31-ديسمبر-2023
كاريكاتير لـ تجيرد روياردس/ هولندا

كاريكاتير لـ تجيرد روياردس/ هولندا

يقارب العدوان النّازيّ الذي شنّه الاحتلال على الأبرياء في غزّة على إتمام شهره الثّالث، من دون أن نلحظ مواقفًا صريحة وواضحة يتبنّاها المثقّفون العرب إزاء الهمجيّة الصّهيونيّة التي لا تفرّق في جنونها بين البشر والحيوان، ولا بين الشّجر والإسمنت، فلا هي احترمت المدارس والمستشفيات ودور العبادة، ولا هي التّزمت بالقانون الدولي الخاص بالحروب.

وإن كانت الأنظمة العربيّة قد حصرت مواقفها في الخطابات المندّدة والدّعوة لفتح المعابر وإيصال المساعدات، فإن النّخب التي كثيرًا ما ردّدت أنها رسل حريّة وعدالة رافضة للاعتداءات وقتل الأبرياء - حتّى وإن ظلّت مواقفها مجرّد شعارات - التّزمّت الحياد وتلاشى صوتها المستهجن تقريبًا، أو قارب ما يحدث من زاوية اعتبر فيها الطّرفين خصمين متكافئين، أيّ المقاومة بشحّ ما تملكه من عدّة عسكرية وجيش الاحتلال بترسانة قتاليّة هي الأولى عالميًا، مع توجيه أصابع الاتّهام واللّوم إلى المقاومة بدل إدانة صريحة للمحتلّ.

والمفارقة التي كشف عنها موقف النّخب العربيّة بشكل يدفع للسخرية أنّ موقف الأنظمة جاء متقدمًا عليها في أحيان كثيرة، باستثناء حالات بدا فيها الخطاب النّخبويّ متسقًا تمامًا مع الخطاب الرسمي في عديد البلدان العربيّة.

لم تفضح غزّة بالعدوان الممارس عليها هشاشة القرار العربيّ وعجزه فحسب، بل أسقطت آخر ورقة توت تغطّي سوءة العديد من المثقّفين

 

كلّ تأكيد علينا ألا نبخس لفيفًا آخرًا حقّه، إذ وقع هؤلاء بيانات إدانة واستنكار للعدوان الصّهيونيّ. والحقّ يقال إنّ هؤلاء كانوا واضحين في صياغة بياناتهم التي سمّوا فيها الضحية باسمها والجلّاد باسمه ورفضوا أن ينعت الغزاويين بالإرهاب، وهذه ميزة في زمن أصبح الصّمت أمام المحارق مربح لاعتبارات كثيرة ارتبطت أساسًا بالصّمت أمام التّطبيع ومباركته الذي سارت على نهجه تباعًا دول وازنة في المنطقة، مغيبة بذلك موقف المثقف عن قضايا مصيرية تتعلّق بشعب آخر، وهي بذلك تقوّض حقّه في الرّفض وإدانة خطورة قرارات مماثلة تقضي إلى حرمان أمّة من حقها لصالح قوة استعمارية، تقتات على هدم الممتلكات وسرقة الأراضي وبناء المستوطنات، والاستلاء على المقدّسات واعتقال الأطفال والنّساء، ومحاصرة الغزاويين في سجن مفتوح .

خيارات فكرية وأخلاقية أم شراء ذمم؟

يتهم المثقّفون الّذين تشكلت مواقفهم مراعية للخطاب الرسمي للأنظمة المطبعة، والتي تخوض حربًا ضدّ المقاومة، مخالفيهم في الرّأي والدّاعمين علنًا وبوضوح لأحقّيّة المقاومة في الدّفاع عن أرضها بأنّهم شعبويون وعاطفيّون، وفي أحيان أخرى بأنهم متعطّشون لدماء داعمي من سبّبوا الهلاك للغزاويين، رغم أنّ الخصومة السّياسيّة لا تبيح الاصطفاف إلى جانب من يقتل المدنيّين والصّحافيّين ويدنّس المقدّسات ويغتصب الأرض.

لم تفضح غزّة بالعدوان الممارس عليها هشاشة القرار العربيّ وعجزه فحسب، بل أسقطت آخر ورقة توت تغطّي سوءة العديد من المثقّفين، سواء من انخرطوا مجبرين أو بطيب خاطر في التّبرير للنّازيّة الجديدة، إذ يمنح ذلك ولو معنويًا الدّعاية الإسرائيليّة قوّة وتفويضًا يبرّر وحشيتها.

