12-يونيو-2019

تبلغ نسبة زواج القاصرات في الولايات المتحدة 26% (تعبيرية/ رويترز)

ما زالت قضية زواج القاصرات من أكثر القضايا إشكالية في العالم، خاصة مع ارتفاع معدلات الزواج من قاصرات في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأربع الماضية، الأمر الذي لفت أنظار العالم إلى هذه القضية، بعد أن كانت مرتبطة بدول الجنوب أكثر.

الزواج من القاصرات منتشر ليس فقط في الدول النامية، بل حتى في الولايات المتحدة التي يسمح قانون بعض ولاياتها به

في في بعض الولايات الأمريكية، يُصدّق على وثيقة الزواج من قاصر بعد موافقة الوالدين، موقّعةً من قاضٍ معترف به، دون أن يعتبر ما حدث انتهاك وجريمة، إذ لا قوانين تمنع ذلك العقد ما دام أنه حصل بموافقة الأهل إذا كانت الفتاة تحت السن القانونية.

اقرأ/ي أيضًا: زواج القاصرات في السودان.. وأد الأحلام بتواطؤ القانون

يُظهر مقطع فيديو، مصور بهدف التوعيّة لمواجهة هذه الظاهرة قبل نحو ثلاث سنوات، رجلًا في الـ65 من عمره برفقة فتاة صغيرة، يقفان في إحدى الساحات العامة في الولايات المتحدة، يلتقطان صورًا تذكارية بثياب الزفاف.

أثار المشهد حفيظة المارة واستياء بعضهم، حتى تدخلوا، والعجوز يحاول إقناعهم بأن فعلته قانونية إذ أخذ موافقة الأهل، قبل أن يأخذ أحدهم الفتاة من يدها ويبعدها عمن هو في سن جدها على الأقل.

هذه التجربة الاجتماعية المصورة، أثارت ضجة واسعة، وتناقلتها الصحف لتعيد فتح ملف زواج القاصرات في الولايات المتحدة الأمريكية، والعالم.

أرقام وإحصائيات

بحسب تقديرات اليونيسيف الأحدث، فإن قرابة 25 مليون حالة زواج قُصّر في العالم تُسجل سنويًا، وهذا الرقم يعد منخفضًا بعد تقلص كبير في معدلات زواج القاصرات بالمقارنة مع السنوات العشر الفائتة. وقد تم تسجيل ما يقارب 33 ألف حالة لطفلة زوّجت بموافقة والديها  منرجل يكبرها غالبًا بثلاثة أضعاف عمرها. 

وبحسب مقال منشور في صحيفة لو فيغارو الفرنسية، فإن ما يقدر سنويًّا بحوالي 12 مليون طفل، أغلبهم من الإناث، يتزوجون بالإكراه. وبحسب اليونيسيف، هناك 650 امرأة حول العالم تزوجنّ وهن قاصرات، وأغلب تلك الحالات كانت في جنوب آسيا والدول النامية، أمّا اليوم فلم تعد ظروف الفقر والعوز وحدها المسؤولة عن ذلك الأمر.

وربما يشتهر ارتباط زواج القاصرات بتردي الأحوال الاقتصادية والمعيشية، لكن هذه ليست دائمًا الأسباب، فكثيرًا ما يحدث زواج قُصّر في دول نامية بدافع من الأعراف والتقاليد، وفي الولايات المتحدة، يكفي للزواج من قاصر موافقة والديها.

وحتى الآن، في الكثير من دول العالم، ما يزال العمل على الحد من ظاهرة زواج القُصّر، موقوف على مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، في مقابل إقرار حكومات بقوانينها للزواج من القاصرات. 

ومن تلك المنظمات التي تعمل من أجل مجابهة ظاهرة تزويج القاصرات، مؤسسة "فتيات لا عرائس"، التي تضم أكثر من ألف منظمة مدنية في أكثر من 95 دولة حول العالم. وتعمل هذه الشراكة بين هذه المنظمات، على إثارة انتباه العالم لقضية تزويج الأطفال، ساعية لإقرار قوانين مشددة تمنع مثل هذه المظاهرة.

وبحسب المؤسسة، تعتبر النيجر الدولة الأولى عالميًا في انتشار ظاهرة تزويج القُصّر، حيث يصل معدل تزويج الأطفال دون سن الـ18 إلى 76%، ودون الـ15 إلى 28%. المفاجأة أن دولة مثل الولايات المتحدة، تبلغ نسبة تزويج الأطفل فيها 26%، في مقابل 24% للعراق و17% لمصر و13% لسوريا. 

