10-فبراير-2023
سعدي يوسف والأعمال الشعرية

سعدي يوسف والأعمال الشعرية

سعدي يوسف (1934 - 2021) شاعر عراقي. أكمل دراسته الثانوية في البصرة. يحمل إجازة في آداب العربية. عمل في التدريس والصحافة الثقافية. تنقّل بين بلدان شتّى، عربية وغربية. نال جوائز عديدة. من مجموعاته الشعرية: الأخضر بن يوسف ومشاغله (1972)، مريم تأتي (1983)، خذ وردة الثلج.. خذ القيراونية (1987)، حفيد امرئ القيس (2006)، الشيوعيّ الأخير يدخل الجنّة (2007).

قصيدة "America.. America" منشورة في مجموعته "قصائد ساذجة"، الصادرة لأول مرة عام 1996، وقد أخذناها من طبعة الأعمال الشعرية الصادرة عن منشورات الجمل عام 2014.


يا ربِّ، احفَظْ أمريكا

موطني، موطني اللذيذ …

God, save America

My home, sweet home!

 

الجنرال الفرنسي، الذي رفع الرايةَ مثلّثةَ الألوان

على "نقرة السلمان" حيث كنتُ سجينًا

قبلَ ثلاثين عامًا …

في منتصف الاستدارة تلك

التي قصمتْ ظَهرَ الجيش العراقيّ،

الجنرال الذي يحبّ نبيذ سانت إمِلْيون

سمّى "نقرة السلمان" حصنًا …

الجنرالون لا يعرفون من أديم الأرض سوى بُعدَينِ:

ما نتأَ، حصنٌ

وما انبسطَ، ساحةٌ.

يا لَجهل الجنرال!

لكنّ "ليبراسيون" كانت أعرفَ بالتضاريسِ

فالفتى العراقيّ الذي احتلَّ صفحتها الأولى

كان متفحِّمًا وراءَ مِقْوَدِ الشاحنةِ

على طريق الكويت ـ سفوان

بينما أجهزةُ التلفزيون: غنيمةُ المهزومِ وهُويّتُه

كانت سليمةً في الشاحنة، كأنها في واجهة مخزنٍ

بشارع ريفولي.

القنبلةُ النيوترونيةُ ذكيةٌ جدًا

إنها تميزُ بين "هو" و"هُويّة".

 

يا ربِّ، احفظْ أمريكا

موطني، موطني اللذيذ …

God, save America

My home, sweet home!

 

Blues

 

كم سأمشي إلى ساكرمانتو

كم سأمشي إلى ساكرمنتو

كم سأمشي لأبلغَ بيتي

كم سأمشي لأبلغَ بنتي

كم سأمشي إلى ساكرمنتو!

 

منذ يومينِ، لم يسرِ في النهر مَركبْ

منذ يومين يومين يومينِ

يا عسلي، كيف أركبْ؟

إنني أعرفُ النهرَ

لكنْ، ولكنْ، ولكنْ، ومن قبلِ يومينِ

لم يسرِ في النهر مركبْ

 

لا.ل.  لا.  لا.  ل.  لا

لا.ل.لا.لا.ل.لا

الغريبُ يخاف

لا تخفْ يا جوادي

لا تخفْ من ذئاب البوادي

لا تخفْ فالبلادُ بلادي

لا.ل.لا.لا.ل.لا

لا.ل.لا.لا.ل.لا

الغريبُ يخاف.

 

يا ربِّ، احفظْ أمريكا

موطني، موطني اللذيذ …

God, save America

My home, sweet home!

 

أنا أيضًا أحبُّ الجينز والجاز وجزيرة الكنز

وببغاءَ جون سيلفر ونوافذَ نيو أورليانز

أحبّ مارك توَينْ ومراكب المسيسبي وكلابَ ابراهام لنكولن

أحب حقول القمح والذرة ورائحة التبغ الفرجيني

لكني لستُ بأمريكيّ أيكفي أنني لستُ بأمريكيّ حتى يعيدني طيارُ

الفانتوم إلى العصر الحجريّ؟

Back to stone age!

