حرب حجاب حلا شيحا.. تراشق بالدموع

حرب حجاب حلا شيحا.. تراشق بالدموع

حلا شيحا

أشعل قرار الممثلة المصرية حلا شيحا بتخليها عن ارتداء الحجاب، الذي لبسته لاثنتي عشرة سنة متتالية، واعتزامها العودة إلى التمثيل بعد رحلة طويلة في العمل الدعوي؛ موجة تسونامي عارمة من التعاطف والاستنكار المضاد، كان موضوعها الأساسي الموقف من الحجاب وتفسير دلالاته. أما أطرافه المتنازعة فقد تشكلت من أنصار جماعة الإخوان المسلمين والمتعاطفين معها من جهة، وأنصار المذهب الليبرالي وأنصار السيسي من جهة الأخرى، في حين لم يخرج هذا الاصطفاف في العمق عن كونه استفتاء على مشروعية النظام السياسي الذي يحكم مصر الآن.

من خلال الشرف يكتشف الرجل السلطة المطلقة التي يتمتع بها إزاء زوجته!

في الوقائع اليومية للحدث، نعثر على صوت الداعية السلفي محمد الصاوي، الصديق المقرب من العائلة، وهو يحاول جاهدًا التوصل لفهم الأسباب التي دفعت حلا إلى التخلي عن ارتداء الحجاب، فلم يهتد إلى تفسير لذلك سوى افتتان قلبها بإغراء التمثيل، الذي لم يكن ليحدث لولا اختلاطها برفقاء السوء من المخرجين والممثلين والصحفيين الذين التقت بهم أثناء زيارتها الأخيرة إلى مصر. الأمر الذي يعني فيما يعنيه نفي الإرادة الحرة عن الممثلة، وتصويرها كشخص تابع لأناس أشرار، لا هم لهم سوى دفعها إلى أتون الجَحِيم. في سياق كلام الشيخ الممزوج بالدموع عن الحادثة يبدو مأخوذًا بأمرين اثنين، الأول في خروج المرأة من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر بسبب خلعها للحجاب، الذي يعتبره فريضة أساسية من فرائض الإسلام أو أركانه. والثاني في خروج المرأة إلى العمل خارج المنزل، الأمر الذي يحطم الصورة النمطية للمرأة في المجتمع الإسلامي الذي يدعو الناسَ له.

اقرأ/ي أيضًا: في بيتنا كاتبة

الموقف السابق للشيخ محمد الصاوي، يدفعنا للذهاب عميقًا من أجل فهم الجذر الروحي الذي يستند عليه الرجل في بناء موقفه من الشرف أولًا، ومن الحجاب ثانيًا، ومن العلاقة بينهما ثالثًا. في فهمه لموضوع الشرف يستعين الشيخ بالعلاقة الرأسية بين الرجل وزوجته، التي تمنحه حق قيادة شؤون الأسرة كما حق نسب الأطفال الذين يولدون من زوجته إلى اسمه أو اسم عائلته حصرًا. فيما يقتصر دور الزوجة على حماية هذا الحق عن طريق قبولها بشريك واحد، لا عدة شركاء، لكي تضمن للرجل أن جميع الأولاد الذين ولدتهم قد جاؤوا من صلبه لا من صلب أحد غيره. من خلال الشرف يكتشف الرجل السلطة المطلقة التي يتمتع بها إزاء زوجته، في حين تكتفي الزوجة في التعرف على دورها كمكان للمتعة وحارسة شرف، وكل ما عليها فعله هو الطاعة وإلا كان مصيرها خارج هذا الوجود الذكوري الموصل إلى العدم.

