20-فبراير-2016

سيدنا الحسين/ القاهرة (Getty)

"مولد الحسين" مرّ بلا زوار هذا العام. كان المشهد مريبًا ولافتًا، الحسين الذي يحجّ إليه ملايين من الصعيد والعراق وإيران لا يلتفت إليه أحد في ذكرى وصول رأسه إلى القاهرة. سألت أحدهم: لماذا لا تحتفل بمولد رأس الحسين؟، فأجاب: "لأنها أسطورة. أسطورة عظيمة، ووصول رأسه إلى القاهرة من كربلاء بعد مرورها على بلاد المسلمين دون أن تضيع أو تتحلل معجزة صالحة للتجارة والدعاية لشارع المعز السياحي، لكن زمن المعجزات انتهى". رأس الحسين ليست بلا مريدين في القاهرة هذا العام فقط، يكفي استرجاع السنوات الماضية، ستجد ذكرى رأسه بلا زوار كل عام!

رأس الحسين ليست بلا مريدين في القاهرة هذا العام فقط، يكفي استرجاع السنوات الماضية، ستجد ذكرى رأسه بلا زوار كل عام!

هذه محاولة جديدة للتفتيش في الملف السياسي والتاريخي للحسين. كان الأمر لافتًا بالنسبة لي على طول متابعتي لأخبار الصراع على جثة حفيد الرسول. حين نزل شيعي من العراق يحتفل بمولد الحسين في القاهرة، فاستلمه محبو آل البيت أمام الضريح، وضربوه، وسلموه لشرطة السياحة، فالذين يهيمون في عشق الحسين، وقصته الملحمية، يعتبرونه ملكهم وحدهم، لا شريك لهم فيه.

ليست الواقعة الأولى، فشيعة القاهرة يحاولون الاستيلاء على حفيد الرسول، وجذبه إلى صفوفهم بتصوير برنامج تلفزيوني أمام الضريح، بزيارته جماعات، بإغلاقه لإقامة صلوات شيعية خاصة على روحه، بينما على الجانب الآخر هناك من يسدّ الطرق أمامهم، ويحتكره، ويغلق الضريح بحجة "منع الأباطيل الشيعية في يوم عاشوراء" مثلًا!

ومن عمق العلاقة بين المصريين والحسين، رغم أنه لم يزر أرضهم أبدًا، إنما يعتبرونه نفحة من عطر النبي، فهم يحتفلون بمولده ثلاث مرات سنويًا: الأولى بمناسبة ميلاده في شعبان، والثانية في محرم، والثالثة عند استقرار رأسه في بطن ضريحه بشارع المعز نهاية ربيع الآخر، بعد رحلة "أسطورية" بدأت من كربلاء (محط رحالهم، ومهراق دمائهم كما تنبَّأ عليّ بن أبي طالب)، وانتهت في القاهرة.

عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، دخل البرلمان عن طريق خدمة آل البيت، وحين وصل باعهم، انشغل بجلسات النواب لدرجة أنه نسي إقامة "سرادق المشيخة" في محيط المسجد، فقد قضى وقتًا طويلًا مريدًا، الآن أصبح هو الوليّ والمريد.. وتحت القبة شيخ! في المقابل، ترك الأمن ساحة مسجد الحسين للـ"بلطجية" والنشالين، لا "أصحاب الكرامات" والنفحات الإلهية الخاصة.

في المولد الأخير، الذي كانت ليلته الكبيرة منذ أيام قليلة، لم يطرق أحدهم باب ابن بنت النبي، لا شيعة ولا سنة، بل خلت ساحة المسجد الذي كان يزوره ملايين، من مريدي آل البيت، ومن كان هناك ذهب لـ"لعب الكوتشينه" و"ضرب الودع وبنادق النشان"، وحضور حفل ياسين التهامي، وبعضهم اعتبره موسم رزق وضرب الأرض سعيًا لـ"الأرز والملوخية واللحم". لم يعد الحسين صاحب بركة، إنما كافل يتامى ومساكين وأبناء سبيل، ونشالين وتجار ومتربّحين من حب آل البيت.

في مصر، لم يعد الحسين صاحب بركة، إنما كافل يتامى ومساكين وأبناء سبيل، ونشالين وتجار ومتربّحين من حب آل البيت

تفسير غياب المريدين عن مولد رأس الحسين يقع في منطقة رمادية، أحدهم يحمّل الدولة المسؤولية، فلا منحت تصريحًا، ولا استعدت، ولا سعت لتأمين ساحة المسجد، أو استقبال المحبين، الذين أدمنوا ذكرى الحسين وبريقه، وعنده حق. وهناك من استغلّ غياب شيخ مشايخ الطرق الصوفية لإعلان غضبه عليه، وثورته ضده، فالرجل الذي بدا خادمًا أمينًا راكعًا تحت أقدام آل البيت، ومتصوفًا زاهدًا في السلطة ولا يبحث عن الكاميرات، إنما يجلس في الصفوف الأولى لسرادق مشيخة الطرق الصوفية، لا يشغله برلمان، ولا تسرقه لقاءات الوزراء.

لا أحد يفتش وراء النقطة الأسخن، وهي حنين أغلب مريدي الحسين ليومي مولده واستشهاده لا يوم وصول رأسه إلى القاهرة. ذكرى رأس الحسين تشغل فئة قليلة فقط تحب صحبة حفيد الرسول، وزيارة ضريحه بمناسبة ودون مناسبة.

السؤال الآن: "لماذا؟.."، والإجابة بعيدًا عن التعقيدات والروايات التاريخية، التي لا تزال متداولة إلى الآن على ألسنة أنصار آل البيت، ولا تزال روايات جديدة وتفاصيل جديدة تنتشر، مستندة إلى رواية تقول إن "رأس الحسين حين وصلت إلى يزيد بن معاوية أمر بالطواف بها على بلاد المسلمين"، إنما الرواية الثابتة تاريخيًا أن الرأس الشريفة انتقلت إلى عبيد الله بن زياد، فأحاطها بغله، واحتفل بها على طريقته: "وضعها في طشت، وضربها بقضيب وفتت أجزاءً منها، ولم تصل القاهرة أبدًا".

اقرأ/ي أيضًا: 

مصر.. "الحسين" وآيات الله في المخابرات

التطبير باسم الحسين.. دعامة للجهل مرفوضة