رحيل نبيل المالح.. العين التي رأت الكابوس

رحيل نبيل المالح.. العين التي رأت الكابوس

نبيل المالح 1936- 2016 (Getty)

توفي صباح اليوم، الأربعاء 24 شباط/فبراير من العام السادس عشر، المخرج السوري نبيل المالح، معلنًا استراحته الأبدية من رحلته الطويلة في عالم السينما، لكن أعماله ستظل مخلدة لاسمه بصفته واحدًا من رواد السينما والتلفزيون في العالم العربي. حيث أخرج وأنتج ما يزيد عن 150 عملًا سينمائيًا بين روائي طويل وقصير وتسجيلي، وحصد عشرات الجوائز العالمية والعربية.

المخرج الراحل نبيل المالح: على أرض الواقع أنا مؤمن بأن الجلاد سيحاكَم

المالح الذي سافر في خمسينيات القرن الماضي إلى براغ لدراسة الفيزياء النووية، فاكتشف السينما من خلال دور كومبارس في أحد الأفلام التشيكية؛ انتقل إلى دراسة الإخراج السينمائي في معهد السينما في براغ 1957، ثم انتقل إلى تدريس مادة الإخراج السينمائي والسيناريو لدى العديد من الجامعات، ومن بينها جامعة السينما في أوستن-تكساس، وجامعة السينما في لوس أنجلوس-كاليفورنيا.

من أفلامه الروائية الطويلة: "الفهد"، و"بقايا صور"، و"نابالم"، و"المخاض"، و"بقايا صور"، و"الكومبارس". وقد تعرض المالح لضغوط كبيرة من النظام الحاكم في سوريا، وتعرضت أفلامه لرقابة شديدة، وبعضها منع من العرض. عرف عنه نشاطه ضمن حركة إحياء المجتمع المدني في سوريا التي نشطت مع وصول بشار الأسد إلى السلطة، وعن هذه النقطة قال في إحدى حواراته: "منعت من العمل، لكن النقطة التي لا تزال مضيئة بالنسبة لي هي أنني أشعر بأنني لا أزال قويًا، أبدأ الآن وكأن عمري عشرين عامًا، بهذه الروح وبهذا المنطق أتعامل مع أفلامي ومشاريعي وعملي".

اقرأ/ي أيضًا: رحيل نذير نبعة.. صانع ألوان دمشق

ولعل فيلمه "عالشام .. عالشام" الذي أنتجه في العام 2006، ومنع من العرض بعد تشكيل لجنة رقابية كبيرة للبت فيه، لاقى ضجة إعلامية واسعة، وفيه رصد المالح البذور الأولى للحراك الاجتماعي في سوريا، وقدم تفسيرات وثقتها الكاميرا لما يجري في سوريا، ليكون هذا العمل مع الأفلام التي قدمها صديقه الراحل عمر أميرلاي شهادة وثائقية نادرة لما جرى ويجري في سوريا.

يقول الراحل عن فيلمه: "عالشام.. عالشام.. فيلم يحكي عن الهجرة من الريف إلى العاصمة، هذا الركض وراء حلم المدينة الذي نكتشف أخيرًا أنه كابوس، أسباب الهجرة هي اقتصادية اجتماعية ثقافية واضحة المعالم، يسلط الفيلم الضوء على الانتهاكات في المناطق التي يعيش سكانها تحت خط الفقر". 

كما يأتي فيلم "وليمة صيد" كطرح لفكرة ضحايا تحاكم جلادها، وإن كان الفيلم كنوع من التمني، لكن الراحل يقول: "على أرض الواقع أنا مؤمن بأن الجلاد سيحاكَم، ولن أترك هذه المحاكمة المشتهاة للفكرة الخيالية الفانتازية التي تقول بأن أتركه ليحاكمه التاريخ، أو ليذهب إلى مزبلة التاريخ، لا على الإطلاق بل سيحاكم حقًا وفيزيائيًا، وسيحاكم هذا الشعب من أذله".

اقرأ/ي أيضًا: هل يوجد فن سيئ؟


شهادات من الفيسبوك السوري

بقايا صور لجيل الحرية القادم

وداعاً نبيل المالح، وداعًا صديقي العتيق. أي حزن هذا الذي حوّل صفحاتنا إلى أوراق نعوة الأحبة. وداعًا نبيل صديقي وشريك العمل السينمائي والثقافي خلال الأربعين سنة الماضية. من الصعب اختصار ما جمعنا معًا خلال سنين طويلة، لكن عنوانه الأبرز: مودة إنسانية عميقة.. وحب للسينما.. ولبلدنا وأهله الطيبين.. والسعي بكل الوسائل نحو سوريا حرة.

