ركن الورّاقين: في صحبة فلاسفة الإسلام (ابن رشد)‎

ركن الورّاقين: في صحبة فلاسفة الإسلام (ابن رشد)‎

تصميم الترا صوت

تأثّرت الفلسفة العربية الإسلامية بفلسفة الإغريق، ونسج الفلاسفة على منوال أفلاطون وأرسطو وأفلوطين. في هذه السلسلة من المقالات، سوف نتناول الكنديّ والفارابي وابن سينا وابن رشد، والغزالي وابن خلدون، حيث نخصّص حلقة خاصّة لكلّ منهم، نقف فيها على حياته وأفكاره وأعماله، ملاحقين مرحلة الإنتاج الفلسفيّ التي بدأت في القرن التاسع للميلاد، التي تلت حقبة طويلة تميّزت بالنّقل.

ألفريد غيوم: ابن رشد أعظم شارح للفلسفة، يدعيه الفكر الأوروبي وقارة أوروبا لهما أكثر مما يقرّان بصحة نسبته إلى الشرق

حلقة هذا الأسبوع مخصّصة للفيلسوف ابن رشد.


زمن الفلسفة الرشدية

في مقطع بالغ الأثر، يتحدّث عبد الفتاح كيليطو في كتابه "ترحيل ابن رشد"، نقلًا عن ابن عربي في "الفتوحات المكية"، عن نقل جثمان ابن رشد من مراكش إلى الأندلس، بعد أن دُفن فيها فترةً قصيرة، لكي يُكرّم بالدفن في قرطبة. راوي المشهد هو ابن عربي الذي يسجّل كيف راقب مع صاحبين له مشاهدة جثمان ابن رشد محمولًا وقد عادلته كتبه. يعلّق كيليطو: "وفاة ابن رشد تختم بالنسبة للعرب نهاية حقبة، ونهاية تاريخ، أو بعبارة أدق، تحوّل ذلك التاريخ، لأنّه سيستمر في الشمال، في أوروبا، حيث ستفرض الرشدية نفسها".

ولد أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد في قرطبة (الأندلس) سنة 520 هـ/ 1126 م، وتوفي في 9 صفر 595 هـ/ 10 كانون الأول 1198 م في مراكش (المغرب). كان أبوه وجده من قضاة الشّرع في قرطبة، العاصمة الفكرية لإسبانيا العربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين؛ فحظي أبو الوليد الفتى بتربية ممتازة أتاحت له أن يصير في سنة 565 هجرية/ 1169 ميلادية قاضيًا لإشبيلية، وفي سنة 567/ 1171 قاضيًا للمدينة التي رأى فيها النور. وبعد أن درس القرآن والكلام والفلسفة والطب والرياضيات، قدّمه ابن طفيل للخليفة الموحّد أبي يعقوب يوسف ووريثه (ابتداءً من عام 580/ 1184)، الخليفة يعقوب المنصور، على توفير أسباب الحماية لابن رشد، لكنّه غيّر على حين فجأة سياسته تحت ضغط العناصر السلفية المناوئة لكل فلسفة إجمالًا ولفلسفة "الكفّار" خصوصًا، وأمر بحبس ابن رشد سنة 592/ 1195. ولئن لم يطل مقام هذا الأخير في السجن، فقد اضطر إلى تمضية السنتين الأخيرتين من حياته في مراكش، قيد المراقبة. فما كانت علّة هذه الجفوة؟ كانت بلا شك ريبة العناصر السلفية المعادية قبليًا لكل فلسفة ولكل تعليم غير متضمن بحرفه في القرآن. ومع ذلك، فقد أنكر ابن رشد دومًا أن يكون مؤسّس مذاهب فلسفية؛ فقد كان لا يطمح لأكثر من دور الشارح لأرسطو الذي كان يضمر له إجلالًا ما بعده إجلال.

