حراك الجزائر.. ثورة الشباب على بوتفليقة والأبوية

حراك الجزائر.. ثورة الشباب على بوتفليقة والأبوية

الوطنية هي الإنصات لمطالب جيل الشباب، الوريث الشرعي لمستقبل الوطني (أ.ب)

كلّما غفلت عن مكتبتي وجدت البنات قد أخرجن كتبها من رفوفها وبعثرنها على الأرض ورحن يعبثن بها، فينلن منّي أنواعًا مختلفة من العقاب والتّعزير.

أصعب انتفاضات الأبناء والتي تثمر تحررهم النهائي من الأبوية، هي التي يفرزها إحساس الأبناء بأن آباءهم يذلونهم بإلغائهم

غير أنّني أدركت لاحقًا، من خلال الحوار معهنّ، أنّ تعاملهنّ ذاك مع مكتبتي ليس ثمرة لعدم إدراكهنّ لأهمّيتها، فقد تربّين على تقديس الحرف والكلمة، بل هو ثمرة لرغبتهنّ في تحديثها وتكييفها، وفق الفتوحات التّكنولوجيّة الجديدة، إذ لم يهضمن أن يتلقّين معظم معلوماتهنّ ويقمن بمعظم تعاملاتهنّ من خلال الأجهزة، ثمّ يرين كتبًا ورقيّة لا أقراصًا مضغوطة، فقط لأن أباهنّ ينتمي إلى زمن الأوراق.

اقرأ/ي أيضًا: الطلبة يلتحقون بالحراك الشعبي ضد العهدة الخامسة لبوتفليقة

قياسًا على هذا، أرى أنّ كلّ فهم للحراك الشّعبي، هذه الأيّام، في الجزائر احتجاجًا على ترشيح الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسيّة خامسة، رغم مرضه وعجزه عن الظهور والحضور، خارج تطلّع الجيل الجديد، إلى مناخات جديدة بوجوه وتوجّهات جديدة؛ هو فهم متعسّف في حقّ التحوّلات الموضوعيّة الحاصلة داخل الفضاء الجزائريّ.

ذلك أنّنا نتحدّث عن 20 عامًا لا عن عامين. وإنّ عقدين من الزّمن في منطق اللّحظة التّكنولوجيّة المعاصرة، لهو زمن كبير ومكثّف ومختصِر لكثير من الانزياحات في السّلوك والتفكير والقاموس، قد يُقابل قرنين من الزّمن العاديّ السّابق.

هل يستطيع أب يستعمل الحَمَام الزّاجل في تواصلاته مع محيطه القريب والبعيد، أن يفهم ويتفهّم ولده الذّي يستعمل آخر صيحات الهواتف النّقالة؟

سيُخيّل له في البداية أنّه يستطيع أن يفهمه ويتحكّم فيه ويفرض عليه مقولات وخيارات كثيرة، اعتمادًا على سكوت الولد، إمّا بسبب الحياء واحترام مقام الأبوّة، وإمّا بسبب غرقه في أجهزته. 

لكنّه سيكتشف في لحظة ما أنّه في الوقت، الذّي كان يعتقد فيه أنّ صمت الولد إذعان وطاعة وقبول، كان هذا الولد يغذّي صمته بلغة الرّفض والانزعاج والتضمّر، ليعلن عن نفسه تمامًا في اللّحظة، التي يريد أبوه فيها أن يستمرّ في التحكّم رغم عجزه عن ذلك.

أعتقد أنّ أصعب انتفاضات الأبناء، والتّي تثمر بالضّرورة تحرّرهم النّهائي من السّلطة الأبويّة في الجوانب المتعلّقة بالتّسيير الفاشل والمتعسّف، هي تلك التّي يفرزها إحساس الأبناء بأن آباءهم يذلّونهم بإلغائهم، حيث يتحوّلون إلى ذوات مُهينة ومعرقلة وكأنهم أبناء زوجته لا أبناؤه، وهذا ما وصل إليه الرّئيس بوتفليقة بالضبط مع الجيل الجديد.

حين يرغب الشّعب في ترتيب الأوراق بنفسه، ولا يتمّ التّعامل معه رسميّا وفق القاعدة الدّستوريّة "الشّعب مصدر السّلطات"، فهذا يعني أنّ الكذب هو الرابط الذي كان يربط بينه وبين السّلطة.

وإذا استطاع حبل الكذب أن يستمرّ لفترة معيّنة، بسبب وجود منظومات "شعبيّة" مستفيدة، مقابل منحها شرعيّة مزيّفة للسّلطة، فإنّه لا يستطيع ذلك في ظلّ صعود ونضج وامتلاء جيل وُلد وكبر خارج الإطار بكلّ معانيه.

هنا، علينا الاعتراف بأنّ ثمّة ترجمة حقيقيّة واحدة لمفهوم الوطنيّة وحبّ الوطن، على كل من يدّعيها في الأجهزة الحاكمة والأطراف الموالية لها أن يفهمها؛ وهي: الإنصات لمطالب هذا الجيل، لأنّه الوريث الشّرعيّ للمستقبل الوطنيّ.

الترجمة الحقيقية لمفهوم الوطنية وحب الوطن هي: وجوب الإنصات لمطالب جيل الشباب لأنه الوريث الشرعي للمستقبل الوطني

إنّ الاستمرار في القول عن هذا الجيل إنّه ليس بقادر على حمل المشعل أو حمايته من الوقوع في الأيدي غير الجديرة به، من محترفي الصّيد الطّفيلي؛ ما هو إلا دليل على اعتراف وجوه المنظومة القديمة بفشلها، بما دفع الشّارع الجديد يقول لها في مظاهرات 22 شباط/فبراير: "ساهمتم في تحرير البلاد من الاحتلال، فواصلوا فضلكم بتحريرها منكم، قبل أن يفوتكم الفضل".

 

اقرأ/ي أيضًا:

التفكير في حراك 22/2 الجزائري

السلميّة سيدة موقف الجزائريين ضد عهدة خامسة لبوتفليقة