فريدريك لونوار.. خلطة تقليدية للسعادة

فريدريك لونوار.. خلطة تقليدية للسعادة

الكاتب الفرنسي فريدريك لونوار (جاك لانغ/Getty)

في مقدمة كتابه "في السعادة: رحلة فلسفية"، يستشهد الكاتب الفرنسي فريدريك لونوار، بكلمات للشاعر جاك بريفير، يقول فيها: "لقد أدركت السعادة من الجلبة التي خلّفتها أثناء رحيلها". تلك الكلمات تستدعي فور قراءتها الكثير من التأمل لنستطيع التعامل مع الألم الذي سببته، لذا سوف ننحّي فريدريك لونوار وكتابه جانبًا الآن، لنتساءل عمّا تعنيه هذه الكلمات.

بمرور الوقت نتعلم أن السعادة تنبع من داخلنا، وأن ما يسبب السعادة هو تجلي الذات وتناغمها المثالي الكامل

هل تعني أننا لا نكون على وعي بالسعادة أثناء حضورها؟ أعتقد لا، بل إننا نكون مشبعين بذلك الوعي، لكن تكون هناك آلاف العوائق التي تفسدها وتمنعنا من الاستمتاع بها، وكأن هذا لا يكفي فيحدث شيء ما، ثم إذا بالسعادة تتحوّل من عصفور رقيق يطير حولنا، إلى مارد غاضب يُحطم كل شيء حين تعطينا ظهرها، وسرعان ما نكتشف أن القصة كلها تبدأ مع هذه "الجلبة" التي ذكرها جاك بريفير، والتي تشبه إلى حد بعيد أصوات تحطم الزجاج وانهيار البنايات وغرق السفن واندلاع الحرائق، والتي تكون مشهدية وعالية جدًا إلى درجة لا تسمح لنا بالتفكير في شيء سواها، أو أن نأمل في شيء إلا في إسكاتها، ثم حين تهدأ قليلًا، ننهض لنلملم ما تبقّى لنا من قوة لنستعيد بها سعادتنا الهاربة.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا تفعل السعادة بمفردها؟

بمرور الوقت نتعلّم أن السعادة تنبع من الداخل وليس من الخارج، وأن ما يسبب السعادة في الأساس هو تجلي الذات وازدهارها وتناغمها المثالي الكامل، وأن فقدان السعادة هو فقط فقدان إحدى صور السعادة التي يمكن استبدالها بصور أخرى لا تنضب أبدًا، ونتعلم المثابرة على الاستمتاع بكل هذه الصور رغم ضجيج الجلبة، ونتعلم أن الجلبة تهدأ قليلًا فقط، ولا تنتهي أبدًا، بل تستمر دائمًا مطالبة إيانا باستعادة نفس صورة السعادة التي فقدناها، ثم نتعلم أخيرًا التصالح معها ما دمنا في كل الأحوال نحمله معًا كألمٍ في المعدة يصحبنا أينما ذهبنا.

وبالعودة مجددًا إلى كتاب فريدريك لونوار، الذي طغت عليه شعرية جاك بريفير حتى نسينا أمره، ونحاول أن نجد في كلماته واقتباساته بعض العزاء الذي يعيننا في رحلة يقودنا فيها الحدس نحو سعادة موجودة بانتظارنا.

يقول فريدريك لونوار: "نحن نسعى لأن نكون أكثر سعادة بحذف العوائق الخارجية وليس الداخلية. نحن نكدّ لتحسين رفاهيتنا المادية، ونسعى لكي ننجح أكثر على المستوى المهنيّ، وليعترف بنا أقرباؤنا أكثر، وحتى نكون محاطين بأشخاص يبعثون السرور فينا. نحن نركز كل جهودنا على الخارج ونُهمل الاشتغال الداخلي على أنفسنا مثل معرفة الذات، والتحكم بداوفعنا، وإلغاء المشاعر التي تبعث على الاضطراب أو الثورات الذهنية الخاطئة ".

وفي موضع آخر من الكتاب، يشير فريدريك لونوار إلى "راهنية فعل السعادة" بقوله، إنه "لا يمكن تذوق السعادة الخالصة إلا في اللحظة الراهنة"، ويقدّم لنا الفيلسلوف الإسباني خورخي سانتيانا، تصورًا رائعًا حول هذه النقطة، كان سيضيف كثيرًا إلى الكتاب لو أن فريدريك لونوار انتبه إليه، لكنه لم يفعل للأسف.

