حسن.. ابن الأسير والحرية

حسن.. ابن الأسير والحرية

طفل على شاطئ غزة (أشرف عمرة/الأناضول/Getty)

في شارع "القرمان" ببلدة بيت حانون ــ شمال قطاع غزة، يلهو طفل – عام ونصف - تحت صورة كبيرة جمعت أسرى وشهداء "آل الزعانين". يراقب الجد والجدة هذا الطفل باهتمام بالغ، فهو ابن أسيرهما تامر الزعانين الذي يقبع في سجون الاحتلال منذ تسع سنوات.

حسن، هو أول طفل يولد لأسير من قطاع غزة عبر النطف المهربة. يعود هذا القرار إلى أمه هناء الزعانين (28 عامًا)، تلك الزوجة التي حرمها الاحتلال من زوجها بعد شهرين فقط من الزواج، حيث اعتقل تامر في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2006. أخذت هناء تتابع أخبار إنجاب أسرى الضفة الغربية لأطفال بهذه الطريقة، وكانت تعلم أن الأمر هناك أسهل، فذويهم يتمكنون من زيارتهم، والسجون الإسرائيلية قريبة جغرافيًا من الضفة الغربية وذلك على عكس الوضع في قطاع غزة، ومع ذلك بقيت الفكرة تراودها من دون أن تبوح لأحد.

استمر التفكير بضعة شهور، ثم اتخذت القرار بأن تعرض الفكرة على  زوجها، وشقيقيها وهما أسرى في ذات السجن "ريمون"، وكانت الآراء لصالح قرارها، و قبل أن تخضع هناء لعملية زراعة طفل الأنابيب، كانت قد أدركت طبيعة مجتمع قطاع غزة المحافظ. فأخذت تخبر الجميع بقرارها في الحمل عبر النطف المهربة، وعلى عكس ما توقعت وجدت تفهما وتشجيعا كبيرا من المحيطين بها، تقول هناء :"لم أحب أن يتم الموضوع بسرية حتى لو لبعض الوقت، قبل أن أخضع للعملية توجهت مع حماتي للعديد من الأقارب والجيران أخبرهم عن قراري، انتابتهم سعادة كبيرة وشجعوني على المضي في قراري"، وتضيف هناء: "عندما اعتقل زوجي وقد مر على زواجنا شهران فقط، كان هذا القرار هو فرصتي في إنجاب طفل".

في أية حال لم يكن أمر وصول عينة النطف إلى معبر بيت حانون "إيرز" سهلًا

في أية حال لم يكن أمر وصول عينة النطف إلى معبر بيت حانون "إيرز" سهلًا، فهي ستصل لأول مرة لقطاع غزة الممنوع على أهله زيارة أسراهم – آنذاك - في سجون الاحتلال. لكن كانت عائلة هناء قد نسقت مع مركز "بسمة" للإخصاب وأطفال الأنابيب، وتعلمت جيدا شروط حفظ العينة، لذلك عند الاستلام سارعت بها إلى المركز ليتم تجميدها. خضعت هناء لعملية زراعة الطفل. وبعد أسبوعين حان موعد فحص الحمل، في ذاك اليوم ذهبت صباحًا إلى المركز الطبي، كان هناك شخص لا يستطيع أن يشاركها هذه اللحظات بالجسد لكنه شاركها بروحه وقلبه، كان خلف القضبان ينتظر بلوعة نتيجة الفحص المخبري، يأمل أن يمكنه الاتصال السري من معرفة النتيجة التي يرجوها في حينه.

عند ذهابها للحصول على نتيجة فحص الحمل سلمت موظفة المركز هناء نتيجة الفحص وقد كتب عليها بخط اليد "ألف مبروك"، لحظات حميمية، عج المكان بالزغاريد والمباركات، فأغلب النسوة المراجعات تعرف حكاية حلم زوجة الأسير الزعانين، تقول هناء: "اتصل تامر وقلت له: أنا حامل، لم يتكلم كثيرًا بارك لي... ثم أصمته البكاء فرحًا، علمت لاحقًا أنه احتفل كثيرًا مع الأسرى وخاصة أشقائي في هذا اليوم".

غيّر وجود حسن ذو البشرة السمراء حياة أسرة والده بشكل كبير. كان النصيب الأكبر لأمه التي قضت وقتها قبل إنجابه في التعليم، فدرست في البداية بكالوريوس شريعة إسلامية ثم أخذت تدرس الرياضيات، الآن يأخذ الاهتمام بحسن جل وقتها. تقول هناء: "كان حديث مع زوجي قبل إنجاب حسن محدود، عن الحال والدراسة، الآن حدثينا يطول ويطول عن حسن وتصرفات حسن، وماذا تعلم حسن"، اليوم أيضا ينافس حسن أمه على حصتها من هذا الاتصال مع والده، يأخذ الهاتف النقال، ويضعه على أذنه، ثم  يمشي وهو يبتسم ويضحك على كلمات يسمعها من والده، لا يفهمها لكنه يشعر بدفئها وودها الكبير له.

على خزانة الملابس، ألصقت أمه عدة صور لأبيه. اعتاد حسن عند النهوض من النوم أن يُلقي قبلاته إلى "بابا"، ثم يذهب لينطلق إلى حضن جدته التي تحبه كثيرًا، وأحيانًا يذهب مع جده إلى الحدود القريبة من الأراضي المحتلة عام 1948، حيث يزرع ويحصد الجد في أرض زراعية هناك، يصر حسن أن يشارك الجميع جمع الثمار، يحمل وعاء صغير خصصه جده له ويضع فيه بعض ثمار البطاطس أو خيار.

زيارة بدون حسن

تمكنت هناء لأول مرة من زيارة زوجها في الثالث من آذار/مارس عام 2014، أي بعد شهرين من ولادة ابنها حسن، وكالعادة لن يسمح لحسن بزيارة والده كونه غير معترف به من قبل الاحتلال. تقول هناء أنها حملت في تلك الزيارة خمس صور فوتوغرافية لحسن، وهذا العدد المسموح به من قبل الاحتلال.

أضحى الحديث بين الأم والأب عن طفلهما مباشرا رأى عينيها وهي تتحدث عن مشاكسة الصغير، وعن حب الجميع واهتمامهم به، وعن التغيرات التي أحدثها في حياتها، ويعبر أيضًا الأب في تلك الزيارات عن شوقه الشديد لرؤية صغيره الذي لا يستطيع أن يُخرج له من السجن لو قطعة حلوى كهدية.

تقول والدة الأسير تامر: "فرحتنا بحسن لا توصف، هو أول حفيد لأول أبنائي، الحمدلله رب العالمين الذي أكرمنا بهذه النعمة"، وتضيف: "إنجاب ابني وهو خلف القضبان كسر كبير للسجن والسجان، لقد خفف حسن عني آلام بعد والده، وإنجابه شجع أسرى آخرين من غزة للقيام بذلك".

اقرأ/ي أيضًا: غزة.. 4 أمهات ينتظرن أبناءهن المختطفين