الأنظمة القمعية إذا شاهدت طائرًا يحلق بحرية، فإنها تُستفز وتوجه نحوه مدفعًا وليس رصاصة

أنتجت لك "أسرار الشاشة" حيث قدمت عصارة تجربتك كمعلم سينمائي، وحين أتطلع اليوم إلى حلقاته أجد روح الشباب الدائم والحماس الذي رأيته في لقائنا الأخير في باريس حين جئت رغم المرض لحضور عرض فيلمك الجميل "الكومبارس" في النادي السينمائي السوري، ولعل الأيام الثلاثة التي قضيناها معك، هالا وأنا، كانت تلويحة الوداع التي قررت الحياة أن تمنحنا إياها.

حزني كبير على خسارة سوريا مبدعيها الكبار الذين استطاعوا رغم سنوات القمع أن يفتحوا ثغرة في جدار المنع والاضطهاد الأصم ليرفعوا اسم سوريا ويحضّروا شبابها لثورة الحرية والكرامة.

وداعًا نبيل المالح ستبقى حياتك وأفلامك "بقايا صور" دمشقية، سيحتفظ بها ملء القلب والعين جيل الحرية القادم.

* هيثم حقي- مخرج ومنتج تلفزيوني 

توثيق سنوات القهر

فيما مضى كان وزير الثقافة في حكومة النظام بالأمس رياض نعسان آغا، الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات لجهة المعارضة اليوم، ضمن اللجنة الرقابية التي شُكلت للبت في فيلم "عالشام.. عالشام" الذي أخرجه السوري الكبير نبيل المالح.. حينها كان نعسان آغا من المعارضين، ليس للنظام السياسي وإنما لعرض فيلم المالح، الذي يحكي قصة القهر في سوريا ويقدم شهادة تاريخية وثائقية وبعين مخرج حصيف لما يمكن أن يتفجر في سوريا نتيجة الفقر وهجرة الريف إلى المدينة.

حينها قال رياض نعسان آغا المعارض للمالح: "طبعًا هذا الفيلم صنعه نبيل المالح وهو معروف بأنه معارض"، وكون المالح "محسوب على المعارضة"، برأي رياض نعسان آغا، فهذا كان كفيلًا بمنع عرض الفيلم من الأساس.

نبيل المالح وداعًا، ستلتقي برفيق درب عمر أميرلاي لتروي له ما يجري في سوريا اليوم، ولتقول له لقد حاولت إكمال مشوارك في توثيق سنوات القهر في مملكة الخوف.

طوبى لروحك.

* جورج كدر- كاتب وباحث

 

مدينة مضافة إلى مدائننا التي سويت بالأرض

كل قامةٍ سوريةٍ تموت في هذه الأيام السوداء تزيد في حزننا وكأنه سقفٌ جديدٌ انهدّ فوق رؤوسنا أو مدينة مضافة إلى مدائننا التي سويت بالأرض. البارحة كنت أفكر بنذير نبعة كيف كان يرسم دمشق على هيئة امرأة في غاية الجمال، ووصلت لتسوية مع نفسي تقول إنه لا بد أن يموت وهو يرى معشوقته بكل هذا الخذلان.

اليوم مات نبيل المالح... إنه ذاكرتنا البصرية وتجمّع العائلة أمام تلفزيوناتها التي بدأت بالأبيض والأسود المبهجيْن، وانتهت بألوان ولا أكلح!

موته طعنةٌ غائرة في الذاكرة السورية، غائرة جدًا.

* هاني نديم- شاعر

 طائر يحلق بحرية

ونودّع نبيل المالح (1936-2016)، أيضًا: الأنظمة القمعية إذا شاهدت طائرًا يحلق بحرية، فإنها تُستفز وتوجه نحوه مدفعًا وليس رصاصة.

* صبحي حديدي- كاتب وناقد

اقرأ/ي أيضًا:

نذير نبعة.. مرسومًا بتراب الأرض

عمر حمدي "مالفا".. ميراث من وهج الألوان