تونس.. مرزوق وآخرون في شراك

تونس.. مرزوق وآخرون في شراك "وثائق بنما"

تونس.. مرزوق وآخرون في شراك وثائق بنما(إنكيفادا)

لم تستثن "وثائق بنما" فاعلين ومشاهير في الشأن التونسي. وكشفت الوثائق "تورط سياسيين يباشرون مهامهم حاليًا في الدولة"، التي عرفت ثورة منذ حوالي 5 سنوات، إضافة إلى "مسؤولين في حكومات ما قبل الثورة وما بعدها مباشرة ورئيس مؤسسة إعلامية ومحامين"، حسب تصريحات وليد الماجري، رئيس تحرير النسخة العربية من الموقع الإلكتروني التونسي "إنكيفادا"، لإذاعة "موزاييك" المحلية. و"إنكيفادا" هي إحدى المؤسسات الصحفية التونسية التي اتفقت مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائين، للعمل على هذا الملف.

انطلقت اتصالات محسن مرزوق مع"موساك فونسيكا"، لتكوين شركة في إحدى الجنات الضريبية تهتم بـ"عقد استثمارات مالية والانخراط في أعمال دولية"

وحسب موقع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائين فإن شركاء الاتحاد الإعلاميين من تونس انحصرا في موقع "إنكيفادا" ووكالة تونس أفريقيا للأنباء، الوكالة الرسمية في تونس. كما جاء في الخريطة التفاعلية الخاصة بـ"وثائق بنما"، أن 4 شركات و3 عملاء و5 مستفيدين و25 مساهمًا في شركات سرية/أفشورoffshore companies هو كل ما يتعلق بتونس في هذه الوثائق.

لكن لا معلومات أكثر تروي تعطش التونسيين لاكتشاف فصول أخرى من فصول الفساد في بلادهم يوم الإعلان عن ما عرف بـ"وثائق بنما"، الأحد الثالث من نيسان/أبريل 2016، وتحديدًا خلال 24 ساعة الأولى. أواخر ليلة الاثنين الرابع من نيسان/أبريل الحالي جاءت بالجديد. موقع "إنكيفادا" يعلن أول الأسماء التونسية البارزة المذكورة في هذه الوثائق.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. تعددية بدائل التغيير وتكثيفها

يتعلق الأمر بمحسن مرزوق، العضو المؤسس لحزب نداء تونس، الحزب الأول في الائتلاف الحكومي في تونس اليوم، ومدير الحملة الانتخابية للرئيس الحالي الباجي قائد السبسي والمستشار السياسي السابق له والرئيس الحالي لحزب "مشروع تونس"، الذي وقع تأسيسه في 20 آذار/مارس الماضي.

حسب "إنكيفادا"، انطلقت اتصالات محسن مرزوق مع شركة "موساك فونسيكا"، وهو مكتب محاماة في بنما يقدم خدمات على مستوى العالم تشمل تأسيس شركات في مناطق مجاورة بالخارج مثل "جزرالعذراء البريطانية"، كما أنه يقدم خدمات أخرى كإدارة الثروات. الهدف من الاتصالات كان تكوين شركة في إحدى الجنات الضريبية تهتم بـ"عقد استثمارات مالية والانخراط في أعمال دولية" وذلك في كانون الأول/ديسمبر 2014، أي ما بين جولتي الانتخابات الرئاسية السابقة في تونس.

من خلال الوثائق المسربة من هذه الشركة، تبين موقع "إنكيفادا" أن مراسلات مرزوق مع "موساك فونسيكا" كانت بهدف الحصول على معلومات في البداية، وقد أجاب مكتب المحاماة عن كل الاستفسارات وأرسل إلى السياسي التونسي مجموعة من الوثائق لتفسير وتقديم مختلف العروض المتاحة. ولم يبق لمرزوق إلا الاختيار بين إنشاء شركته في "الجزر العذراء البريطانية" بالبحر الكاريبي أو" أنغويلا" وكلها جنات ضريبية، وحسب المراسلات بالبريد الإلكتروني كان مرزوق مهتمًا بمعرفة الفرق في التكاليف بين "الجنتين".

