رسامة الجرافيتي

رسامة الجرافيتي"أوما".. التونسية ستحتل الجدران

"أوما" مع أصدقائها وخلف أول رسوماتها هذه السنة (فيسبوك)

انتشر الجرافيتي في تونس ما بعد 2011 بشكل لافت وبشكل عام انتشرت مختلف فنون الشارع وثقافة "الأندرغراوند"، ولم يعد غريبًا أن نجد في دائرة معارفنا أحد رسامي الجرافيتي، لكن من اللافت دائمًا أن نلتقي بفنانة جرافيتي، لم تتجاوز 27 سنة، من مجتمع محافظ في الجنوب التونسي، وتصل العالمية بأن تتصدر رسوماتها وحواراتها جدران العالم وأفيشات الصحف المتخصصة.

أتحدث عن أمامة بوعصيدة، رسامة جرافيتي شابة من جهة صفاقس، عاصمة الجنوب التونسي، حاولتُ الولوج إلى عالمها الخاص، لفهم البدايات وصعوباتها، الأحلام، الأهداف والتصورات. وفيما يلي المقابلة، التي أجراها "الترا صوت" مع "أوما" (هكذا تختم أعمالها الفنية)، فنانة الجرافيتي التي منحتها الثورة أجنحة فتمردت، ولا تزال "تحارب".  

أمامة بوعصيدة: "بعد 2011، أحسست أن الشارع صار للجميع، أنه صار ملكي، وأنه حان الوقت أن تخرج رسوماتي للعلن، للجدران"

حوار مع أمامة في مجلة street art المختصة في فرنسا ـ وزعت سبتمبر الماضي

كيف كانت البدايات في عالم الجرافيتي؟

منذ صغري، كنت مغرمة بالرسم، لكني كنت أجهل عوالم الجرافيتي وقد كان أول تواصل معها من خلال والدي، الذي حدثني عن هذا الفن وعن انتشاره خارج تونس، كان ذلك سنة 2009، أحببت ما ذكره لكن والدي كان يعتقد أن المجال رجالي، كما يقول، وأن الانخراط فيه في تونس في تلك الفترة شبه مستحيل بالنسبة لفتاة. بحثت عن الأمر واكتفيت بذلك حينها مع بعض المحاولات التي لم تتخط الورق.

حينها، كنت أقطن بالعاصمة التونسية ومحاطة بعناصر عدة من ثقافة "الهيب هوب". كنت أرغب أن أخرج من إطار ورقي ضيق، إلى مساحة ضخمة متاحة للجميع وتنقل تصوراتي للعالم أسره. لكني كبرت في إطار عائلي محافظ نوعًا ما، كنت خجولة ولا أختلط كثيرًا بالعالم الخارجي، كان أقصى ما يمكن أن أقوم به حينها بعض الرسومات على السور المحيط بمنزلنا من الداخل، في إطار تدريباتي.

أمامة بصدد الرسم

لكن بعد 2011، تغير الأمر كليًا، أحسست أن الشارع صار للجميع، أنه صار ملكي. نشأت وأنا أرتدي الحجاب منذ سن 12، والكل يعلم في تونس أن ارتداءه كان ممنوعًا أو محاطًا بضغط كبير على الأقل ما قبل الثورة، لم أكن أشعر بالأمان في الشارع وفجأة كل شيء تغير. الشارع صار لي، لم يبق إلا أن أخرج "أسلحتي"، ألواني، البخاخات وكل شيء وأن أنطلق.

أول لوحة جدارية كانت على حائط معهدي سنة البكالوريا، كانت البصمة التي أردت تركها هناك وأنا أغادر المعهد إلى عوالم الجامعة، أتذكر يومها أن البعض ضايقني وهددني بتقديم شكوى لمدير المعهد، لكن هذا الأخير كان متفهمًا وشجعني، اشتغلت تلك اللوحة بغرام وفخر كبير. فيما بعد تحول الأمر إلى إدمان، لم أعد أستطيع التخلي عن "الحيطان والألوان".