والواقع قد يتحاشى أكثرنا إيمانًا بحقّ الآخر في عدم تلويحه ولو بكلمة واحدة إشارة لهذه لمحارق الصّهيونيّة التي نتابعها يوميًّا على المباشر، على اعتبار أنّ الإدانة أو الصّمت أمر متعلق بالحرّيّات الفرديّة، والتزام أخلاقيٍّ لا يمكن إلزام غيرنا به، لكن أمام عبثيّة القتل يئز السّؤال أزًّا على الرّؤوس ونحن نتابع أولئك الّذين ما خلفوا حدثًا محلّيًّا أو عالميًا إلّا وكتبوا عنه، وتلك هي وظيفة المثقف، وقد يدينون مواقفًا وأعمالًا تتعارض مع قناعتهم الثّقافيّة في مجتمعاتهم وتحضر الإجابة بشكل عفوي: "إنّ مهمّة المثقف تحتّم عليه نقد الظّواهر التي تتنافى مع قيمه الإنسانيّة والأخلاقيّة أو تلك التي تشكّل تأخّرًا حضاريًا، في حين يخيّم الصّمت إذ ما تعارض الوضع مع الأسس الأساسيّة للنّظام الحاكم في البلدان التي يدينون لها بالولاء، فيتنكّرون آنذاك لمسؤوليّاتهم الأخلاقيّة بصفتهم نخبًا ومنارات ثقافية وصنّاع أفكار، وبالعودة إلى مواقفهم أمام ما يحدث في فلسطين، فالأمر كان ليكون متقبّلًا، بل حتّى شرعيًا، لو أنهم التزموا أمام أحداث مماثلة في جغرافيا أخرى نفس الموقف ونفس التّبرير، لكن الأصوات التي اعتادت الحديث تصمت عندما يتعلّق الأمر بفتل العربيّ على يد من يرون فيه مخلّصهم من خصومهم في الأيديولوجيا. ألم تتواطأ نخب نظرت أزمنة عن الحرّيّات ضد السّوريّين ورأت في اختلافها الفكري مع المعارضة سببًا وجيهًا لصمت أمام كيماويٍّ الأسد وهو يبيد السّوريّين، واصطفّوا ضدّ الشّرعيّة في مصر، وبنفس الحماس كانوا قد هللوا لديمقراطيّة البوارج الأمريكيّة في العراق، وتحمّس أغلب الصّامتين اليوم أمام ما يحدث في فلسطين للدفاع عن الأوكرانيّين أمام الاعتداء الرّوسيّ، ولسنا نقلّل من آلام الشّعب الأوكرانيّ، ولكن ألّا تدفع الازدواجيّة إلى التّساؤل؟

الأيديولوجية تهزم الإنسانية

كان السّابع من تشرين الأوّل/أكتوبر زمنًا وحدثًا مناسبًا ليعيد المثقف أيًّا كان مذهبه، أقصد المثقف العربيّ من داخل الحاضنة العربيّة أو حتّى خارجها، والذي تبنّى والبيّنة على من ادّعى بوضوح شديد المفهوم الذي صاغه إدوارد سعيد عن المثقف، وعلاقته بالسّلطة وجماعته تعريف ذاته ودوره الحقيقيّ داخل دائرة أخلاقيّة وإنسانيّة، غير أنّ مجمل ما جاء من آراء بخصوص ما يحدث كان منافيًا حتّى لا نقول مخيبًا لوضع يعيشه الفلسطينيّ، ذلك لأنّ السّقوط المدوي للقيم الإنسان ما كان ليبدو متجلّيًا بكلّ هذا الوضوح مثلما كشف عنه العدوان ضدّ غزّة.

إذ بدل أن يطلع القارئ العربيّ على مقالات وقراءات في الحدث تعيد لفت انتباه الرّأي العالميّ لمأساة شعب حرم من أبسط حقوقه في قيام دولته، وتفنيد السّرديّة الصّهيونيّة عن مزاعم السّلام التي طالما نقضتها وسط تأييد عالمي، نفاجأ بجلد مضاعف للضّحيّة مرّة بالصّمت أمام كلّ النّازيّة الإسرائيليّة، ومرّة حين أنصفوا الجاني وفاضلوا بيّن المدنيّ الفلسطينيّ والمدنيّ الإسرائيليّ، ومرّة أخرى حين غضّوا البصر عن همجيّة إسرائيل وأشاروا بالإدانة للمقاومة، ولم يجرؤ أيّ من هؤلاء إعادة صياغة السّؤال القديم أين حقوق الفلسطينيّين؟ أليس ما تقوم به دولة الاحتلال من قتل وتهجير يكشف عن نيّة مبيتة لاقتلاع الغزاويين من غزّة آخر حصن مقاوم، ألا تعري الإدانة المجتزأة من سياقاتها الحقيقيّة القاتل عن سبق إصرار وترصّد؟ ألا تحاول منحه شرعية تهدم حقّ شعب آخر في أن يتواجد ضمن ما تسمح به الشّرعيّة الدّوليّة، على الأقلّ، من وجهة نظر المؤمنين بحلّ الدّولتين؟

لم يكن مقال كمال داود، الكاتب الفرنكو- جزائري، على سبيل التّذكير الصّادر عن جريدة لوبان الفرنسيّة في الأسبوع الأوّل من الحرب مفاجئًا في اختلافه مع حماس كفصيل فلسطينيٍّ بخلفيّة دينيّة، فقد عرف عن داود عداؤه للإسلاميّين، ولا حتّى في إدانته لها وهو يُحملها قتل القضية الفلسطينيّة، وكأن العالم العربيّ لم يشهد قبل السّابع من تشرين الأول/أكتوبر تصفية للقضيّة الفلسطينيّة في اجتماعات العرب على طاولة التّطبيع، وقد وجد له مشجّعون ومنظّرون ودعاة، وكأن داود يعيش في مجرّة أخرى غير التي نعيش فيها، أو على أبسط تقدير لا يتابع ما يحدث في غزّة منذ ما يقارب سبعة عشر عامًا من حصار.