وتضمنت المراسلات مزايا إنشاء شركة سرية/أفشور في الجنات الضريبية، إذ أن هذه الشركات تستطيع إجراء معاملات مالية في كل البلدان وبجميع العملات كما أن انشطتها خارج الجنات الضريبية معفاة من الضرائب، إضافة إلى عديد المزايا الأخرى.

أُرسلت الأوراق الضرورية لفتح الشركة في كانون الثاني/يناير 2015، لكن محسن مرزوق لم يجب في تلك الفترة ورغم إصرار "موساك فونسيكا" وإعادة تواصلها مع مرزوق في نيسان/أبريل 2015 لكنه لم يتفاعل معها، وهو ما قد يعكس تراجعًا من قبل مرزوق أو انشغالًا بالسلطة حينها أو أسبابًا أخرى لم يذكرها تحقيق "إنكيفادا" وفقًا لـ"وثائق بنما".

لكن بغض النظر عن فتح الشركة في إحدى الجنات الضريبية من عدمه، فإن مجرد التفكير في إنشائها يطرح عديد الأسئلة، أسئلة حول أن يتقدم رجل سياسة مقيم في تونس بطلب فتح شركة في إحدى الجنات الضريبية وهل يمكن أن يدعي أنه يعمل من أجل المصلحة العامة من ينقل جزءًا من أنشطته للخارج؟، خاصة والأمر يتعلق بالأمين العام السابق في حركة نداء تونس، والذي غادر الحزب محدثًا جدلًا واسعًا ومتحدثًا عن رغباته الإصلاحية داخل الحزب وأنه عجز عن ذلك بعد محاولات عديدة، فقرر مواصلة "نهج الإصلاح" من خارج نداء تونس وتحديدًا في حزبه الجديد.

هل يمكن أن يدعي أنه يعمل من أجل المصلحة العامة من ينقل جزءًا من أنشطته للخارج وهو الذي يتحدث عن اختياره "نهج الإصلاح"؟

اشتغل مرزوق في عدة مؤسسات أجنبية ومنها مؤسسة "فريدوم هاوس" وله علاقات متشعبة خارجيًا، كعدد كبير من الساسة في تونس. وكانت وثائق "ويكيليكس"، التي برزت إبان انطلاق الثورات العربية، قد ضمنت اسمه في بعض البرقيات الديبلوماسية ومنها برقية بتاريخ آذار/مارس 2006، ذكر فيها مرزوق أن المرور للفترة ما بعد بن علي بهدوء يتطلب، حسب رأيه، "تقديم ضمانات للمقربين من بن علي"، في إشارة إلى ضمان إفلاتهم من المحاسبة أو العقاب.

بناء على كل ذلك، ربط بعض المتابعين للمشهد التونسي بين العلاقات العميقة لمرزوق مع الخارج وتوقيت انطلاق المراسلات لفتح الشركة، خلال جولتي الانتخابات الرئاسية 2014، ليستنتجوا علاقة بدعم مالي أجنبي خلال فترة الانتخابات قد يكون مرزوق قد حاول عبر هذه الشركة إخفاءه أو التصرف فيه بشكل ما، لكن لا شيء في "وثائق بنما"، حسب الموقع التونسي "إنكيفادا"، الذي اشتغل عليها، يدل على ذلك. وقد أكد الموقع أنه خلال فترة عمله على هذه الوثائق قد حاول التواصل مع محسن مرزوق كما أرسلوا له بريدًا الكترونيًا لكنه لم يجب. وبدورنا حاولنا التواصل مع مرزوق لكننا لم نوفق.

اقرأ/ي أيضًا: عامان في عمر الدستور التونسي.. والتفعيل منقوص!

سويعات قليلة تلت الكشف عن ما تخفيه "وثائق بنما" للسياسي التونسي محسن مرزوق وهو ما يفسر ربما غياب ردود فعل سياسية عن الأمر ما عدا ما ذكره محمد عبو، الأمين العام السابق لحزب التيار الديمقراطي، حزب معارض، على صفحته الخاصة على موقع "فيسبوك" والذي جاء فيه: أن "كل تونسي مقيمًا كان في تونس أو خارجها يرد اسمه في "وثائق بنما" يجب أن يكون محل بحث مع احترام قرينة البراءة والكرامة، وإن لم يحصل ذلك فعلى القضاء أن يعلن أن مشكلته لم تكن يومًا غياب ضمانات الاستقلالية وعلى الجميع التحرك حتى لا نسمح لبلادنا بأن تتحول إلى جمهورية موز".