اقرأ/ي أيضًا: شارع محمد محمود اليوم.. محاولات طمس الهوية

كيف تقبل محيطك هذا "الغرام"؟

شجعتني أمي منذ البداية، لم يرفض والدي لكنه بقي متخوفًا خاصة إزاء الظروف المتوترة أمنيًا خلال الأشهر الأولى التي تلت كانون الثاني/يناير 2011، كان يعرف جيدًا ثقافة "الهيب هوب" و"الأندرغراوند" لكنه كان يحبذ أن أرسم في إطار منظم وليس عشوائيًا. هكذا صرت أتابع الأنشطة التي تنظم ولها علاقة بالجرافيتي وأشارك فيها.

في الجامعة، اختصصت في الفنون الجميلة، وهو اختصاص لم أكن أظن قبل الثورة أن بإمكاني اختياره بسبب الحجاب الذي أرتديه، لكن الحلم تحقق، ولا أزال أفخر بأنني أول من أشرفت على ورشة للجرافيتي في كلية الفنون الجميلة بصفاقس، وكانت أول ورشة من هذا النوع في كل جامعات الفنون الجميلة التونسية، كان ذلك في السنة الدراسية 2012 - 2013.

من أين تقتنين مستلزمات رسومات الجرافيتي؟ هل هناك محلات خاصة في تونس؟

قبل سنة، لم يكن هناك محل مختص ببيع هذه المستلزمات في تونس، كنا نشتري نوعًا من البخاخ يُعتمد أساسًا لإصلاح بعض الخدوش في السيارات والدراجات النارية والأبواب الحديدية (happy color)، كان سعر البخاخ الواحد بين 7 و8 دينار تونسي وقد تصل إلى 12 دينارًا (حوالي 5 دولار أمريكي)، حسب اللون واعتبارات أخرى، وهناك "ماركات" أخرى لا تقدم أثرًا جيدًا، أو أنه لا ترافقها "القبعة" التي تساعد على التحكم في الحجم (Cap).

في 2016، أسست جمعية "Art Solution" محلًا أطلقت عليه Tag Store ووفروا لوازم الجرافيتي من ماركات أجنبية للمحترفين وذات جودة مقبولة (سعر البخاخ ما بين 15 و25 دينارًا تونسيًا/ حوالي 10 دولار أمريكي)، ومثل المحل بسرعة مكاناً للقاء رسامي الجرافيتي ولتبادل النقاشات وهو ما كان غائبًا لفترة طويلة، لكن أغلق هذا المحل مؤخرًا أيضًا.

كيف توفرين المستحقات المالية لشراء أدوات الجرافيتي، خاصة أن لا مؤسسة أو منظمة تمولك؟

من أموالي الخاصة.. ما يحصل بالنسبة لي هو أنه بينما يصرف شاب تونسي مدخراته التي يحصل عليه من عائلته، في المقهى أو لشراء ملابس أو ارتياد بعض الحفلات، أشتري بهذه المدخرات أدوات الجرافيتي. لا أنفي أنني حاولت إيجاد حلول أخرى، كأن أحتفظ بجزء من لوازم الجرافيتي بعد حدث قد شاركت فيه ونظمته جمعية أو مؤسسة معينة، أتحدث معهم منذ البداية عن رغبتي في الاحتفاظ ببقية المستلزمات بعد إتمام ما سأقوم به خلال التظاهرة وعادة يقبلون بذلك.  

ما الذي يهم أمامة في هذا الفن خاصة، هل تركزين على الجانب المضموني أم الجمالي؟

هذه الثنائية لن تنتهي يومًا وجدلها سيبقى متواصلاً.. بالنسبة لي، أستثمر خاصة في الجانب الجمالي أكثر من الشعارات والرسالة المضمونية، كما هو الحال مع "زواولة" مثلاً، الجرافيتي بالنسبة لهم وللكثيرين وسيلة لإيصال رسالة أو موقف، سياسي أو اجتماعي. وهذا أمر يختلف حوله رسامو الجرافيتي، ولكل رسام اختياراته وتوجهاته وهو حر كليًا في ذلك.

أمامة بوعصيدة: "أستثمر خاصة في الجانب الجمالي أكثر من الشعارات وأفضل الرسوم الضخمة"

إذًا أنت تحبذين الجرافيتي في إطار أنشطة أو تظاهرات محددة ومنظمة أكثر من الجانب الحر والمباغت؟

بداياتي كانت من خلال أعمال في إطار منظم أساسًا، تتصل بي عديد الجمعيات للمشاركة تطوعًا في نشاط معين من خلال لوحة جدارية، حبذت هذا التوجه في البداية لأنه مكنني من توفير الحيطان بشكل أسهل ومن التعلم والتدرب، لكن هذه التظاهرات مرتبطة عادة بمواضيع، وأي فنان يهتم بأفكار محددة، لذلك حرصت أن أراوح بين المشاركة في هذه الأنشطة والعمل الفردي وفق طموحاتي الخاصة.