حتمية ممارسة السعادة في اللحظة الراهنة، تكون بالعودة إلى النفس والبحث عن الملكة التي بها يواجه الإنسان ما يحدث له

يقول خورخي سانتيانا في كتابه "الإحساس بالجمال"، إنه: "طالما تصوّرنا السعادة كما قد يتصورها الشاعر، أي في حدود عناصرها العاطفية والحسية المباشرة. وطالما كنا نعيش في اللحظة، ونجعل سعادتنا تتألف من أبسط الأشياء مثل التنفس والإبصار والسمع والحب والنوم؛ طالما كنا نفعل ذلك كانت سعادتنا من نفس الجوهر ومن نفس العناصر التي منها تأتلف متعتنا الجمالية، لأن سعادتنا في هذه الحالة تتكوّن في الواقع من متعة جمالية".

اقرأ/ي أيضًا: الفينج شوي.. فن جلب السعادة إلى المنزل

وفي هذا الإطار، يلفت فريدريك لونوار الانتباه إلى حتمية ممارسة التأمل، قائلًا: "تسمح تجربة التأمل الصامت بتثبيت الانتباه من دون تشنج، وبتهدئة الذهن، وإبطاء الدورة المتدفقة للأفكار، ويشحن المرء لنفسه داخليًا".

لكن ماذا لو كانت اللحظة الراهنة نفسها بها من الشقاء ما يكفي لاستحالة مجرد التفكير في السعادة؟ هنا نجد رسالة طمأنينة عبر الكتاب، تقول إنه مع كل ما يحصل لك، فكّر في أن تعود إلى نفسك، وابحث عن المَلَكة التي لديك لتواجه بها ما يحصل. ويؤكد فريدريك لونوار على فكرته، التي تشبه أفكار مدربي التنمية البشرية، من خلال قوله: "فأن تكون سعيدًا يعني قبل كل شيء أن تكون في توافق مع عبقريتك أو مع الجزء الإلهي الموجود فيك".

في السياق نفسه، يذكّرنا كتاب "في السعادة" بكتاب آخر مشهور من تلك النوعية التي تحظى بانتشار واسع بين القراء في أنحاء العالم، وتتصدّر قوائم المبيعات لفترات طويلة، وأعني كتاب الأسرتالية رواندا بايرن الشهير عن قانون الجذب، والذي يحمل عنوان "السرّ"، خصوصًا حين نقرأ الفقرة التالية: "إن المتفائلين ينجحون عمومًا أكثر من المتشائمين في جميع المجالات، وهم بذلك أكثر قدرة على السعادة. ولأن لديهم ثقة في الحياة ويواجهون الستقبل بصفاء، فإنهم يجذبون إليهم أحداثًا و لقاءات إيجابية أكثر من المتشائمين".

إذن تتمثل القيمة الفعلية لكتاب فريدريك لونوار بشكل عام في استجابتنا وجهدنا الشخصي فيما يتعلق بأفكارٍ قرأناها مئات المرات من قبل، وبتنويعات مختلفة؛ لذا فالأمر يعود إلينا لتقرير البدء في تطبيقها، أو بالأحرى في انتقاء المناسب والصالح منها وتطبيقه، إذ إن بعض الأفكار والتمارين الذهنية الواردة بالكتاب من الممكن أن تعود بالضرر لا النفع على مَن سيجرّبها.

القيمة الفعلية لكتاب فريدريك لونوار، تتمثل في مدى جهدنا الشخصي للاستجابة لأفكاره واختيار الأصلح منها للبدء في تطبيقها 

على سبيل المثال، هناك هذا التمرين الذي يستعيره فريدريك لونوار من فلسفة الرواقيين، والذي يقوم على تمثّل حدث كريه قبل وقوعه من أجل تخفيف وقع الحدث مقدمًا، من خلال التهيؤ للموقف المناسب إذا ما وقعت الواقعة، وهو عكس ما يذكره لونوار نفسه في كتاب آخر له لم يترجم إلى العربية، بعنوان "قلب من كريستال"، إذ يقول: "حين يكون قلبك مضطربًا توقف عن تخيّل الأسوأ، لأنك بهذا تخاطر بأن تستحضره من خلال قوة أفكارك، لكن على العكس فكّر في أن كل الأحداث ستنتهي إلى الأفضل وسوف يحدث ذلك فعلًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

أرنداتي روي.. مجتمع المُهمشين درس في السعادة

التنمية البشرية و"الشفاء من ألم الحب".. علاقة شرعية أو وهمية؟