حين صار الموت خدمة إلزامية

حين صار الموت خدمة إلزامية

تحت سقف الوطن لـ وليد المصري/ سوريا

لا يُصفّق للقتل، إلّا مناصروه، مهما كانَ لونه أو طعمه أو رائحته، وأنا أُفضّل أن أكون أحد ضحاياه، على أن أصيرَ من جماهيرهِ الغفيرة. اللون هُنا، والطعم، والرائحة واضحة جدًا، إنه بشريّ، سوري لا شك في ذلك.

أُفضّل أن أكون أحد ضحايا الموت على أن أصيرَ من جماهيرهِ المشجّعة

أحاول أن أكتب الآن دونَ أن أنحاز لأحد، بينما الموتُ يشدّني من رئتي، لقد اعتادَ ذلك، أن يملأ حبرَ أقلامنا بالدمِ والجثث والانفجارات التي يلهثُ خلفها، بعدَ أن اصطاد الكثير من الأقلام التي تتابع تنقلاته والـ"تشيك إن" الخاصة به على صفحته الرسمية في الفيسبوك. لقد اعتادوا اللحاق به، وانتظاره على أبواب الصحافة، للترويج له على أنه كائن منقسم انقسامًا كليًا، وتارةً على أنه حياديًا، وتارة أخرى على أنه متجزأ.

اقرأ/ي أيضًا: الصفعة.. من التسامح إلى التمسحة

الحريّة لا تتجزأ، الإنسانية كذلك، والهوية التي باتت مثل كلبٍ يركضُ خلف مصالحه، أيضًا من المفروض أن لا تتجزأ، لكن وبدورنا "إنسانيين جدًا" ومن باب الحريّة المعتّمة التي نؤمن بها، جزّئنا كل شيء، حتى الإنسانية التي نعتبرها دستورنا، قسمناها إربًا إربًا، وبصقنا فوقَ صفحتها الأولى التي تحملُ عنوان الإنسان. الإنسان الذي باتَ عُرضة لأن يدهسه كلّ شيء، الصرصار مثلًا، يا لسخافةِ خَطواتنا!

كتبتُ قبلَ أيام لم تُنس بعد، احذر أن تنظر إلى حلب بحياديّة، لأنها العين، واليوم أيضًا حلب وطرطوس وداريّا وإدلب وحماة، اليوم أيضًا سوريا، إياك أن تنظر لها بعين التجزئة، أو الحيادية ، أو الحقد.

يقول مارتن نيمولر، وهو لاهوتي ألماني، كلامًا يختصر كل ما أريد قوله: "عندما اعتقلوا الشيوعيين لم أبال لأنني لست شيوعيًا، وعندما اضطهدوا اليهود لم أبال لأنني لست يهوديًا، ثم عندما اضطهدوا النقابات العمالية لم أبال لأنني لم أكن منهم، بعدها عندما اضطهدوا الكاثوليك لم أبال لأنني بروتستنتي، وعندما اضطهدوني لم يبق أحد حينها ليدافع عني".

اقرأ/ي أيضًا: الإسلاميون في الجزائر...المجد الضائع

لا حيادية في الموت، هناك قاتل وهناك ضحيّة واضحة، مهما حاول القاتل إخفاء هويتها ستبقى واضحة

جاءت الثورة بيضاء لتنظّف أوساخنا، وها نحنُ صِرنا نزفرُ دناءةً وحقدًا، لا حيادية في الموت، هناك قاتل، وهناك ضحيّة واضحة مهما حاول القاتل إخفاء هويتها ستبقى واضحة، ولاشك أن العالم بأكمله يعرفها جيدًا. كلّ شيء ملوث حولنا، العقول والصحف والكتب والشاشات الكبيرة والأفلام والصور والضحية، حتى الضحيّة استطعنا أن نلوّثها، ونبرر قتلها.

أحاول هُنا أن أتحدّث بلسانٍ سوري دون أي تبعيّة لهذه الصفة، لاشكّ بأننا ضد النظام الذي وظّف الموت في صفوفهِ، واعتبره "الشباب" الذي سيبني هذا الوطن، وأعترف بأنه مزق أحلامنا وأجسادنا، لكن اليوم، ليس لنا سوى أن نتشبّث بالإنسانية مهما كانت مُهترئة، وفي النهاية، أُريد أن أترك رسالة صغيرة لكلّ من يُطلق عليهم "جهاديي العالم"، اذا كانت سوريّا بابٌ للجنة كما تصورونها، لماذا كلّ من يقتني جنسيتها، يعيشُ في الجحيم!

اقرأ/ي أيضًا:

انتخابات الجنوب.. كسر الاحتكار

مصر دولة الإتاوات والبيزنس