أبحث عن الحائط المناسب، أجمع بعض المال وبعض اللوازم وأنطلق. طالما كنت أحبذ أن أتحصل على الترخيص من "صاحب الجدار" تجنبًا للمقاطعة أثناء الرسم، لأنني أشتغل لوحات تتطلب وقتًا وضخمة من حيث الحجم عادة، أو أن أفاجأ بمحو ما قمت به.

اقرأ/ي أيضًا: الكتابات الحائطية في الجزائر.. مرايا مهملة

أ لا تتعارض فكرة "الحصول على الترخيص" مع ثقافة "الهيب هوب" والأندرغراوند؟

طبيعة ما أقدمه تقتضي ذلك، فأنا لا أقوم فقط ببعض الكتابات (tag) أو الرسومات البسيطة أو المنخرطة في حملة معينة والتي تُنجز بشكل مباغت وسريع. أميل للوحات جدارية ضخمة وأحتاج التركيز عليها وتجنب إمكانية خسارتها في أي وقت، أثناء الرسم. ما أقوله لا يعني أنني لا أنخرط في أعمال أو حملات مباغتة، لكنني أؤمن أن هذا يعود للماضي، انطلق الجرافيتي بتلك العقلية والطريقة من الولايات المتحدة، وأنا أفضل أن أضع بصمتي كتونسية على هذا الفن وخاصة كتونسية ما بعد 2011.

أؤمن أن كل فنان جرافيتي يختار أسلوبه وله الحرية في ذلك. سعيدة أن أتابع مثلًا أعمال El Seed، فنان الجرافيتي التونسي الفرنسي، الذي يحظى بشهرة عالمية، والذي بعد سنوات طويلة في المجال، اختار ما يميزه اليوم عالميًا، أن يدمج الجرافيتي مع فن الخط العربي، وهذا جزء من تميزه وشهرته.

هل اختارت أمامة هوية أو توجهًا معينًا؟

أعمل على مشروع منذ فترة، أطلقت عليه "ألوان المرأة التونسية"، أقدم من خلال كل لوحة جدارية صورة للمرأة التونسية، والتونسية مختلفة الأوجه والذوق والاهتمامات. في إطار هذا المشروع، قدمت لوحة في جربة، اثنتين في صفاقس وواحدة في العاصمة وأنا أواصل في هذا المشروع.

أمامة بوعصيدة: "أعمل على مشروع "ألوان المرأة التونسية" منذ فترة، أقدم من خلال كل لوحة جدارية صورة للمرأة التونسية، والتونسية مختلفة الأوجه والذوق والاهتمامات"

ما الذي قد يعيق مسار تطورك أو تطور فن الجرافيتي بشكل عام في تونس؟

أنا لا أحبذ الحديث عن المعوقات، عن إهمال الدولة للشباب، عن مضايقات السلطات (أتذكر أن tag store عند افتتاحه ووصول معدات له، وجد عددًا منها منقوصًا بعد المراقبة الجمركية مثلًا)، عن المعوقات المادية، عن صعوبات التقبل من الآخر لهذا الفن، عن القوانين لا تواكب التطورات في المجتمع، ما فائدة أن أتذمر من كل هذا؟

من خلال تجربتي إلى حد الآن، كل هذا يمكن تجاوزه وأدعو الشباب للعمل والإبداع دون انتظار هدية من أحد. وبشكل عام الجرافيتي يتقدم في تونس، هناك منظمات من المجتمع المدني تدعم فناني الجرافيتي ومنهم Open Art ونحن نتقدم بشكل إيجابي. اخترت أيضًا أن أوظف موهبتي في سياق تجاري من خلال (Ouma store) والتجربة متواصلة.

من أعمال أمامة (فيسبوك)

من أعمال أمامة (فيسبوك)

اقرأ/ي أيضًا:

بيروت الغاضبة برسم أبنائها

فن الجداريات.. شوارع المغرب تتحدث