تونس.. تعددية بدائل التغيير وتكثيفها

تونس.. تعددية بدائل التغيير وتكثيفها

بن جعفر، المرزوقي، الشابي وغيرهم.. من هو البديل؟(فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

لا تكاد حكومة الحبيب الصيد، في تونس، تنجو من أزمة حتى تقع في أخرى. فبعد موجة الاحتجاجات الشعبية، التي عرفتها معظم محافظات البلاد، مطالبة بالحد من البطالة وخلق فرص العمل، تقبل التونسيون بقلق خبر مرض رئيس حكومتهم، الذي قيل إنه "يعود لإرهاق شديد". قبل كل ذلك، خيّمت صراعات قيادات حزب نداء تونس، قائد الائتلاف الحكومي الرباعي، على هذه الحكومة، وهي الحكومة التي عرفت تعديلات وزارية مختلفة، خلال فترة حكمها القصير. أزمات متواصلة تركت انطباعًا لدى عامة الشعب أن تغيير تركيبتها ورئيسها ممكن في أي لحظة، وحفّزت باقي الفاعلين في المشهد السياسي التونسي لتقديم البديل.

"تونس البدائل".. المشروع الجديد لمهدي جمعة

عرفت حكومة الصيد في تونس أزمات متواصلة تركت انطباعًا أن تغيير تركيبتها ورئيسها ممكن في أي لحظة، وحفّزت باقي الفاعلين السياسيين لتقديم البديل

"على بركة الله أودعنا مشروع تونس البدائل"، بهذه العبارات أعلن رئيس الحكومة السابق مهدي جمعة، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، فجر 19 شباط/فبراير 2016، ميلاد مشروعه الجديد. لم يقدم جمعة إيضاحات أكثر عن صبغة المشروع إلى حد الآن، لكنه أشار إلى كلمات عامة ومنها: "مشروع يختزل إرادة للبناء وعزيمة للإصلاح… دون استثناء أو إقصاء… في هذا المشروع مجموعة نيّرة من أبناء تونس وبناتها… مشروعنا منفتح على كل نفس إصلاحي ومبادرة طيبة قوامها الصدق والالتزام".

المتابع للشآن السياسي التونسي يعلم أن "بدائل جمعة" كان منتظرًا، إذ تعددت منذ فترة زيارات رئيس الحكومة السابق إلى بلدان لها تأثير إقليمي ودولي كالولايات المتحدة الأمريكية أو الجزائر وغيرها من الدول، وتنوعت لقاءاته خارج البلاد وداخلها، مع مختلف الفاعلين والمؤثرين.  

بدا أن جمعة يبحث عن دعم سياسي خارجي وداخلي ويخطط لجديد ما، وذلك رغم تصريحاته السابقة إبان خروجه من رئاسة الحكومة في شباط/فبراير 2015، والتي جاء فيها أن لا طموحات سياسية له. وجمعة لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، شغل خلال التسعينيات مسؤوليات في مجال تخصصه العلمي كمهندس بعدد من الشركات الكبرى، ولم يعرف عنه تقلده مناصب سياسية قبل تسميته وزيرًا للصناعة في حكومة العريّض سنة 2013، ثم رشحه الرباعي الراعي للحوار الوطني، باعتبار استقلاليته وكفاءته، لمنصب رئيس الحكومة والذي شغله لمدة سنة تقريبًا.

2 مارس القادم.. تاريخ ميلاد مشروع مرزوق

إثر أزمة القيادات التي عصفت بحزب نداء تونس، سارع الأمين العام السابق للحزب محسن مرزوق إلى الإعلان عن انطلاقه في التأسيس لما وصفه "مشروعًا سياسيًا جديدًا"، مرشحًا تاريخ 2 آذار/مارس القادم للإعلان الرسمي عنه وعن تفاصيله.

