخل حركة تحرر وطني في صراع داخلي على سلطة، تاركة الصراع على الدولة. حيث إن حركات التحرر تدخل في العادة في هذا التنافس بعد إقامة دولتها. مبينًا أن معظم طاقة الشعب الفلسطيني أصبحت تبدد على صراع داخلي، يشبه صراع المسجونين، على التمثيل أمام السجان.

اقرأ/ي أيضًا: انشغال عزمي بشارة بـ"المسألة العربية".. ما بعد قشور الراهن العربي

في هذا الصدد، دعا بشارة إلى إعادة تفعيل منظمة التحرير وفتح المجال للناس، الذين يحتاجون إلى إطار بعيدًا عن التنافس القائم، على العمل من خلالها. منوهًا إلى أن محمود عباس سعى قصدًا إلى تحييد دور المنظمة، خوفًا من وجود شرعية أقوى من شرعية السلطة.

بشأن الخلافات السياسية بين فتح وحماس، أكد بشارة أن هذا الصراع لم يقم على الخلافات السياسية بالأساس، لكن السبب الرئيسي هو الصراع على السلطة

واختتم المفكر العربي بالإشارة، إلى أن محمود عباس لا يتصرف كرئيس دولة، وإنما كرئيس تنظيم في الضفة الغربية. قائلًا إن هناك حالة رثة محزنة تتلخص في أن هذا الرجل ليس إلا رئيس سلطة في الضفة الغربية، كما أنه لا يريد الاعتراف بالفشل الذي انبنى عليه مشروعه، وهو لا يتصرف على الأقل مع غزة كجزء من الشعب الفلسطيني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة.. تعرية ديمقراطية إسرائيل المتناقضة

عزمي بشارة.. الحفر في الثورة المصرية (1- 2)