عائشة الحدادة.. حياة بالحديد والنار

عائشة الحدادة.. حياة بالحديد والنار

ستورث المهنة لأبنائها (ألترا صوت)

رغم كل التعب تعمل بسرعة. تمسك مطرقة فولاذية ثقيلة وبما أوتيت من قوة تضرب القطعة الحديدية المجمرة، التي أخرجها زوجها من كانون النار. هذا هو تقريبًا دوام العمل. يتكرر لساعات طويلة. تضرب القطعة الحديدية، وزوجها يخرجها من اللهب، ويبدأ بتشكيلها لُصنع إحدى الأدوات اللازمة للأغراض الزراعية، ليبيعها والحصول على قوت يومهم. هكذا، يصنع الزوجان ــ المقيمان في منزلٍ متواضع وبسيط ــ عشرات الأدوات في دورة العمل اليومية، التي يطلبها المزارعون الفلسطينيون ويبيعونها بثمنٍ زهيد. لا يملكان مصنعًا ولا يمكنهما منافسة الشركات الضخمة. يعملان للعيش وحسب.

هذه هي يوميات عائشة حسين (36 عامًا) بصحبة زوجها صاحب اللحية الكثيفة. يوميًا ولـساعات متواصلة يعملان في مهنة الحدادة. صارت السيدة تمتلك يدين خشنتين، لا تقلان خشونةً عن خشونة الظروف المعيشية الصعبة في قطاع غزة، لتضمن سد رمق جوع أطفالها.

ترمي بالمطرقة وتتنفس طويلًا، لتحدثنا قليلًا في استراحة محاربة. تمسح جبينها الذي راح يتصبب عرقًا، وتقول: "أساعد زوجي منذ الأسبوع الأول من زواجنا، شهر عسلي كان بين قطع الحديد". لكن الوقت ليس لمصلحتها، حملت المطرقة ذات اللون القمحي، وعادت بالطرق من جديد، بعد ما أخرج زوجها قطعة أخرى. الوقت لا ينقضي بين الحديد والنار: "إنها مهنة صعبة، ومرهقة لجسدي، لكننا لا نملك غيرها، لدي 7 أطفال، يجب تربيتهم، دون أن نمد أيدينا للآخرين"، تكمل هذا بصوت متقطع وهي تضرب بقوة، كما لو أنها تضرب أيامها وتشتكي من الأحوال.

اقرأ/ي أيضا: ستات الشاي .. المرأة مظلومة ومناضلة

تعمل عائشة منذ أول يوم زواج وشهر العسل كان بين قطع الحديد

حكاية عائشة واحدة من بين مئات قصص النساء العاملات في غزة جراء الوضع الاقتصادي الباهت. لكن عائشة استثنائية فعلًا، فمهنة الزوجين لا تعتمد سوى على الفحم ومولد لضخ الهواء، وفي حال انقطاع الكهرباء، يتم استخدام "قربة" فارغة تم وصل طرفها بأنبوب حديدي، يصل بينها وبين الفحم، ويشرع أحدهما بالضغط عليها كي يصل اندفاع الهواء الى الفحم، ما يزيد من اشتعاله وقوته وقدرته على صهر الحديد. وبمعزل عن المجهود الجسدي الكبير الذي تبذله، ظروف الحياة في غزة لا تساعد إطلاقًا.

يقطع الزوج والذي يكنى بأبو مصطفى حوارنا مع السيدة الحدادة، قائلًا: "الآن أصبح الوضع أكثر صعوبة، هذه المهنة بالكاد توفر لنا قوت يومنا". قبِلت العائلة كل هذا التعب، لكنه، وفي ظل الحصار، لا يكفي.  فقد تأزم وضع عائلة أبو مصطفى جاءت مع اشتداد الحصار الإسرائيلي على غزة، بعد تضاعف سعر الفحم. أجبرت أوضاع أهالي غزة الاقتصادية السيئة الرجل على خفض سعر منتوجاته. يمسح عرقًا هو الآخر عن لحيته التي غزاها الشيب، ثم يكمل حديثه مبتسمًا وفخورًا: "طالما زوجتي بقربي في هذه المهنة لن نموت من الجوع". وإن كان من تعريفٍ للأمل، فهذا هو.

يصنع أبو مصطفى بمساعدة زوجته عائشة، السكاكين، والسواطير والخناجر والسيوف، إلى جانب الأدوات الزراعية وغيرها، علمًا أن الزوجين يستطيعان صنع أشكال الزينة أيضًا، ولكن هذه الأدوات لا تلقى طلبًا، فلا وقت للغزيين دائمًا بأن يتزينوا.

تٌنفض السيدة عائشة ثوبها من شذرات الحديد، وتذهب إلى داخل المنزل. تعود بعد دقائق، تحمل بين يديها اللتين تلطخن بسواد النار، أكواب الشاي، وتردد قائلةً قبل جلوسها بجانب زوجها : "سنورث هذه المهنة لأبنائنا كي تنفعهم في الأيام الصعبة". عائشة، تحاول اختراع الأمل، لأبنائها أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا:

أم خليل القصابة تتحدث عن مهن القسوة

الموريتانيات.. الكرامة في بقايا الأرز