وتاريخ 2 آذار/مارس هو تاريخ محفوظ في الذاكرة التونسية، تاريخ تأسيس "الحزب الحر الدستوري الجديد" سنة 1934، من قبل الحبيب بورقيبة وعدد من المنشقين عن "الحزب الحر الدستوري التونسي"، أسسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1920. واختيار التاريخ من قبل مرزوق لم يكن اعتباطيًا بل للإشارة إلى نفس البعد الإصلاحي الذي سلكه بورقيبة سابقًا، خاصة وأن مرزوق وحلفائه المنشقين طالما أكدوا أن النداء انحرف عن إرث بورقيبة إثر تحالفه مع حركة النهضة الإسلامية.

مرزوق، اكتفى خلال ندوات صحافية منذ أسابيع بوصف مشروعه بـ"العصري، المنفتح، والقائم على الحريات وبكونه ليس حزبًا محنطًا"، لكننا نجهل إلى الآن تركيبة هذا الحزب، وهل سيقتصر على المنشقين من حزب نداء تونس، اللذين كوّنوا منذ فترة "كتلة الحرة" في مجلس النواب أم سيعرف حضور وجوه سياسية أخرى.

وفي موقع بعنوان "مشروعنا"، أطلق محسن مرزوق وفريقه، استشارة موسعة، يستطلع من خلالها آراء المواطنين عن ما يقترحوه كأهداف للحزب الجديد وعن الأخطاء التي يجب على الحزب الجديد تجنبها وعن مدى رغبتهم في الانضمام لهذا الحزب. وفتح الموقع المجال للمواطنين لاقتراح إسم للحزب الجديد.

تنسيق متواصل بين القوى الدستورية

خلال الأيام القليلة الماضية، قام رئيس حزب المبادرة الوطنية الدستورية كمال مرجان بعقد عدة لقاءات، رُوج أن بعضها يهدف إلى استقطاب مزيد من الدستوريين في حزبه وإعادة هيكلته. والدستوريون هم السياسيون المنتمون سابقًا لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي المنحل، واللذين يُروج أن لهم من الخبرة والتجربة ما يمكنهم من إنقاذ البلاد في وضعها الاقتصادي والاجتماعي المتوتر.

نجح مرجان في ضم محمد الغرياني، الأمين العام السابق لحزب بن علي، منذ فترة، بعد أن انضم لفترة قصيرة إلى حزب حركة نداء تونس، لكن الصورة قاتمة بخصوص عديد الأسماء الدستورية المعروفة الأخرى، غير أن التنسيق متواصل وبكثافة، إذ قابل مرجان مؤخرًا الوزير السابق منذر الزنايدي، وحافظ قائد السبسي، عن نداء تونس.

وقد لا ينتج عن هذه اللقاءات توحيد القوى الدستورية بالضرورة في حزب واحد، لكنها تؤكد تطور التنسيق بينها للتحضر لأي فرضية تغيير حكومي في قادم الأيام أو للاستحقاقات الانتخابية القادمة ومنها الانتخابات البلدية، المتوقعة نهاية هذا العام.

"منتدى المستقبل".. جديد مصطفى كمال النابلي

المرشح السابق لرئاسة الجمهورية مصطفى كمال النابلي، سجل أيضًا عودته إلى الساحة السياسية من خلال إطلاق "منتدى المستقبل"، منذ أيام قليلة، والذي سينعقد يومي 24 و25 شباط/فبراير الجاري بالعاصمة التونسية، وهو من تنظيم الجمعية التونسية للاقتصاديين ومنتدى البحوث الاقتصادية.

وسيكون هذا المنتدى "فضاء للحوار والنقاش وعرض الحلول الكفيلة بإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية"، حسب النابلي، الذي أكد أنها خلاصة عمل أكثر من 8 أشهر من قبل باحثين وخبراء اقتصاديين. هكذا يعود النابلي إلى المشهد التونسي، من باب الاقتصاد، وهو اختصاصه الرئيسي ولكن أيضًا يقدم نفسه كبديل خلال هذه المرحلة، وهو الذي سبق طرح اسمه عديد المرات سابقًا كمرشح لرئاسة الحكومة.

نجيب الشابي.. العودة؟

أحمد نجيب الشابي، هو إحدى القيادات التاريخية للمعارضة التونسية زمن بن علي خاصة، وهو الذي منّي بخيبة أمل إثر الانتخابات التشريعية سنتي 2011 و2014، فأعلن تخليه عن العمل السياسي الحزبي وأسس منتدى فكريًا، أطلق عليه "سياقات" وموقعًا الكترونيا يحمل نفس الإسم.