وبحسب مؤسسة "فتيات لا عرائس"، فإن سياسة الميزانية المتبعة من قبل حكومة الرئيس دونالد ترامب، والساعية لإلغاء التمويل المخصص للصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة، له تبعات سلبية على الجهود الرامية للحد من تزويج القُصّر.

تناقص في آسيا وازدياد في الولايات المتحدة!

بحسب الموقع الرسمي لليونيسيف، ثمة تناقص ملحوظ في نسب ومعدلات تزويج الأطفال في جنوب آسيا، وخصوصًا في دول مثل الهند، حيث انخفضت هذه النسب لأكثر من 15% في العقد الماضي، في المقابل سُجّل ارتفاع في معدلات التعليم بين الفتيات، ورفض إعطاء الشرعية للزواج المبكر، إلى جانب تكثيف الحملات الحكومية المناهضة لهذه الزيجات.

زواج القاصرات

في الجانب الآخر من العالم، في الولايات المتحدة الأمريكية، ارتفعت معدلات تزويج القصر، خاصة في الأعوام القليلة الماضية، مع سماح قوانين بعض الولايات بذلك، طالما أن الأمر بموافقة أولياء الأمور، الأمر الذي أثار منظمات المجتمع المدني والجمعيات النسوية للتصدي لهذه الظاهرة المتزايدة.

ورصدت منظمة "أنقذوا الأطفال - save the children" في تقريرٍ لها عام 2016، تزويج فتاة دون الـ15 كل سبع ثوانٍ، أي أن واحدة من بين كل ثلاث فتيات تتزوج قبل بلوغها الـ18، وواحدة من كل تسع فتيات تتزوج قبل الـ15.

لا قوانين حاسمة

من المثير للغرابة، أن القوانين في كافة الولايات الأمريكية تحظر على الفتاة القاصر تناول الكحول والتبغ وارتياد النوادي الليلية، وحتى التصويت في الانتخابات، فضلًا عن القيادة أو حق الامتلاك القانون. لكن لا تضاف إلى هذه المحظروات، محظور التزويج طالما أنه بموافقة الوالدين.

في ولاية كاليفورنيا على سبيل المثال، تكثر وقائع تزويج القاصرات، فلا قانون ينص على المنع. وفي سان فرنسيسكو، حتى الآن لا يمنع زواج القاصرات، إذ ما زال يُدرس مشروع قانون يحظر هذه الزيجات.  ومما تعد ثغرات في قوانين هذه الولايات أنها تجمع على اعتبار ممارسة العلاقة الجنسية مع فتاة قاصر، جريمة، إلا لو كانت في إطار الزواج الموثق!

وبحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، عن أحداث عام 2018 في الولايات المتحدة، فإن زواج الأطفال لا يزال قانونيًا في 48 ولاية أمريكية!

العادات والتقاليد أقوى

في الكثير من الأحيان لا يكون تزويج القصر مرتبطًا بالفقر والحاجة، أكثر من كونه مرتبطًا بالعادات والتقاليد. في العديد من المجتمعات، يُربط مصير الشريكين منذ كانا طفلين، فيقال مثلًا: فلان لابنة عمه فلانة، وهكذا.

زواج القاصرات

وفي مجتمعات عربية، يُزوّج القصّر للعديد من الدوافع، من بين أكثر سيادة الأعراف والتقاليد. في مصر مثلًا تكثر في بعض قرى الريف حالات تزويج أطفال لم يكملوا الـ15، عادة ما يكونون من الأقرباء، ويتم ذلك لأسباب متعلقة بالحفاظ على الشراكة التجارية بين الأهل، أو لاسترداد والد الزوج/الفتى القاصر الأموال التي سبق أن جامل بها رجال القرية الذي زوّجوا أبناءهم، فيما تعرف بـ"النّقطة".

وفي اليمن، التي تعتبر واحدة من أكثر الدول التي تعرف ظاهرة تزويج القصّر، يندرج الأمر عادة تحت خانة الأعراف والتقاليد، أكثر من الفقر، وإن كان للأخير دور مؤثر أيضًا.

في الكثير من الأحيان لا يكون تزويج القصر مرتبطًا بالفقر والحاجة، أكثر من كونه مرتبطًا بالعادات والتقاليد

ومع الحرب التي تشهدها البلاد منذ أكثر من أربع سنوات، تعاظم دور الحاجة في تكثيف ظاهرة تزويج القُصّر، خاصة القاصرات، من باب تخفف الأهل من مصروفاتها. وهو في العموم مبرر سائد في حالات تزويج القاصرات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العنف الزوجي وزواج القاصرات.. أرق المغربيات

القاصرات في مصر.. قشّة في مهب الريح