شوارع العراق.. فوضى برعاية السُلطة

شوارع العراق.. فوضى برعاية السُلطة

لا تتدخل الحكومة العراقية في ضبط الشارع إلا لجباية الأموال من السائقين (CNN)

في الساعة الخامسة من نهار رمضاني لاهب، أوقف رجل بلباس مدني سائق سيارة أجرة تتسع لـ11 راكباً. كان في السيارة ثلاثة أشخاص فقط. طلب المدني من السائق أجور الجباية، فمنحه ألف دينار (0.8 دولار) على مضض، وكانت الأجرة الكلية لحمولته من الركاب 2500 دينار فقط.

تجبي الحكومة العراقية يوميًا من أصحاب سيارات الأجرة الخاصة، 46 مليون دينار، دون أن توفر لهم أي حقوق

ياسر، شاب لم يتجاوز الـ30 من عمره، يقود سيارة من نوع كيا عمرها يناهز الربع قرن من الزمن، تعطلت فيها جميع النوافذ بالإضافة إلى جهاز التبريد وممتص الصدمات الأرضية المعروف شعبياً بـ"الدبلات"، لتصبح مركبته عربة تخلط القفز مع السير على طريقها المزروع بالحفر والمطبات الكبيرة والخطرة.

اقرأ/ي أيضًا: هل العراق دولة؟

أرث ياسر سيجارته، وقال لـ"ألترا صوت" وهو يقود مركبته المحتضرة من حي العامرية إلى أبو غريب غرب العاصمة بغداد: "اللصوص، يستغلون كل فرصة لسرقتنا. لقد انتهى دوامهم الرسمي منذ ثلاث ساعات، لكنهم رغم ذلك يواصلون جباية الأموال منا ويضعوها في جيوبهم".

وبعد البحث تبين أن الرجل المدني، هو موظف تابع للشركة العامة لإدارة النقل الخاص، والتي استحدثت في عام 1994 بقانون صادر عن مجلس قيادة الثورة المنحل، لتنظيم خطوط النقل الخاص داخل المدن وبين المحافظات ومن العراق إلى خارجه. وأعاد تطبيق القانون وزير النقل الحالي كاظم فنجان الحمامي.

أغلب سيارات الأجرة الجماعية في العراق متهالكة
أغلب سيارات الأجرة الجماعية في العراق متهالكة

إذ يقوم القانون على أساس تنظيم حركة سيارات الأجرة الخاصة، والحد من ظاهرة التحميل العشوائي للركاب لتسهيل حركة المرور، كما يوفر القانون قاعدة بيانات لمركبات النقل الخاص في بغداد وباقي المحافظات، أو هكذا يُفترض.

بينما كان مدير الشركة العامة لإدارة النقل الخاص، قيس سلمان الميالي، في حوار صحفي، قال إن "النتائج المتحققة عن بداية تطبيق هذا المشروع، إيرادٌ غير مسبوق للشركة"، موضحاً: "تم تسجيل إيراد بواقع 46 مليون دينار يومياً في قسم الكرخ، بعد أن كان معدل الإيراد المتحقق 27 مليون دينار يومياً، كما حقق قسم الرصافة الأولى إيراد بلغ 21 مليون دينار يومياً، بعد أن كان معدل الإيراد المتحقق سابقاً 9 مليون دينار ما يجعله من روافد تعظيم الموارد المالية للشركة".

ليواصل ياسر حديثه، إن "عمل هؤلاء يجب أن يقوم على بناء كراجات (مواقف) للسيارات، وتنظيم طابور لخطوط نقل الركاب من مدينة إلى أخرى، لكن كل ما يفعل هؤلاء، هو جباية الأموال، كما ترى فسيارات كانت مصفوفة بجانب الرصيف، لا يوجد كراج هنا للتوقف فيه، ولن يوجد".

