طائفة البهرة في اليمن.. طقوس مُعلّقة بسبب الحرب

طائفة البهرة في اليمن.. طقوس مُعلّقة بسبب الحرب

يبلغ عدد البهرة في اليمن حوالي نصف مليون، وفي العالم قرابة المليونين (رويترز)

يستعد آلالاف من أبناء طائفة البهرة في اليمن، أواخر الشهر الجاري، لإقامة طقس الحج لضريح حاتم الحضرات، أو حاتم بن إبراهيم، الداعية الفاطمي الثالث المدفون في قرية الحطيب شرقي حراز الواقعة غرب العاصمة اليمنية صنعاء.

كثير من البهرة خارج اليمن ومن المناطق البعيدة عن صنعاء، لن يتمكنوا من أداء طقس التجمع في الفيض الحاتمي بسبب العراقيل التي أنتجتها الحرب

يرتدون ملابس بيضاء وقبعات دائرية مطرزة بخيوط ذهبية، صاعدين للجبل الشاهق الذي يقبع الضريح أعلاه، في جامع بني قبل نحو 900 عام.

اقرأ/ي أيضًا: معتقدات يمنية تهوى قتل بعض الحيوانات

لكن الكثير من البهرة من خارج اليمن، أو المتواجدين في اليمن المناطق البعيدة عن العاصمة صنعاء، لاسيما المناطق الجنوبية، لن يتمكنوا من تأدية طقسهم المعتاد هذا العام، بسبب إغلاق مطار صنعاء من قبل قوات التحالف العربي، فضلًا عن العراقيل التي يواجهها المسافرون برًا من المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة عبدربه منصور هادي، إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، كما يقول لـ"الترا صوت"، عبدالله مكرم أحد أبناء طائفة البهرة في اليمن.

مركز الفيض الحاتمي
تفجير مركز الفيض الحاتمي في 2015

وبالجملة، فقد كان للبهرة نصيب معتبر من آثار الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من أربعة أعوام، ففي 2015، فجرت سيارة مفخخة أمام مركز الفيض الحاتمي، ما أدى لوفاة ثلاثة أشخاص على الأقل، كما سبق للحوثيين أن نفذوا مداهمات للمركز وأغلقوه. كما سبق لقوات التحالف السعودي في اليمن، اعتقال عدد من أتباع الطائفة اليمنيين والقادمين من الهند.

وقبيل سنوات الحرب اعتاد البهرة تأدية طقوس دينية، تعتبر من أساسيات مذهبهم، تبدأ بزيارة سلطان البهرة، المفضل سيف الدين، نجل محمد برهان الدين، القادم من الهند إلى صنعاء، حيث يجتمع بأتباعه، يخطب فيهم ويوزع عليهم الهدايا والهبات، وذلك في مقر "الفيض الحاتمي" بصنعاء.

وتعود آخر زيارة لسلطان البهرة الحالي المفضل سيف الدين، إلى اليمن، لعام 2014، حيث قدم ومعه آلاف من أتباعه  إلى مدينة جبلة بمحافظة إب، لزيارة ضريح الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، ثم اتجهوا إلى قرية الحُطيب بمنطقة حراز.

ضريح الملكة أروى بن أحمد الصليحي
ضريح الملكة أروى بن أحمد الصليحي

من هم البهرة؟

يعد أتباع البهرة، أو كما يطلقون على أنفسهم "الفاطميون"، من الأقليات الدينية التي لم يعرف عنها الكثير من اليمنيين والعرب عمومًا، بسبب حالة من الغموض تكتنف حياتهم الاجتماعية، وطقوسهم الدينية، خاصة وأنهم طائفة منغلقة غير تبشيرية.

أصولهم زعمائهم، أو سلاطينهم الملقبين أيضًا بـ"الدعاة"، عربية، لكنهم من مئات السنين هاجروا للهند واستقروا بها، وانخرطوا في التجارة، ولديهم الآن الكثير من الأعمال التجارية في أنحاء العالم، بما في ذلك اليمن ومصر.

وللبهرة العديد من المزارات الدينية، في المنطقة العربية مثل ضريح حاتم الحضرات في اليمن، ومسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة بمصر، وغيره من الآثار التي تعود للدولة الفاطمية والتي يرعون أغلبها بالعناية والترميم.

يصل أعداد البهرة في اليمن إلى نحو نصف مليون، متمركزين في مناطق: حراز وهمدان وصنعاء وعراس وإب، وكذا في عدن التي يوجد بها سوق البهرة ومسجد علي بهاي. وفي العالم، تصل أعدادهم إلى نحو مليونين، ومركزهم الرئيسي مدينة مومباي في الهند.

