حتمية الحب التعيس.. العيب ليس فيكم ولا في حبايبكم!

حتمية الحب التعيس.. العيب ليس فيكم ولا في حبايبكم!

بدر محاسنة/الأردن

يتعرض المتسابق في برنامج "Moment of Truth" الأمريكي الشهير، إلى كثير من الأسئلة الشخصية جدًا، بينما سيكون عليه أن يجيبها بصراحة، أمام جهاز "البوليغراف" أو جهاز كشف الحقيقة، من أجل الفوز أكثر وإلا فسيتم إقصاؤه. جزء من هذه الأسئلة مرتبط بالتأكيد بالحب، خاصة عندما يكون شريك المتسابق موجودًا. تتعرض امرأة مثلًا إلى سؤال خطير أمام حبيبها: هل شعرت بأي تردد في يوم ما بأن شريكك ليس الشخص المناسب؟ أو هل ندمت ولو للحظة واحدة أنك ارتبطت بهذا الشخص؟ أو هل اشتقت في أي مرة لرجل آخر غير شريكك؟ أو هل تجدين شخصًا آخر جذابًا أكثر منه؟

إن الحب كما يتجسد في الحياة المعاصرة، قائم بطريقة ما على نوع من الافتراضات المستحيلة، والعصية على التحقيق، وبطبيعة الحال على نوع من الفضيلة الصارمة

سيبدو معد البرنامج على ثقة عندما يطرح مثل هذا السؤال، وهو متأكد أنه يقوم بنوع من المقايضة المحسومة مع المتسابق، أي مقايضة "المال مقابل الفضيحة"، لأنه يعرف أن إجابات هذه الأسئلة جميعها ستكون "نعم"، وأنه من المستبعد جدًا وربما من المستحيل أن أي شخص سيقول "لا" ويفوز.

أما نحن المشاهدون، فلن نهتم ولن ننتظر الإجابة أيضًا بفضول، لأننا نعرفها مسبقًا. نحن ببساطة ننتظر "الفضيحة" فقط، ونراقب ردة فعل الأزواج والشركاء عليها. لكن لماذا هذه الثقة؟ ولماذا تبدو الصفقة بين معد البرنامج والمتسابق واضحة إلى هذه الدرجة؟

إن الحب كما يتجسد في الحياة المعاصرة، قائم بطريقة ما على نوع من الافتراضات المستحيلة، والعصية على التحقيق، وبطبيعة الحال على نوع من الفضيلة الصارمة. ومع أننا نعرف أنها غير ممكنة، فإننا نصر على الاقتناع بذلك.

اقرأ/ي أيضًا: التاريخ الدموي للسعادة.. الأوتوبيا الأقسى

 أول هذه الافتراضات أن شريكنا هو الأفضل على الإطلاق، وأن علينا أن نكون متأكدين من ذلك، إلى درجة قد يبدو فيها التشكيك خيانة، وسيدمر العلاقات العاطفية، وبالتأكيد فإن على الحب أن يكون بريئًا من أي شعور بالأنانية أو من أي نزعة مصلحية. وغالبًا ما ارتبطت هذه الفكرة حسب آليان دو بوتون، بشيء من الاستعاضة بالأفكار الروحية، وربما بالخرافة في المجتمعات الحديثة.

الانتظار المسياني

تضطر البطلة في قصة Essay in Love ، لتبديل حقيبة السفر الخاصة بها، بعد أن انسكب فيها مسحوق "الشامبو" بالخطأ، قبل فترة بسيطة من موعد الطائرة التي كان يُفترض أن تقلها من باريس إلى لندن، فتتأخر على المطار، وتُجبر على حجز رحلة أخرى، تلتقي أثناءها بـ"توأم روحها"، وينتهي بها المطاف إلى أن تجد نفسها، بسبب هذه الصدفة، في قصة حب "استثنائية".

