10-أبريل-2023
إفطار جماعي في بغداد

إفطار جماعي في بغداد

تتكاثر، خلال الشهر الكريم، عناية كبرى بالصّحة و"تدبير الأجساد" قد تبلغ، عند البعض، حدًّا لافتًا للنظر. فهذا الشهر، الذي هو، بلا منازع، شهر الإمساك عن شهوات الجسد، يقترن عند كثيرين منا بعناية مبالغ فيها بالجسد، وإفراط في ممارسة جميع أشكال الرياضات. يتجلى ذلك أوّلًا في إتّباع موضة الجري، الجري صباح مساء، الجري في الطرقات وفي الغابات، في الشوارع والأزقة. كما أنه يتميز بالاهتمام الكبير بفنون الطّبخ وأنظمة التغذية، وطغيان البرامج الإذاعية والتلفزيونية المخصصة لذلك، وكذا انتشار كتب الطّبخ والمجلات التي تهتم بتدبير الأجساد و"سياستها" وصناعتها ونحتها ورعايتها.

هذا الالتفات إلى الجسد، وذلك الاهتمام بما يعمله وما يتغذى عليه، لا ينبغي أن ينظر إليهما فحسب على أنّهما مجرّد عناية بالصحة، وإنّما بالضبط على أنهما أساسًا "خلاص" للجسد فخلاص للروح

هذا الالتفات إلى الجسد، وذلك الاهتمام بما يعمله وما يتغذى عليه، لا ينبغي أن ينظر إليهما فحسب على أنّهما مجرّد عناية بالصحة، وإنّما بالضبط على أنهما أساسًا "خلاص" للجسد فخلاص للروح. ذلك أن "فنون التغذية" وتمارين الرياضة، هي قبل كل شيء فنون وتمارين، إنها ترويض للجسد و"تربية" له وتهذيب. بل إنها إعادة نظر في "ميتافيزيقا الجسد". وقد سبق لنيتشه أن أكّد أن المطبخ لا يقتصر على رعاية الأجسام، وإنما هو يحدّد أساليب للعيش وعلائق بالعالم، وأنماطًا للوجود.

كما سبق له أن لاحظ أن نظام التغذية قضية تبلغ أهميتها عنده مبلغًا خاصًا "يتوقف عليها مصير الإنسانية جمعاء أكثر مما يتوقف على أية حذلقة كلامية". فنظام التغذية يكرّس فلسفة بعينها. وما نلحظه من عناية مفرطة بعلوم الأطعمة والمطابخ، وصناعات لتوفير الأغذية الصحية، وجدالات حول ما ينبغي وما لا ينبغي أن يؤكل، كل هذا ليس إلا دليلًا على تكريس لميتافيزيقا تؤكد "روحانية الجسد".

يكشف شهر الصّيام إذًا أن الجسد ليس "كائنًا بيولوجيًا"، وإنّما هو "حساسية روحية" تجسّد قيمًا، وتحمل دلالات ومعاني. على هذا النحو فإن الشعائر التي تواكب شهر رمضان لا تعمل في نهاية الأمر إلا على رعاية "روحانية الجسد" هذه، مبيّنة أن الجسد لا تتحكم فيه قوانين الفيزيولوجيا وحدها، وإنّما هو يخضع لسلسلة من الأنظمة التي تشكّله. فهو مشدود إلى إيقاعات العمل والاستراحة، مرتبط بالأعياد والمواسم، متجرع لـ"سموم" الأغذية، متشرب للقيم التي غرسها المجتمع وأفرزها التاريخ. الجسد قواعد أخلاقية.

لا يعود الجسد، والحالة هذه، "وعاء" تضمن سلامته سلامة العقل، وإنما يغدو كيانًا روحانيًا. صحيح أن هذه الروحانية لم تكن تكفّ عن التجلي من حين لآخر، إلا أنّها تظل مقموعة مكبوتة متى طغت الأخلاق على حساب الصحة والجمال، وتحوّل "بناء الذات" إلى "تهذيب" للجسد، بل إلى قمعه وكبته، بحيث لا يتمّ "غذاء الروح" إلا على حساب فصل أوّلي بينها وبين الجسد. إلا أن "روحانية الجسد" لا تلغي الجسد وتقمعه على غرار ما تكرسه "ميتافيزيقا الروح"، وإنما تبيّن أنه ليس من الضروري أن يتمّ "غذاء الروح" على حساب فصل أوّلي بينها وبين الجسد، كما تكشف مدى حميمية العلاقة بين تدبير الأجساد، وقواعد السلوك، ومعايير الجمال، بله معاني الوجود.