شبح ديمقراطية المحاصصة في ليبيا

شبح ديمقراطية المحاصصة في ليبيا

ليبيا أمام مفترق طرق، إما ترسيخ الجهوية، أو الثبات على خطوات المسار الديمقراطي الناشئ( الأناضول)

شرعنت اتفاقية الطائف للمحاصصة بين اللبنانيين حسب ديانتهم وطائفتهم، ثم تمثّلت المحاصصة الطائفية كأرضية للمشهد السياسي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، والخشية أن تكون ليبيا كذلك بصدد الانضمام لمحور ديمقراطية المحاصصة في الوطن العربي عبر محاصصة جهوية-قبلية. يذهب البعض لتأطيرها في إطار مفهوم التشاركية وتكريسها كأرضية داعمة للوحدة الوطنية. ولذلك لعلّ من المهم الإشارة إلى أن المحاصصة ليست عاهة أو شائبة بالضرورة، ذلك أنها ذات أوجه متعددة ولها عناوين مختلفة، فهي تحمل الحسن وغير الحسن، بيد أنها قد تظلّ بابًا مشرعًا لدفن مفهوم المواطنة وتهميش المصلحة الوطنية لحساب مصالح أخرى.

الخشية أن تكون ليبيا بصدد الانضمام لمحور ديمقراطية المحاصصة في الوطن العربي عبر محاصصة جهوية-قبلية

وإن كانت المحاصصة في لبنان والعراق نتاج حرب أهلية طائفية، فإن بوادر المحاصصة الليبية، والتي لا يمكن بعد الجزم بغلبة الحسن منها عما دونه أو العكس وفق معيار المصلحة الوطنية وقيم دولة المواطنة، فهي ذات منبت تاريخي أعادتها معركة التأسيس في ليبيا للواجهة. فالدّولة الليبية هي نتاج توحيد ثلاثة أقاليم هي برقة وطرابلس وفزّان. ولم يقم نظام القذافي لاحقًا على القيم الديمقراطية والمواطنية، حيث انبنى نظامه على شبكة مصالح جهوية وقبلية ومالية متداخلة همّشت ما خرج عن دائرتها.

اقرأ/ي أيضًا: المحاصصة المناطقية في ليبيا.. الخطر الأكبر

ولم يكن من قبيل الصّدفة أن تندلع شرارة الثّورة من شرق ليبيا الذي يعتبر ساكنته أنهم ضحية النظام السابق. ولذلك مع إسقاط هذا النظام وانطلاق المسار التأسيسي، عادت للسطح البثور الناتجة عن السياسات السابقة، وهو ما بلغ ذروته تمظهرًا إعلان النظام الفيدرالي في إقليم برقة من جانب واحد.

ولقد ظلّ المنطق الجهوي-القبلي مقارنة بالمنطق الوطني الجامع محدودًا عمومًا في البداية مع اعتبار النظام الانتخابي للمؤتمر الوطني سنة 2012 كمؤشر، وهو نظام منح 2/5 من المقاعد للأحزاب والبقية للأفراد مع توزيع للمقاعد وفق الكثافة السكانية، بيد أن المنطق الجهوي-القبلي ما فتئ يتصاعد على حساب المنطق الوطني تباعًا مع فشل المؤتمر الوطني في تطبيق خارطة الطريق واندلاع الأزمة السياسية التي انتهت بخارطة طريق جديدة قوامها انتخاب مجلس نواب، وهي الخارطة التي فشلت بدورها لتندلع الحرب المفتوحة بين الفرقاء في صيف 2014.

تم انتخاب لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور وفق محاصصة بين الأقاليم الثلاثة بمعدل 20 مقعد لكلّ إقليم

ولقد مثّلت الثنائية المؤسساتية، حكومتان ومجلسان نيابيان، إثر الانقسام الليبي-الليبي بعد انتخابات مجلس النواب عاملاً مساعدًا لتأجج المنطلقات الجهوية والقبلية خاصة بعد انتخاب لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور وفق محاصصة بين الأقاليم الثلاثة بمعدل 20 مقعدًا لكلّ إقليم، ومع الانطلاق في أعمالها. وإن كان انتخاب لجنة الستين بهذه التركيبة مؤسسًا على منطق تجاوز الغلبة، فإن وجود حكومة في الغرب وأخرى في الشرق عزّز النزعة الجهوية في السنتين الأخيرتين.

وعمل عدم تمثّل كل إقليم جغرافي ككتلة سياسية وعسكرية واحدة على تخفيف حدّة النزعة الجهوية وعدم تصاعدها نحو سيناريو تقسيم الدّولة. فلم تؤيد كل مدن المنطقة الغربية وقبائلها حكومة طرابلس من جهة ولم تؤيد كل مدن المنطقة الشرقية وقبائلها حكومة طبرق من جهة أخرى. كما لعبت المنطقة الجنوبية دور المحكّم أحيانًا عبر مبادرات أعضاء هذه المنطقة لرأب الصّدع في البلاد. وعمومًا رغم فاعلية الاختراق المذكور وتحجيمه لسيناريو تقسيم الدّولة، فإنه لم يكن بالنهاية خارج المحدد القبلي نفسه وتحديدًا في المنطقة الغربية.

اقرأ/ي أيضًا: "الطحالب" يطفون على سطح ليبيا من جديد

 لعبت المنطقة الجنوبية دور المحكّم أحيانًا عبر مبادرات أعضاء هذه المنطقة لرأب الصّدع في البلاد الليبية

يوجد اليوم مؤشران عمليان لشبح ديمقراطية المحاصصة في ليبيا. يتعلق المؤشر الأول بتركيبة حكومة الوفاق الوطني، التي تشكلت وفق محاصصة جهوية حيث تم توزيع الحقائب وفق الأقاليم والمدن، كمنح حقيبة الدفاع للمنطقة الشرقية، وحقيبة الداخلية للمنطقة الغربية وذلك ضمن تقسيم للوزارات الحاملة للسلاح بين الإقليمين. ويبقى السؤال حول ما إذا كان هذا التوزيع وقتي أم سيظل قاعدة في المستقبل؟

أما المؤشر الثاني فيتمثل في تركيبة مجلس الشيوخ، الغرفة البرلمانية الثانية، وفق مشروع الدستور حيث يتم انتخاب هذا المجلس بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة. وتتجه الإشارة إلى تنصيص الدستور على انتخاب مجلس النواب، الغرفة البرلمانية الأولى، باعتماد معياري السكان والجغرافيا وهو من المنتظر أن يثير جدلًا على مستوى إعداد القانون الانتخابي. ويمكن القول إن تركيبة مجلس الشيوخ الذي لا يتولى إلا صلاحيات محدودة قد تجد تأسيسها في الحرص على عدم استحكام منطق الغلبة العددية.

وعليه يظلّ الرهان في ليبيا حول مدى قدرة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على تحديد منسوب العنصر الجهوي-القبلي كعنصر محدد في ضبط التوجهات والسياسات. إذ لا يمكن تجاوز هذا العنصر بالضرورة ولكن يبقى السؤال حول تأطيره ومدى استحضاره في الفعل السياسي، حيث إن تأبيد توزيع الحقائب الوزارية وفق العنصر الجهوي-القبلي سيمثّل ضربة قاضية للمسار الديمقراطي الوليد في ليبيا.

اقرأ/ي أيضًا:

ليبيا والمادة الـ8.. جدل أحجار الزاوية

التدخل العسكري في ليبيا.. هل بدأ قرع الطبول؟