15-يناير-2017

امرأة تبيع الفلافل في القاهرة (getty)

الجوع وما أدراك ما الجوع، هو كائن جبار لطالما دك عروشًا ظن راكبوها أنهم في مأمن من أيدي الشعوب التي تتحول لقوة باطشة إذا وقعت تحت سطوته، نُسبت إليه العديد من الثورات والفورات، اتهمه الكثير من الناس بالكفر، فقالوا إن الجوع كافر، وبرروا لمن يتلبسهُ الجوع جميع الأفعال، حتى الشرع حكم بإعفاء السارق من حد السرقة إذا تمكن الجوع من بلد ما.

الجوع دفع الناس في بعض العصور إلى أكل الكلاب والقطط، بل إن هذا الكائن الجبار دفع الناس إلى اصطياد الضعفاء منهم وأكلهم -خذ عندك الشدة المستنصرية التي حدثت في مصر أثناء العصر الفاطمي مثالًا على ذلك- وأنا عندما أفكر في السبب الذي جعل الإنسان يأكل أمعاء الحيوانات مثلًا أو ما نسميه نحن بالعامية "الممبار" أو الفشة والكرشة، فلا أجد سببًا إلا الجوع، وأظن أنهم وما يشبههم من أكلات، ليسوا إلا نتاجًا للمجاعات.

الجوع دفع الناس في بعض العصور إلى أكل الكلاب والقطط، بل إن هذا الكائن الجبار دفع الناس إلى اصطياد الضعفاء منهم وأكلهم

في العصور السابقة، لم نعرف إلا شكلًا واحدًا للجوع، لطالما تمثل لنا في صورة نُدرة الطعام، الذي ينتج عنه مجاعة، هذه هي الصورة المعهودة للجوع العام.

أما الآن فإننا نعيش في مصرنا الحبيبة نوعًا جديدًا من الجوع، استطاعت أنظمتنا -مشكورة- أن تضيفه إلى قائمة أنواع الجوع، جوعنا يا سادة لا يمتّ لندرة الطعام بصلة، فالطعام من الممكن أن يكون موجودًا بوفرة، ولكنه طعام ملوث أو مسرطن أو غير معلوم المصدر، فقمحنا مسرطن، وسمكنا وليد مزارع تطعمه أحشاء الدجاج، وإذا ذهبت إلى الجزّار لا تدرِي هل سيبيع لك لحم حمار أم حصان أم كلب، وكذلك فإنك إذا جلست لتأكل في أفضل المطاعم، لا تدرِي ما الحيوان الذي يقدم لك من لحمه على المائدة، وهذا شيء ينطبق على عظيم المطاعم قبل حقيرها، والحوادث يضيق بسردها المقام.

اقرأ/ي أيضًا: حين صار الموت خدمة إلزامية

نحن في حصار من الطعام الملوث الذي يحيط بنا من كل جانب، وعلى الرغم من غلاء سعره فإن نفسك لا تطاوعك إلى الامتداد إليه فماذا نفعل؟ علاج السرطان وفيروسات الكبد أصبح من مستلزمات معيشة الكثير من أهل المحروسة.

ذكرني ما وصل إليه حالنا بالشاعر عندما قال:

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول



فهو هنا يقصد أن الإبل تحمل الماء على ظهورها وهي تكاد أن تموت من العطش ولكنها لا تستطيع إليه سبيلا، إن أشفقت على هذة الجِمال فعليك أن تشفق علينا نحن المصريين بصورة أكبر، فالجِمال تحمل هنا ماءً نقيًّا صالحًا للشرب، أما نحن فلا يوجد أمامنا إلا الفاسد أو المسرطن من الطعام أو الماء.

مطالب أي شعب في العالم بالنسبة إلى طعامه يتلخص في أن توفر له الحكومة طعامًا بسعر مناسب

ما أعرفه أن مطالب أي شعب في العالم بالنسبة إلى طعامه يتلخص في أن توفر له الحكومة طعامًا بسعر مناسب، أما نحن فنثقل كاهل حكامنا بطلب آخر إضافي بسيط، وهو أننا نريد طعامًا نظيفًا غير ملوث أو مسرطن، ونريد رقابة حقيقية على الأسواق لنعلم ماذا نأكل، هل من الممكن أن نأكل طعامنا -إن وجدناه- دونما خوف؟.

لاحظ أنني أتكلم هنا عن جوع من نوع خاص تسلل إلى الطبقات القادرة من المجتمع، أما باقي طبقات المجتمع وهي الكثرة الغالبة منه، فتتعرض لأنواع الجوع مجتمعة، وكأنها قد تعاهدت ألا تجعلها تشبع أبدًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مصطفى محمود في السوشيال ميديا.. فيلسوف العامة

مصر.. دفعة جديدة من معتقلي "تيران وصنافير"