يشعر الحبيبان الجديدان أن هناك نوعًا من الصدفة الغريبة التي جمعتهما، ويبدأ كل واحد منهما، كما يحدث في أي قصة حب، بالاعتقاد أنه مقدر للآخر. لقد ضيعت البطلة الطائرة الأولى، وبينما كان هناك مجموعة من الرحل التي يمكن أن تحجزها بين باريس ولندن، فإنها اختارت هذه الطائرة بالذات، وهذا المقعد تحديدًا، الذي ستجلس فيه بجوار "شريك روحها". لم يكن أي منهما يسافر بانتظام بين هاتين الوجهتين، وبالتالي فإنه لا يمكن تفسير هذا اللقاء من خلال الصدفة فقط. حيث إنه وفي الحالة التي يوجد فيها 191 مقعدًا في الطائرة، فإن احتمال أن يجلس الحبيبان بجوار بعضهما، ضئيل جدًا، يقدر بـ1 من 160 ألف. هل يعقل أن يكون كل هذا صدفة فقط؟

حسب مؤلف هذه القصة، دو بوتون، فإن هذه الحسابات دقيقة، لكنها مبنية على افتراض خاطئ، وهو الافتراض الذي تقوم عليه كل قصة حب بطبيعة الحال، أي أن هذين الشخصين لا بد أن يلتقيا. وعند الإيمان بهذا الافتراض، فإن حساب احتمالات حدوث ذلك، ستجعله أمرًا خارقًا.

 لكن مهلًا! كان يمكن لهذا اللقاء ألا يحدث، وربما كان يمكن أن تجلس الفتاة بجوار شخص آخر وتقع في حبه، وكان يمكن، بطبيعة الحال، أن تجلس بجوار شخص متزوج أو رجل لن تطيقه، وتعود إلى وجهتها من رحلة مملة، من دون التفكير في فرصة اللقاء بشخص "استثنائي". إننا، كما يقول دو بوتون، نفكر في احتمال ما حدث لأنه حدث، ولأننا نعتقد أنه كان يجب بالضرورة أن يحدث.

هناك افتراض "مسياني" مرتبط بالحب إذًا، وبانتظار الشريك الموعود، وهناك افتراضات أن حدوث ذلك أمر مقدر، وأن الثقة به يجب أن تكون محسومة وغير قابلة للشك، أو للتفسير العقلاني.

كما أن ثمة افتراضات أخرى، متعلقة بطبيعة التعامل مع هذا الشريك. إن كونه شخصًا مقدرًا، يتطلب من العلاقة أن تكون أبدية، واستثنائية، وأن يكون الحب فيها متبادلًا ومطلقًا وغير قابل لأي نوع من أنواع الشك. وينبني ذلك غلى إنكار وجود التنافس والغيرة، أو حب السيطرة، أو المصالح الشخصية، إلخ.

هل تشعر بأن علاقتك العاطفية أو زواجك غير سعيد؟ يسأل دو بوتون، ثم يجيب: لا تقلق، فإن الجميع تعيسون مثلك

ورغم أن هذه الافتراضات غير واقعية، فإن هذا لم يعن قط التوقف عن التوق إلى تحقيقها. إن فكرة الحب الناجح الذي نسعى طوال الوقت إلى الوصول إليه، قائمة على هذا النوع من الآمال المتناقضة. إذ إن مجرد الكشف عن النزعة الواقعية في الحب، التي تجعلنا نختار من نعرفهم ومن نستطيع التواصل معهم، وكذلك من نعتقد أنهم يقبلوننا، تبدو فكرة عدائية للحب الحميمي والمطلق، وربما متناقضة معه.

اقرأ/ي أيضًا: فريدريك لونوار.. خلطة تقليدية للسعادة

عندما يعترف المتسابق في "لحظة الحقيقة" أنه غير مقتنع بأن شريكه هو الأفضل على الإطلاق، أو أنه ليس أكثر شخص جذاب يعرفه، وليس الأذكى – وجميعها في الغالب أشياء متوقعة – فإنه يبدو وكأنه أعلن أنه "مخادع"، أو أنه عاشق غير صادق.

لذلك، فإن التذمر الرائج الذي نلاحظه بشكل جماعي، في الأفلام والأغاني الحزينة والقصص، من عدم وجود شريك مخلص، قائم  بشكل مباشر على هذا النوع من الافتراض. ومع أن معظم الناس يميلون إلى تصديق هذه السردية، فإن أيًا منا لن يقيم نفسه من خلالها.

هل تشعر بأن علاقتك العاطفية أو زواجك غير سعيد؟ يسأل دو بوتون، ثم يجيب: لا تقلق، فإن الجميع تعيسون مثلك. أما الحب السعيد والمطلق، فلن يأتي أبدًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمبرتو إيكو.. تاريخ القبح أم تأريخ لسلطة الغرائبية؟

برامج الـ"Make Over".. هوس الجمال والتنميط