لا البترولَ أريدُ ولا "أمريكا" لا الفيل أريدُ ولا الحمار

اتركْ لي أيها الطيار بيتي المسقوفَ بالسعف وقنطرةَ الجذوع

أريد القرية لا نيويورك لماذا جئتَني من صحراء نيفادا

أيها الجنديّ المسلّح حتى الأسنان؟ لماذا جئتَ إلى البصرة

البعيدةِ حيث السمك يبلغ عتَباتِ البيوت؟

الخنازيرُ لا ترعى هنا لديّ فقط تلك الجواميس التي

تمضغ كسلى نيلوفرَ الماءِ اتركني أيها الجنديّ اتركْ لي

كوخَ القصب الطافي وحربةَ الصياد اتركْ لي طيوري

المهاجرةَ وخضرةَ الريش خذْ طيور الحديد المزمجرة

وصواريخَ توماهوك لستُ الخصيمَ

أنا المخوِّض حتى ركبتيَّ في مَناقعِ الرزِّ

اتركني ولعنتي

لا أريدُ قيامتك.

 

يا ربِّ، احفظْ أمريكا

موطني، موطني اللذيذ…

God, save America

My home, sweet home!

 

أمريكا!

لنستبدلْ هداياكِ

خذي سجائركِ المهرّبة

وأعطينا البطاطا.

خذي مسدس جيمس بوند الذهب

وأعطينا كركرةَ مارلين مونرو.

خذي حقنة المخدِّر المرمية تحت شجرة

وأعطينا زجاجةَ المصل.

خذي خرائطَ السجون النموذجية

وأعطينا بيوتَ القرى.

خذي كتبَ مبشريكِ

وأعطينا ورقًا للقصائد التي تهجوكِ.

خذي ما لا تملكين

وأعطينا ما نملك.

خذي أشرطةَ البيرقِ

وأعطينا النجوم.

خذي اللحية الأفغانية

وأعطينا "لحيةَ والت ويتمان الملأى بالفراشات ".

خذي صدّام حسين

وأعطينا ابراهام لنكولن!

أو لا تعطينا أحدًا.

 

الآن

انا أنظرُ عبرَ الشرفةِ

عبرَ سماءِ الصيفِ، الصيفِ الصيفيّ،

دمشقُ تدورُ، مدوَّخةً، بين هوائيات التلفزيون

ثم تغورُ، عميقًا، في حَجرِ الأسوارِ

وفي الأبراجِ

وفي أرابيسكِ العاجِ،

تغورُ، بعيدًا، عن "رُكن الدين "،

وتغيبُ عن الشرفةِ …

………………

………………

………………

والآن

أتذكّرُ أشجارًا،

نخلةَ مسجدنا في البصرةِ، في أقصى البصرةِ،

منقارَ الطيرِ

وأسرارَ الطفلِ

ومائدةَ الصيفِ

النخلةُ أذكرُها

أتلمّسُها، وأكونُ بها، حينَ هوتْ سوداءَ بلا سعَفٍ،

حينَ هوتْ قنطرةً من نحْتِ البرقِ.

وأذكرُ فحلَ التوت

يومَ تهاوى، بتقصّفُ، مذبوحًا تحتَ الفأسِ …

ليمتلئ الجدولُ أوراقًا

وطيورًا

وملائكةً

ودمًا أخضرَ …

أذكرُ كيفَ اسّاقَطَ زهرُ الرمّانِ على الأرصفةِ.

(الطلابُ يقودون تظاهرةَ العمّالِ)

……………

……………

……………

الأشجارُ تموت

مهدّمةً

دائخةً

لا واقفةً …

الأشجارُ تموت.

 

يا ربِّ، احفظْ أمريكا

موطني، موطني اللذيذ …

God, save America

My home, sweet home!

 

لكنّا لسنا أسرى، يا أمريكا

وجنودُكِ ليسوا جندَ الله …

نحنُ، الفقراءَ، لنا أرضُ الآلهةِ الغرقى

آلهةُ الثيران

آلهةُ النيران

آلهةُ الأحزانِ المجبولةِ صلصالًا ودمًا في أغنيةٍ …

نحن، الفقراءَ، لنا ربُّ الفقراء

الطالعُ من أضلاعِ الفلاّحين

الجائعُ

والناصعُ

والرافعُ كلَّ جبين …

نحن الموتى، يا أمريكا

فليأتِ جنودُكِ!

من يقتلْ مَيْتًا يبعَثْهُ …

ونحنُ الغرقى يا سيدتي

نحن الغرقى

فلْيأتِ الماء..