أما في فهمه لمسألة الحجاب فيبدو متأثر بالتفسير الخرافي القديم الذي كان يربط بين الحجاب وغواية الأنثى، حيث وجد فيها العقل الذكوري المهيمن ضالته في فهم ظاهرة "الرغبة الجنسية الجامحة" لدى بعض أفراد المجتمع الذين ينتهكون القواعد والأعراف الاجتماعية الخاصة بالحياة الجنسية لمجتمعهم، والتي لم يجدوا لها من تفسير مقنع سوى بردها لفعل الغواية التي تقوم بها النساء حيال الرجال، الأمر الذي جعل من كل امرأة مشروع مذنبة، فيما عد شركائها من الرجال ضحايا. بموجب هذا التفسير تمكن الرجال من إحكام سيطرتهم على النساء، ودفعهن إلى ارتداء الحجاب كنوع من التدبير الوقائي لتجنب العنف الجنسي ضدهن، كما تم توظيفه كوسيلة مناسبة لحماية الأنساب العائلية من الاختلاط.

إذا كانت القراءة السابقة قد أسعفتنا في فهم موقف الشيخ من الحجاب، فما الذي سيسعفنا يا ترى في فهم موقف زوج شيحا يوسف هيرسن الكندي منه، الذي اعتنق الإسلام عام 2003، غير تتبع موقف الحضارة الأوروبية من الجسد.

إن الحضارة الأوروبية تتبنّى مفهومًا آخر لعلاقة الرجل والمرأة الجنسية، تقوم على إباحة الفعل الجنسي، ما دام الفعل ذاته يقوم على مبدأ الإرادة الحرة للطرفين، وإلا عُدّ ذلك الفعل نوعًا من العدوان الذي يلزم معاقبته. لا شك أن الداعية الإسلامي هيرسن القلق من كشف جسد امرأته -الذي كان مستورًا طيلة تلك السنين- حسب ما نقله عنه صديقه محمد الصاوي، لا يعول على الإرادة الحرة التي تتمتع بها زوجته، والكفيلة بحد ذاتها لحماية نفسها وعرضه من أي غواية أو سوء، بل يفضّل عليها قطعة من قماش قد تطول أو تقصر، يصر على أن يدعوها حجابًا.

كان لقرار حلا شيحا أن ينتهي بين بكائين، بكاء الشيخ الصاوي على سيدة فقدت فرصتها بالنجاة من النار في اليوم الآخر بسبب نزوة، وبكاء الزوج المصاب بشرفه بسبب حجاب. لولا الرجاء الحار الذي يصل بدوره إلى حد البكاء، والذي وجهته السيدة خديجة خيرت الشاطر، ابنة نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، إلى حلا تدعوه فيها إلى التراجع عن قرارها. الأمر الذي رأت فيها السلطة الحاكمة في مصر فرصة سانحة لتسجيل نقطة أخرى لصالحها في غمار المنازلة الكبرى بينها وبين الإخوان المسلمين.

حلا شيحا: نساء العراق وسوريا قتلن واغتصبن، لم ينشر أحد بوستات وفيديوهات استجداء واستعطاف ورجاء

قامت خطة محطات التلفزة الناطقة باسم نظام السيسي على مواجهة الحدث على مبدأين اثنين، ركز الأول على نزع القداسة عن الفهم الخاص الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين للحجاب، في كونه رمزًا للفضيلة والعفة والطهارة، ينتمي الذين يرتدونه أو يحضون على ارتدائه إلى حزب الأطهار أو الأخيار، بينما ينتمي المعارضون لتبنيه إلى حزب المتمردين أو العصاة. بينما ركز الثاني على تبرؤ الفنانة الداعية حلا شيحا من العلاقة التي ربطت بينها وبين الإخوان من خلال المكتب الدعوي الذي كانت تديره هي وزوجها في كندا.