كان ابن رشد يحرص، حتّى بصفته شارحًا، على عدم التنائي عن السلالة الفلسفية التي ابتدأها الفارابي وابن سينا المتقدمان عليه، على الرغم من أنه عارض هذا الأخير بصدد جميع المسائل التي كانت حملت أرسطو - وكان يتبعه تبعة عمياء - على معارضة أفلاطون. على أنه افترق بمنتهى الجلاء عن الغزالي، وكتب "تهافت التهافت" ردًا على "تهافت الفلاسفة" للغزالي. شروح ابن رشد لأعمال أرسطو تندرج في ثلاث مجموعات من النصوص: الشرح الأكبر والأوسط - وليس له من عنوان بمعنى حصر معنى الكلمة، بل هو جملة من نصوص تبدأ بكلمة "قال" - والتلخيص (راجع بصدد جميع هذه الشروح "شرح أرسطو") وقد يكون من المفيد أن نعيد إلى الأذهان أنّه في "الشرح الأوسط" على كتاب أرسطو "في السماء" أكّد ابن رشد كروية الأرض. ونخص من مؤلفاته الأخرى بالذكر: "في سعادة النفس" و"كتاب الكليات" ورسالته "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة دون اتصال".

لقد نقلت جميع شروح ابن رشد إلى العبرية في مجرى القرنين الثالث عشر والرابع عشر؛ ولم تصلنا بعض شروحه إلا في ترجمته العبرية. وأبرز مترجمي ابن رشد وشراحه العبريين هما موسى وصمويل بن طبون. والحاخام سيم طب بن فالاقيرا ولاوي بن جرسون. أما الترجمات اللاتينية فقد ظهرت في مفتتح القرن الثالث عشر؛ وأول شواهد من ابن رشد نقلها غليوم والأوفرنيي "في النفس وفي عالم المخلوقات"، وقد وضعهما في أغلب التقدير بين 1231 و1236. أما "خلاصة المخلوقات" التي وضعها ألبرتوس الأكبر نحو عام 1240، فتتضمن 80 إحالة إلى ابن رشد في قسميها الأولين (الذين ما نشر منها غيرهما).

إلى ميخائيل سكوت وهرمان الألماني يعود الفضل في أهم الترجمات اللاتينية لابن رشد، وكانا شرعا بها بتكليف من فريدريك الثاني هوهنستاوفن، الراعي الكبير للآداب. وقد كان لتغلغل فكر ابن رشد في الفكر المسيحي عواقب لا حصر لها، لأنّ تأثيره فيه استمر - على رغم من معارضة ضارية من قبل الدومينيكانيين وبفضل مساهمة الفرنسيسكانيين - إلى ما بعد عصر النهضة، واستثار مساجلات حامية الوطيس في قلب السوربون. وقد بذل أبرز لاهوتيي القرن الثالث عشر: القديس بونافنتورا، والقديس توما الأكويني، والقديس ألبرتوس الأكبر، والطوباوي ريموندو لول، والبابا يوحنا الحادي والعشرون، وألكسندر الهالي، وسيجر البرابانتي، وكثيرون غيرهم، وبذلوا قصاراهم إمّا ليدافعو وإمّا ليحاربوا نظريات ابن سينا وابن رشد، اللذين كانا من أبرع شراح أرسطو.


أقوال في ابن رشد

إنّ القديس توما هو في آن معًا أخطر خصم واجهه المذهب الرشدي، كما يمكن القول بلا مفارقة إنّه التلميذ الأول "للشارح الأكبر" فالقديس توما بصفته فيلسوفًا، يدين بكل شيء تقريبًا لابن رشد.

  • إرنست رينان

 

ابن رشد رجل جم المعرفة، عبقري التفكير، صحح كثيرًا من آراء أسلافه، وساهم بقدر كبير في إيراد مادة جديدة من نفسه، مع أنّ ما كتبه هو يحتاج إلى إصلاح في بعض أمور تفصيلية.

  • روجر بيكون

 

ابن رشد أعظم شارح للفلسفة، يدعيه الفكر الأوروبي وقارة أوروبا لهما أكثر مما يقرّان بصحة نسبته إلى الشرق. بقي تأثيره يسود إيطاليا حتى القرن السادس عشر وتسبب في إثارة المناظرة الفلسفية الشهيرة بين اكيليني وبومبوناتزي. وقد ظلّت فلسفة ابن رشد عاملًا حيًّا في الفكر الأوروبي حتى ميلاد العلم التجريبي الحديث. وقد حفظ اللسان اللاتيني أكثر من مؤلّف واحد لابن رشد فقدت أصوله العربية. وكان لفلسفته في الغرب خلال فترة من الزمن أن تفخر باجتذابها اهتمام أعظم مفكري العصر. ولكنه لم يفز في الإسلام بمرتبة السند أو المرجع.

  • ألفريد غيوم

 

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين: في صحبة فلاسفة الإسلام (الكندي)

في صحبة فلاسفة الإسلام (ابن سينا)‎