ويتحفظ الشركاء الإعلاميون للاتحاد الدولي  للصحفيين الاستقصائين على ذكر باقي الأسماء التونسية المذكورة في "وثائق بنما" وهو ما غذى نظرية المؤامرة لدى البعض الذين ذهبوا إلى أن الفريق الصحفي لموقع "إنكيفادا" قد تعرض إلى تهديد أو ضغط ساهم في تأخر خروج المعطيات ذات العلاقة بتونس، لكن رئيس تحرير النسخة العربية من الموقع أكد أن "التحقيق سينشر على أجزاء" وستظهر باقي الأسماء تدريجيًا خلال الأيام القليلة القادمة. وفي الأثناء، يتعرض موفع "إنكيفادا" إلى محاولات قرصنة متواصلة منذ نشر ما كشفته "وثائق بنما" عن السياسي محسن مرزوق. 

لكن حماس البعض لكشف المستور، دفعهم للبحث عن أسماء تونسية في السجل التجاري لبنما عبر الانترنت، وانتشرت أسماء رجال اقتصاد ومحاماة على علاقة بشركات في جنات ضريبية، لكن لم تُثبت "وثائق بنما" أيًا من هذه المعطيات والأسماء إلى الآن. فيما استهان آخرون بالمعلومات المصرحة في علاقة بتونس لقلتها مقارنة بدول أخرى ولتواتر معلومات منذ سنوات عن مشاركة رجال أعمال تونسيين في شركات سرية/أفشور في جنات ضريبية.

يذكر أن العديد من المحامين التونسيين يقترحون على عملائهم مثل هذه الممارسات وهو ما يفسر أن أسماء عدة محامين تونسيين تظهر في الوثائق المسربة، وهو ما دعمه موقع "إنكيفادا" دون ذكر أي اسم من أسماء المحامين التونسيين إلى حد الآن.

خلال السويعات الماضية، شهد العالم احتجاجات وفتح تحقيقات واستقالات إثر الكشف عن تورط بعض الأسماء المعروفة في فساد مالي، وشركات وهمية، وتهرب ضريبي، وصفقات غير مشروعة من خلال ما أتاحته "وثائق بنما" من معلومات، لكن شريحة واسعة من التونسيين الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي لم تبد تفاؤلًا فيما يخص بلدهم. ظهرت وثائق عديدة مسربة، في السابق، على علاقة بفاعلين في المشهد التونسي تورطهم في شبهات فساد ولا يذكر أن أحدهم شمله تحقيق أو عقاب معنوي أو مادي.

وقد بدأت قصة "وثائق بنما" المسربة، قبل عام من الآن، عندما تواصل شخص مجهول مع صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية، وأرسل إلى الصحيفة مجموعة من الوثائق التي تتعلق بمؤسسة "موساك فونسيكا"، وهي شركة مقرها في بنما، وتقوم ببيع شركات سرية تتيح لبعض مالكيها تغطية صفقاتهم الوهمية، وغسل أموالهم، وتسيير أنشطتهم المالية.

وتضم "أوراق بنما" 11.5 مليون وثيقة، وهي  تغطي الفترة من عام 1977 وحتى العام 2015، وتكشف وثائق 214 ألف شركة. وقد نجح الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، بالتعاون مع مؤسسات إعلامية، وبالاعتماد على مختبرات عالمية مختصة في اقتفاء الأموال المهربة وفي تحليل التركيبة المالية للشركات، بكشف تورط عدد من قادة الدول والشخصيات المعروفة الأخرى في تهريب الأموال نحو بنما.

اقرأ/ي أيضًا: 

وثائق بنما.. ساسة الفساد المالي حول العالم

قانون النفاذ إلى المعلومة في تونس:خطوة نحو التعتيم