طائفة غامضة؟

لا يُعرف الكثير عن البهرة في الشارع العربي، الأمر الذي أدى إلى الكثير من الادعاءات عنهم، ينفونها هم بدورهم، في حين يثبتون شروط اتباع الطائفة بالاعتراف بـ"العهد لأمير المؤمنين، والإيمان بالصحيفة السجادية العلوية، ومحبة آل بيت النبي محمد"، كما قال أحمد علي عبدالله المحله، شيخ الطائفة اليمن، والذي أكد على أن البهرة طائفة "لا تحبذ نشر مذهبها"، كما جاء على لسانه في تصريحات صحفية.

يقول الكاتب والباحث محمد العراسي لـ"الترا صوت"، إن البهرة "من الطوائف التي نسجت حولها أكاذيب وأساطير من قبل أتباع المذهبين الوهابية والزيدي، خشية انتشار المذهب الإسماعيلي في اليمن".

البهرة

ومنذ سقوط بنو صليح أو الدولة الصليحية في اليمن، عام 1138، تعرض أتباع الطائفة الإسماعيلية في اليمن لتضييق كبير من قبل حكام الدول اليمنية المتعاقبة، ولذلك انتقلت زعامة الطائفة من اليمن إلى الهند، من الداعية الفاطمي اليمني محمد عز الدين، إلى أول داعية فاطمي عندي وهو يوسف نجم الدين من عائلة "تارمل"، وهو الداعية أو السلطات رقم 24، وعليه، ووفقًا لمعتقداتهم، باتت نيابة الإمام المستتر "الطيب بن الآمر"، حكرًا على أبناء تارمل. 

وقبيل ثورة 26 أيلول/سبتمر في اليمن قام الإمام يحيى ومن بعده نجله أحمد حميد الدين، حاكمي المملكة المتوكلية، بسجن مجموعة كبيرة من مشايخ وأعيان منطقة حراز، على اعتناقهم المذهب الإسماعيلي. وبعد قيام النظام الجمهوري، قلت وطأة الضغط على البهرة، وإن ظلت الرقابة الدائمة قائمة عليهم حتى اليوم.

عن ذلك يقول محمد العراسي: "لا أحد ينكر تعرض الطائفة الإسماعيلية للظلم من قبل الحكام في اليمن منذ القدم، رغم عدم تدخلهم في السياسة". وبحسب العراسي، فقد تنفس البهرة الصعداء في عهد علي عبدالله صالح الذي قدم لهم تسهيلات في حرية العبادة وفي التجارة. وفي المقابل، كان للبهرة إسهامات في دعم الاقتصاد اليمني بشكل مباشر.

مواقفهم

وفي السنوات الأخيرة، برز البهرة في اليمن بمواقف حيال العديد من القضايا التنموية والمجتمعية، ففي نيسان/أبريل 2015، تبنت الطائفة تنظيف شوارع العاصمة صنعاء، والتكفل بكافة أجور سيارات القمامة وعمال النظام مدة عام، بعد أن عجزت الحكومة عن التعامل مع مشكلة تفاقم النفايات في المدينة.

وفي 2018، أطلق البهرة مبادرة لاستبدال أشجار القات بالبن والموز، في منطقة حراز التي تعد مركزًا رئيسيًا لهم في اليمن، استجابة لدعوة كان قد أطلقها سلطان البهرة الحالي مفضل سيف الدين.

البهرة

ومن قبل ذلك، يُساهم البهرة بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني، وهو أمر متكرر للطائفة في دول عربية لهم فيها مزارات ومراكز روحية، الأمر الذي يراه باحثون سبيلًا منهم لتذليل أي عقبات محتملة بينهم وبين السلطات، أمام بقائهم في حرم مزاراتهم، ورعايتها وممارسة طقوسهم بحرية.

يُذكر أنه على مدار عقود تبرع البهرة بشكل مباشر بمبالغ مالية كبيرة للحكومة المصرية، آخرها التبرع بمبلغ 10 ملايين جنيه مصري لصندوق تحيا مصر.

لكن في المقابل، يقول البهرة في اليمن، إن وضعهم مختلف عن البهرة في مصر، كون البهرة في مصر غير مصريين، ومعظمهم من أتباع الطائفة من الهنود، المقيمين في مصر بشكل أساسي لرعاية المزارات الدينية، لكن في اليمن، يختلف الوضع كون البهرة يمنيين مواطنة.

 يُساهم البهرة بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني، وهو أمر متكرر للطائفة في دول عربية لهم فيها مزارات ومراكز روحية

يقول يوسف الخدر لـ"الترا صوت"، وهو أحد أتباع البهرة في اليمن: "البهرة محبون لأوطانهم، ولا ينخرطون في أي شؤون سياسية، إلا بالمساعدة في حل المشكلات التنموية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

خريطة "المؤمنين" وأصحاب الديانات في الأرض.. إلى أين يتجه الدين بالعالم؟

آخرهم الأحمديون.. لماذا تضطهد السلطات الجزائرية الأقليات الدينية؟