ذهب داود في تبنّيه للموقف الصّهيونيّ مرحلة جدٍّ متقدمة، إذ تغاضى عن نقض معاهدات السّلام والاستسلام التي وقّعها العرب نيابة عن الفلسطينيّين، وساوى على الطّريقة الغربيّة بين الضحية وجلّادها، بل اعتبر هجوم حماس أحد أشكال الإرهاب الدّينيّ، وهو بذلك لا يفنّد الرّواية الغربيّة بل يؤكّد مزاعمها، لكن نسي أن يخبرنا في أيّ خانة يمكن تنصيف الإجرام والإرهاب الصّهيونيّ.

وصم الطاهر بن جلون عميلة طوفان الأقصى بـ"العمل الحيوانيّ"، مشيرًا أنّ الحيوانات ما كان لها أن تقوم بذلك، في حين حمل كمال داود حماس وزر قتل القضية الفلسطينيّة

والواقع قد نختلف أو نتفق مع المقاومة في تفاصيل صغيرة، لكن لا يمكن أن نقدّم دروسًا للقابع تحت نيران الاحتلال كيف يدافع عن حقّه، وليس من حقّ القاعدين خلف الشّاشات الحديث عن عدم جدوى ومشروعيّة المقاومة للاحتلال، إلّا إذا كان داود متأسّفًا للفرنسيّين، بأثر رجعي، عن الثّورة الجزائريّة التي خاضها الشّعب ضدّ مغتصب أرضه، إلّا أنّ الانهيار الأخلاقيّ للقيم وازدواجيّة المواقف وتواطؤ الأقلام لم يكشف لنا أنّ الفلسطينيّ الذي يدافع عن أرضه لوحده، وقد لن نجد أبلغ من عبارة محمود درويش "كم كنت وحدك يا ابن أمّي!" لوصف الوضع وحسب، بل يكشف أيضًا عن نجاح الفكر الصّهيونيّ في تدجين الكثير من العقول والأقلام العربيّة، فيصير أكثر النّاس تطرّفًا في المجتمع الغربي الدّاعم لمشروع يهودية الدّولة الإسرائيليّة، والمبرر لكلّ ما تقوم به الهمجيّة الإسرائيليّة من أجل أن تتحوّل آمالهم في وطن يهودي واقعًا ما كان ليكون أكثر وفاء من موقف الكثير والمحسوبين على النّخب العربيّة.

لعلّ الوحيد الذي تفوّق على داود في تطرفه زميلة الفرنكو - مغربي الطّاهر بن جلّون، الذي تبنّى في خطابه الموقف الإسرائيليّ بما هو عليه من إجرام وسفّه، فبن جلون تحوّل في مقاله على نفس الموقع إسرائيليًّا أكثر من الإسرائيليّين أنفسهم، ولسنا نعلم بعد مضي ثلاثة أشهر هل لا زال يحتفظ بنفس الوصف الذي وصم به عمل المقاومة في عميلة طوفان الأقصى بـ"العمل الحيوانيّ"، مشيرًا أنّ الحيوانات ما كان لها أن تقوم بما قامت به المقاومة، ربما كان عليه الاستدراك بمقال آخر ليحدّثنا عن براءة الحيوانات المتوحّشة من النّازيّين الجدد، إلّا إذا كان بطبيعة الحال  مازال يرى في محارق وقرابين الرّب التي يتبنّاها الجيش الإسرائيليّ مجرّد رمي بالورود على أطفال غزّة ونسائها ومستشفياتها.

هذه المواقف واقع الأمر مبررة، إذ ما قاربنا الأمر بالجهود التي تبذلها إسرائيل في غسل الأدمغة العربيّة سواء تعلّق الأمر بالعقول التي هاجرت إلى الغرب أو تلك التي انخرطت مشيدة بمآلات سياسات التّطبيع ضمن الجغرافيا العربيّة، والحديث عن الصّمت النّخبويّ لاعتبارات أيديولوجيّة أو حتّى من بابٍ نفعي مرتبط بما يمكن لصمت أو التّلميع إدراره لا يخفي عديد المواقف الفاحصة بحياد للوضع الفلسطينيّ منذ عام النّكبة غير متجاهلة لتقسيمات التي تشكلت على أثرها الدّولة الفلسطينيّة ضمن حدود 67 والوضع الذي آل له الحق الفلسطينيّ واللّافت، ومن باب العدل ثمة  أسماء كبيرة غربية  تبنت مواقف إنسانية عادلة تتناسب تمامًا مع قيمها التي تناضل من أجلها وسخرت لها حياتها وأقلامها غير أن المقام هنا خصص للحديث عن صمت المثقف العربي.