ولكن بعد غياب لحوالي سنة كاملة، وتحديدًا منذ الانتخابات الرئاسية نهاية 2014، أطل الشابي مجددًا من خلال رسالة وجهها للرئيس الباجي قائد السبسي، وذلك في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، انتقد خلالها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلاد ووجه بعض النقاط التي يراها قادرة على النهوض بالوضع العام. وفهمت تلك الرسالة، من قبل عديد المراقبين للمشهد التونسي، على أساس كونها منطلقًا لعودة الشابي للعمل السياسي الحزبي، الأمر الذي نفاه الشابي، لكن فرضية عودته ممكنة، حسب الكثيرين، في ظل تواصل تدهور الوضع العام في البلاد.

حلم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الكبير..يعود مجددًا؟

الحديث عن "حزب كبير" يجمع كل القوى الديمقراطية الاجتماعية في تونس، ليس جديدًا. منذ السبعينيات، يطرح هذا المشروع لكن التطبيق غائب، وفي ظل الوضع العام المتوتر، عاد هذا الطرح إلى الساحة من جديد. وقد كان المجلس الوطني لحزب التكتل من أجل العمل والحريات قد صادق في دورة عادية يوم 31 كانون الثاني/يناير الماضي على مبدأ الانصهار في حزب اجتماعي جديد، يجمع "العائلة الاجتماعية الديمقراطية من أجل تصحيح المسار وخلق التوازن السياسي الذي يضمن الاستقرار في البلاد ويساهم في تجاوز خيبة الأمل لدى التونسيين"، حسب نص بيان المجلس الوطني للحزب.

المبادرة لا تقتصر على حزب التكتل، ورئيسه مصطفى بن جعفر، بل شملت أحزابًا أخرى منها التحالف الديمقراطي وأحزاب أخرى ضمن تنسيقية أحزاب المعارضة، التي تتواصل في إطارها المشاورات منذ أشهر لتكوين جبهة موحدة بين الأحزاب الخمسة المكونة للتنسيقية والتي تشمل أحزاب سياسية وشخصيات وطنية مستقلة أيضًا.

أين حراك تونس الإرادة؟

تبدو البدائل المقدمة من رجال السياسة والاقتصاد في تونس، إلى حد الآن، مجرد عناوين وأسماء، مشاريعها عامة ويغيب عنها الوضوح

في 20 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أعلن الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي تأسيسه حزبًا سياسيًا جديدًا، تحت اسم "حراك تونس الإرادة". تحدث المرزوقي حينها عن عجز حكومة الصيد عن مواجهة الوضع المتردي في البلاد. وأشار إلى أن حزبه سيبني برنامجه على أساس رؤية مستقبلية للبلاد تحت اسم "تونس 2056"، تحدد شكل مستقبل تونس خلال الأربعين عامًا القادمة.

يضم حراك تونس الإرادة نشطاء سياسيين حزبيين ومستقلين، كما تم يوم السبت 13 شباط/فبراير الجاري، الإعلان عن اندماج حزب المؤتمر من أجل الجمهورية في الحراك بشكل نهائي، في الأثناء، كغيره من أحزاب المعارضة لم ينطلق الحراك في تقديم بديل واضح، ولا يلاحظ له نشاط بارز في الساحة التونسية بعد.

فتح تأزم الوضع، في تونس، الباب، أمام عودة جماعية لسياسيي البلد ورجال الاقتصاد إلى الواجهة مجددًا. الكل يتحدث عن البدائل أو البديل المرتقب في إشارة إلى ضعف الحكومة الحالية وما تلاقيه من صعوبات لتجاوز المشاكل الراهنة. حضرت البدائل لكنها، إلى حد الآن، لا تزال مجرد عناوين وأسماء، مشاريعها عامة ويغيب عنها الوضوح.

اقرأ/ي أيضًا:

"حراك تونس الإرادة".. الجواد الجديد للمرزوقي

عائلة الديمقراطية الاجتماعية.. مفككة تونسيًا