اقرأ/ي أيضًا: "سودانيات ضد الحجاب".. اغتيال المعارِضات بالفبركة

في الممارسة، نجح مقدم برنامج "حضرة المواطن" الذي يقدمه الإعلامي سيد علي، من انتزاع تبرؤ الفنانة من علاقتها بالإخوان، عبر المكالمة الهاتفية التي أجراها مع والدها الفنان التشكيلي المشهور أحمد شيحا، الذي لم يكتف بنفي وتكذيب ما قالته السيدة خديجة الشاطر عن صداقتها الحميمية مع حلا، بل لجأ وهو يغص بالدمع بتبني الدعاية الرسمية للنظام، التي تربط بين الإخوان والإرهاب. في الجو الجنائزي الذي وجد فيه أحمد شيحا، شعر بالحاجة الماسة لتوظيف دموعه، علّها تصل إلى أنصار وأجهزة النظام المتشككين بصدق روايته.  كما شعر بأهمية دمعه الذي تمنى أن يشكل درعًا، لحماية ابنته الداعية حلا من تغول السلطات الأمنية عليها، سواء عبر التحقيق معها أو عبر منعها من العودة العمل الفني.

في محاولة مستميتة من السلطات المصرية لتجريد الإخوان والتيارات الدينية الأخرى من توظيف الحجاب في عملية الصراع السياسي، استعان الإعلامي محمد الباز مقدم برنامج "90 دقيقة" بوزير الأوقاف محمد جمعة، وبدلًا من أن يقدم له رأيًا يخالف تصور الإخوان عن الحجاب كفريضة، أكّد له صحة هذا التصور، الذي تتبناه معظم المدارس الفقهية في الإسلام. كان على السيد محمد الباز لو كان جديًا بالبحث أن ينقل موضع الحجاب من سياق الحقل الديني وتفسيراته المختلفة، إلى حيّز الحقل القانوني، الذي يتعامل مع قضية الحجاب من موقع الحريات الشخصية، التي تمنح المرأة حرية لَبْس الحجاب أو خلعه، دون أن يترتب عليه أي عواقب قانونية أو أخلاقية.

تسلط محنة حلا شيحا الضوء على معنى أن يكون الشخص في المجتمع العربي فردًا حرًّا في تبني القناعات التي يريدها

في الجولة الأولى لمواجهة ردّات الفعل التي ترتبت على قرارها، بدت الفنانة حلا شيحا متماسكة وقوية، سواء بحرصها على عدم التساوق مع الدعاية الفجة للنظام عن الإخوان المسلمين من خلال ربطهم بالإرهاب، أو لجهة تفهمها لردات فعل الآخرين الغاضبة على قرارها. إلا إنها لم تستطع أن تضبط أعصابها أمام هذا السيل الجارف من العويل الهستيري، الذي لا يحمل في جنباته من هدف سوى الإدانة، لهذا غردت حلا عبر تويتر محتجة على هذا الهذيان "نساء العراق وسوريا قتلن واغتصبن، لم ينشر أحد بوستات وفيديوهات استجداء واستعطاف ورجاء. حلا شيحا تغيرت قناعاتها فأصبح الأمر جللًا وسببًا في شماتة الأعداء وبكاء وندب ونحيب. أنا أستصغر الهالة الإعلامية والبكائية أمام أي بنت قتلت وهتك عرضها وشرفها باسم الدين والإسلام".

اقرأ/ي أيضًا: عشرون رسالة غير محجبة

تسلط محنة حلا شيحا الضوء على معنى أن يكون الشخص في المجتمع العربي فردًا حرًّا في تبني القناعات التي يريدها، وفي تغيير القناعات التي سبق له تبنيها، دون أن يخشى سطوة الأخوية أو الجماعة أو الحزب الذي كان جزءًا منه أو الوعي الجمعي لمجتمعه اتجاه قضية ما. بطوليٌّ هو تحدي حلا شيحا لسلطتين، واحدة مجتمعية وأخرى سلطوية، لكن كم مؤلم وحزين أن تواجه كل هذا الطوفان وحدها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"فوغ آرابيا".. مزيد من تنميط المرأة العربية

عن أحجبة الاستهلاك وطبائع الاستملاك