في العراق، نادرًا ما ترى مواصلات عامة، حيث يعتمد الناس على سيارات الأجرة الخاصة غير المنظمة رغم جباية الحكومة للأموال منها

في حين يعمل موظفو الشركة التابعة لوزارة النقل عند مداخل بغداد، حين نتحدث عن وجودهم في العاصمة، وأشهر نقطة تواجد لهم هي في نقطة التفتيش الواقعة على طريق الخارجين من أبو غريب والداخلين إلى بغداد المدينة، هناك، كل يوم صباحاً، يتسبب الموظفون بزحام هائل بسبب إيقاف سيارات الأجرة والاستفسار عن خطوط سيرها، وتغريم المخالف أو تجاوز ذلك مقابل رشوة، كما يقول أغلب السائقين.

اقرأ/ي أيضًا: شوارع بغداد.. خرابٌ وفوضى

ويعطل الزحام في السيطرة المعروفة محلياً باسم سيطرة التبادل (نسبة إلى وقوعها قرب منطقة تبادل الشاحنات القادمة من الأردن وسوريا والداخلة إلى بغداد)، الطلبة والموظفين عن دوامهم، ما أثار حفيظة الكثير من الناس.

رصد "ألترا صوت" حديثاً بين أحد الركاب وجندي في نقطة التفتيش؛ تساءل الراكب عن جدوى هذا الزحام الهائل أمنياً وخدمياً، فأجابه الجندي: "هذه هي الأوامر، اذهب واشتك، جميعكم لا يفعل أي خطوة عملية سوى العويل، حاول أن تغير شيئاً إن كنت منزعجاً حقاً، أو اصمت".

يشير ياسر إلى حلول أخرى تنفع السائق من ذوي الدخل المحدود، وكذلك الركاب: "ألا يمكن للوزارة أن توظفنا براتب رمزي وتفرض علينا أجرة رمزية وتوفر لنا محطات وقود تابعة لها؟".

ويضيف: "في جميع دول العالم هنالك مواعيد ثابتة لحركة سيارات الأجرة، ونقاط معينة لتوقفها، كما أن إدامة السيارات ووقودها مدعوم من الدولة". ويسترسل في حديثه: "انظر لسيارتي، إنها قديمة وصدئة ونتنة، جهاز التبريد فيها معطل، وتصدر صوتاً في سيرها يفوق صوت مروحية عسكرية في أوقات الاشتباك، لو كانت هناك سيارة حديثة غير سيارتي هل كنت ستستقل سيارتي، أم تصعد في السيارة الحديثة والمكيفة؟".

ويعرب عن أسفه من أنّ "الناس في كل مكان تكرهنا. نحن نخالف القوانين في أماكن توقفنا وتحركنا وسرعتنا، لكن لا أحد يفكر أننا مجبرون على ذلك، علي أن أطعم عائلتي، ماذا أفعل؟".

بينما تكاد الشوارع العراقية تخلو من باصات النقل الحكومية الكبيرة. ويقول أحد الركاب مستذكراً عراق السبعينات: "كانت باصات ذات طابقين تنقلنا من كل مكان إلى أي مكان، وجميعها مرقمة بأرقام ترمز إلى خطوط سيرها، الآن الأمر محكوم بالفوضى".

الازدحام المروري ظاهرة معتادة في الشارع العراقي
الازدحام المروري ظاهرة معتادة في الشارع العراقي

وتشهد الشوارع العراقية ظاهرة اختناقات مرورية كبيرة يومياً، يرجع المختصون أسبابها إلى عوامل عدة، أهمها انخفاض الضريبة المفروضة على شراء السيارات، وسهولة استحصال رخصة السوق، وإغلاق العديد من الطرق الرئيسية والفرعية بالحواجز الكونكريتية لأغراض أمنية.

تشهد الشوارع العراقية ظاهرة الاختناقات المرورية الكثيفة يوميًا، لعدة أسباب أهمها غلق العديد من الطرق بالحواجز الأمنية

يذكر أن الحكومة العراقية عملت منذ منتصف العام الماضي، على إعادة افتتاح العديد من الطرق المقطوعة، ورفع الكتل الكونكريتية عن الشوارع، فيما يأمل العراقيون بفتح ما تبقى من الطرق المقطوعة لإنقاذ يومهم المهدور في الاختناقات المرورية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عن كابوس المواصلات السودانية

حافلات الجزائر.. الموت يسير على عجلات