18-فبراير-2016

ضياء جبيلي

أول مايلفت انتباه القارئ في رواية "تذكار الجنرال مود" (دار وراقون، 2015) للعراقي ضياء جبيلي هو تخلي الكاتب عن الشكل المتعارف عليه للرواية ليسلك أسلوب تجريدي، فالرواية هنا ليست مجرد نقل للواقع من خلال الأماكن والشخوص والحدث، بل هي تأسيس من خلال هذه عناصر السرد لدلالاتها الرمزية، وإنشاء علاقة بين الواقع واللاواقع.

يتوغل ضياء جبيلي في النسيج الاجتماعي لمدينة البصرة من خلال الحديث عن إنسانها المنسي

أولى الوظائف الدلالية لعناصر السرد نجد أن مدينة البصرة التي حضرت بقوة، خصوصًا في الجزء الأول من الرواية، بتفاصيل فتنتها وبحرها ونفطها وناسها وأوجاعها المتعددة، وذلك عن طريق السرد الموازي ومن خلال صديق كريم عبد الواحد، حفيد السيد انقلاب، ومن خلال رسائل موجهة لقرش يظن صديق السارد كريم أنه افترسه. 

يتوغل ضياء جبيلي في النسيج الاجتماعي للبصرة من خلال الحديث عن الإنسان المنسي، البعيد عن أي تغيير يذكر، يُعري انكساراته ومواطن الجمال فيه، يلامس البصرة في ملامح سكانيها وبحرها الملوث بالإشعاعات ولحوم البشر، يقتفى أثر اللحوم البشرية المقطوعة في شوارعها وما تثيره رائحتها ليجعلها تطاردك أكثر مما تطاردها أنت ضمن عملية القراءة. يراوح بين الواقع والخيال ويمزج الأسطورة بواقعه المر فلا يعود القارئ يدري أيهما أقرب للتصديق، ففي مدينة يموت فيها الناس بأشكال متعددة ومفجعة: قنبلة، غرقًا في البحر، جوعًا، طعنًا، مرضًا... سوف يبدو الموت الطبيعي مثيرًا للسخف ولاحتمالات الضحك.

شخصية كريم التي اختارها السارد لتكشف تفاصيل المكان، تبدو شخصية غريبة "يأكل التراب والبلاستيك ونشارة الخشب، بمقدوره أن يضغط حجمه ليلج عبر الأنابيب الضيقة، ويبحث عمن يدخله في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، إذ ما زال بوسعه كتم أنفاسه تحت الماء لأكثر من ثلث ساعة".

تحضر البصرة أيضًا من خلال شخصية الجنرال ستانلي مود، ودخول الجيش البريطاني وطرد العثمانيين من العراق خلال الحرب العالمية الأولى. اعتمد الكاتب لبيان هذه المرحلة التاريخية على جملة من الوثائق القديمة ومواد صحفية من صحف صدرت في ذاك التاريخ، وهو بذلك يخلق تنويعًا على مستوى السرد وكذلك تنوع بنيته.

يقرأ التاريخ في رواية "تذكار الجنرال مود" بملامحه وتفاصيله اليومية بعيدًا عن زيفه المكتوب في الكتب

السحر يزاد كلما توغلت في الرواية، ولعل تداخل السرد سواء عبر السرد الموازي أو من خلال التداخل الزمني الذي يبدو متباعدًا، لكن ضياء جبيلي يجد توليفة ما ليعقد الخطوط الزمنية والسردية للرواية، وذلك من خلال وقائع عجائبية، السحر أو التشويق يولد من خلال تعدد الأصوات، أو الرواة، داخل الرواية ومحافظة الكاتب على الإمساك جيدًا بخطوطها. 

التوليفة السردية تجد ذاتها من خلال شخصية السيد انقلاب، فهو شخصية ممتدة حتى نهاية الرواية، وكذلك الحكاية الخيالية أو المتخيلة التي كان يرويها السيد انقلاب للأطفال ليجعلهم يهتمون بدروسهم ويستغنون عن فكرة الذهاب للبحر. حكاية القرش الذي التهم ستة أطفال. السيد القرش هو شخصية متخيلة تدل على شخصيات واقعية تتلخص في مسمى واحد قاتل. 

الواقعية السحرية الممزوجة بعنصر المتخيل في رواية "تذكار الجنرال مود" تذكرنا بعوالم ماركيز وروايته "مائة عام من العزلة". كريم عبد الواحد هو الوجه الآخر لأورليانو بوينديا. الاثنان يلتقيان من خلال واقعهما العجائبي السحري والخيالي، هذا المزج الواعي يدل على وعي الكاتب ومعرفته. 

"تذكار الجنرال مود" رواية الإنسان، تعكس صورته الصادقة بتناقضاتها وتفاصيل واقعه المزري دون تزيف، هي التاريخ حين يُقرأ في ملامحه وتفاصيله اليومية بعيدًا عن زيفه المكتوب في الكتب، بحيث ترى الصورة غير الصورة والحياة غير الحياة، وهي أيضًا التزام أدبي يتحمله الكاتب تجاه واقعه ومجتمعه، التزام أقره ضياء جبيلي على لسان شخصيته موليسيه "أروي لأسليكم موليسيه- أروي لأخيفكم أنا أورماخ أروي لأغريكم أنا دامكينا أروي لأفضح دامكينا- أروي لأغريكم أنا شاعر وأدعى أورنينا أروي لأمتعكم أنا أدابا، راعي البقر أروي لأنهي الحكاية كبي كبي".

اقرأ/ي أيضًا:

"نزهة بحزام ناسف".. تركيب الموت شعرًا

دليل المبتدئين في صناعة الدكتاتور