سوريا التي حلموا بها

سوريا التي حلموا بها

في أحد شوارع مدينة دوما (أ.ف.ب)

بعد أربع سنوات من النزوح الداخلي للسوريين، ولجوئهم إلى دول الجوار وأوروبا، والتفكك الذي أصاب النسيج الاجتماعي للبلاد، يصعب تحديد رؤية أو نظرة موحّدة لعموم السوريين تجاه وطنهم. فمفهوم الوطن بالنسبة لكل شخص هو الذي يحدد موقفه منه. ولكن إن كان للسوريين قبل قيام الثورة وطن بالحدود الدنيا، بل كانوا هم أنفسهم مواطنين بالحدود الدنيا، فكيف يرون وطنهم حاليًّا بعد أن أصبح هناك بدلًا من الحاكم المستبد اثنين وأكثر؟!

الانتماء لا يعني البقاء داخل الوطن فقط

وطن مسروق

"لقد انتهت ثورتنا للأسف وسُرق وطننا منا، والسارقون كثر ينقسمون بين عصابة النظام الحاكم والتنظيمات الإسلامية المتشددة وأتباع المال السياسي من المعارضين". هكذا يرى الناشط الإعلامي في ريف حلب، مصطفى السيد، وطنه بعد سنوات الثورة الأربعة، فنظام الأسد سرق الوطن من أبنائه على مدار أربعين عامًا، وعندما جاءت الثورة أجهضها وحاربها لكي يحافظ على إرثه المسروق من خيرات البلاد، وساهمت بعض كتل وهيئات المعارضة بتسخير جهود الثوار لتحقيق أحلامها بالسلطة على حساب تضحيات المواطنين، هذا عدا عن رضوخهم للداعم المالي وغاياته، الأمر الذي حوّل سوريا إلى صفقة رابحة لكل من له مصلحة بإطالة عمر الحرب فيها.

وأمام هذه الهزة السياسية والوجدانية التي يعيشها السوريون حاليا فقد مصطفى وغيره الكثير صِدق إحساسه بالانتماء لوطن تُداس فيه الحقوق وتُسلب الأحلام. فالانتماء لا يعني البقاء داخل الوطن فقط، حيث أن من مضامينه الأساسية قيمة الفخر والاعتزاز بجميع مكونات الدولة ومؤسساتها المدنية والأمنية وهو ما كان يفتقده السوري سابقًا تجاه النظام، وحاليًّا تجاه المعارضة ومؤسساتها.

وطن مكانه الذاكرة

لم يبق لشيرين عبده، وهي لاجئة سورية في السويد، من وطنها سوى ألبوم ذكريات تجمعها بأصدقاء الطفولة والمقاعد الدراسية، ذكريات لوطن ثار فيه السوريون للمطالبة بالحرية والكرامة للجميع دون تمييز، وليس لبلد تسيل فيه الدماء يوميًّا بلا رقيب أو حسيب من قبل النظام والتنظيمات الجهادية. تقول عبده "في بداية الثورة كان ينتابني إحساس بالسعادة لرؤية الشباب في المظاهرات، كنت أشعر أنهم سوريون مثلي يريدون الحرية والديمقراطية، أما الآن تحولت سوريا إلى ساحة قتال لأناس همجيين لا يشبهوننا ويريدون إعادة أمجاد دولة اندثرت منذ أكثر من ألف عام". وفيما يتعلق برؤيتها لمسار الأطراف الموجودة عل  الأرض السورية اليوم تقول "أنا أنتمي لثورة غياث مطر وباسل شحادة، وليس لبلد يذبح فيه الإنسان فقط لعدم معرفته عدد ركعات صلاة الفجر".

وطن مفكك

السوداوية التي تشوب نظرة مصطفى وشيرين لوطنهم يماثلها خيبة أمل المحامي والناشط الحقوقي إياد كنجو، بسبب الحال الذي وصلت له سوريا الآن من تفكك وتقسيم. يرى كنجو أن "سوريا تحولت إلى دولة تضم داخلها العديد من الدويلات التي لا يجمعها شيء سوى جموح القتل والتنكيل بمن تبقى من المدنيين، وإجهاض المطالب الحقيقية للشعب السوري الثائر لحساب تحقيق أجندات ومصالح خاصة". ويضيف "لقد حلم السوريون بدولة تجمع كل أطيافهم وقومياتهم ضمن كتلة واحدة، لكن الحاصل الآن على العكس من ذلك، فقد أصبح لدينا دولة للنظام ودولة داعش ودولة الأكراد، بالإضافة إلى جبهة النصرة والعديد من الفصائل المختلفة. حتى انتماؤنا لوطننا أصبح مناطقياً". وما بين التفكك الحاصل وفقدان السوريين لتقرير مصيرهم ضاع الوطن.

فالصراع اليوم لم يعد بين شعب متعدد الأطياف يريد تقرير مصيره ونظام استبدادي حاكم، بل بين عدة جهات لكل منها غايات خفية أو معلنة، والانتماء في هذه الحالة مرهون بالمكان الذي لا يتعرض فيه المواطن للاضطهاد. فأهالي إدلب مثلا غير مرحب بهم في الساحل، والعرب يهجرون من المناطق الكردية، والمسيحي يهدر دمه في الرقة. وبالتالي لم يعد هناك سوريا واحدة ينتمي إليها الجميع، بل هناك وطن مفكك لدويلات تمنح الناس صكوك الانتماء والمواطنة على أسس طائفية وعرقية.

لم يعد هناك سوريا واحدة ينتمي إليها الجميع

الوطن هو الإنسان

"ليس بالضرورة أن يكون المنفى خارج الوطن، كنا نعيش في سوريا سابقًا حالة من النفي الداخلي، كنا غرباء في بلدنا ولم يكن لدينا حياة سياسية ولا قانون يحمينا ويجعلنا نشعر أننا مواطنون حقيقيون". هذا ما يجول في خلد الناشط والمترجم السوري غياث سعيد، ويضيف "حتى ثقافتنا كانت تُملى علينا وتُحشى في رؤوسنا بشكل قسري، لذا كان حالنا كحال اللاجئين الآن الفاقدين لشعور الانتماء للمكان المتواجدين فيه".

من أهم الجرائم التي ارتكبها النظام بحق السوريين تمثلت في تغييب قيمة الإنسان الوطن التي تنعكس بدورها على المفهوم الكلي للانتماء الوطني. فعندما يرتفع شعور المواطن بالدونيّة والتهميش ينخفض إحساسه بالانتماء للوطن ومؤسساته والقائمين عليها. وهذا يؤدي إلى تبدل في أدواره وتغير في سلوكه الذي يعتبر المترجم الأساسي لمفهوم الانتماء بشكل فعلي وملموس. لذلك قد نجد الكثير من المغتربين يشعرون بالانتماء لأوطانهم المؤقتة أكثر من بلدهم الأصلي، لأنهم مُنحوا الثقة بأنفسهم وكفاءتهم فترجموا هذه القيمة الممنوحة لهم بسلوكيات تمتلئ حبًا وتعلقاً بالبلد المتواجدين فيه.

ليس في آراء هذه العينة من الشباب السوري أي حالة من  الرفض أو التنكر للوطن، كل ما في الأمر أن سوريا التي حلموا بها  لم يحن موعد ولادتها بعد على ما يبدو.