تحرير سرت.. معركة

تحرير سرت.. معركة "الإخوة الخصوم"

تشكلت في سرت الليبية ثلاث غرف عسكرية متصارعة فيما بينها لمواجهة داعش(فليبو منتفورت/أ.ف.ب)

هل انطلق الليبيون في معركة تحرير سرت التي يسيطر عليها ما يعرف بـ"تنظيم الدولة الإسلامية"؟ الإجابة هي "نعم" ودون تدخّل أجنبي. فمن يقود المعركة إذًا؟ لتكون الإجابة/المشكلة بأنه تشكلت خلال الأيام الماضية ثلاث غرف عسكرية متصارعة فيما بينها لمواجهة "العدوّ" الذي لم يوّحد "الإخوة الخصوم" في النهاية. هو موسم الحجّ إلى سرت على قوافل عنوانها "التحرير" غير أن هدفها ليس رجم "الشيطان" فقط بل قد لا يكون ذلك إلا عنوانا ثانويا في العلن لمعركة أخرى تجري في الخفاء، أو على الأقل غير مُعلنة.

تشكلت في سرت الليبية ثلاث غرف عسكرية متصارعة فيما بينها لمواجهة "العدوّ" الذي لم يوّحد "الإخوة الخصوم" في النهاية

يقتضي اتفاق الصخيرات في ثناياه غير الخفية على الجميع تقليص دور خليفة حفتر، إن لم يؤد إلى إقصائه من الساحة الليبية. ولذلك، كان الجدل في ليبيا حول المادة الثامنة من الاتفاق لأنها تمنح لحكومة الوفاق إمكانية عزل حفتر، وهو ما يرفضه مؤيدوه. ومع قدوم حكومة السراج على فرقاطة بحرية إلى طرابلس وفرض نفسها بالقوّة أمام حكومة الإنقاذ التي رفعت الراية البيضاء بعنوان حقن الدماء، لم يكن إلا خيار فتح جبهة سرت لحفتر لفرض نفسه على الساحة الليبية. ولم يكن هذا الخيار بالتمدّد شرقًا إلا إعلانًا لنواقيس إنذار في مدينة مصراتة (240 كم غرب سرت) الداعمة لحكومة الوفاق.

اقرأ/ي أيضًا: ليبيا والمادة الـ8.. جدل أحجار الزاوية

ولا تزال هذه الحكومة الوافدة على طرابلس في طور التوضيب في انتظار التنصيب وإن بدأت تمارس صلاحياتها منذ أسابيع كحكومة أمر واقع، فهي لم تتحصّل بعد على ثقة مجلس النواب من جهة ولا تزال تتسلّم المقرّات الحكومية في العاصمة واحدًا تلو الآخر بسبب رفض حكومة الإنقاذ لاتفاق الصخيرات والحكومة "غير الشرعية" الناتجة عنه.

ويعتبر المجلس الرئاسي نفسه القائد الأعلى للجيش الليبي بمقتضى الاتفاق المذكور، وهو ما يرفضه رئيس مجلس النوّاب عقيلة صالح الذي يعتبر نفسه الحامل الشرعي لهذه الصّفة. وإضافة لهما، تعتبر رئاسة المؤتمر الوطني العامّ أنها هي صاحبة هذه الصّفة. بذلك، يتعدّد أصحاب الصفة الواحدة في ليبيا اليوم، ويتعدّد معها انقسام المجموعات العسكرية المسلّحة، فكل غرفة عسكرية تعتبر نفسها "شرعية" لتوصَف الغرفة العسكرية الأخرى بأنها "مجموعة مليشيات".

إعلان حفتر بانطلاق معركة سرت قابله إعلان حكومة الوفاق الوطني تشكيل غرفة عسكرية للتحرّك نحو سرت أيضًا. العنوان دائمًا هو تحرير ثالث مدن ليبيا من قبضة "تنظيم الدّولة الإسلامية"، غير أن هذا العنوان لا يقدم صورة كاملة. حيث لاتزال حكومة الوفاق الوطني غير معترف بها في الشرق معقل خليفة حفتر، وبذلك تعود كلّ غرفة ميدانية لقيادة عليا عسكرية مغايرة عن الأخرى. وحتّى حكومة الإنقاذ التحقت هي الأخرى بركب رافعي راية تحرير سرت بتشكيل غرفة عسكرية ثالثة.

يقتضي اتفاق الصخيرات في ثناياه غير الخفية تقليص دور خليفة حفتر، إن لم يؤد إلى إقصائه من الساحة الليبية

اقرأ/ي أيضًا: المحاصصة المناطقية في ليبيا.. الخطر الأكبر

وأما قوات حرس المنشآت في أجدابيا، التي تمثل حجر أساس لأي معركة لتحرير سرت، فقد تمّ عزل قائدها إبراهيم الجضران لرفضه التعاون مع حفتر ودعمه لحكومة السراج. بذلك يحمل كلّ فريق راية تحرير سرت ولكن في غياب تحالف بينهم أو حتى تنسيق ميداني بل على العكس من ذلك. فقد شهدت بلدة "الزلة"، التابعة للجفرة، جنوب سرت، اشتباكات متبادلة بين قوات تتبع حفتر وقوات يقودها زياد بلعم، المحسوب على مجموعات مصراتة (تدعم حكومة الوفاق). كما تمثّل قوات إدريس مادي المتمركزة في الزنتان والداعمة لحفتر خطرًا بنظر قوات مصراتة، أو الدروع، فثأر معركة المطار في صيف 2014 لا يزال حاضرًا.

إنّ الصّراع الحقيقي الذي فشل اتفاق الصخيرات في حلّه لا يزال هو المحرّك للمشهد الليبي، حيث لا تزال عناوين "فجر ليبيا" و"الكرامة" حاضرة فلم تُرفع بعد هذه الثنائية، التي قسّمت البلاد لأكثر من سنتين، في الصخيرات. بدل الحكومة الواحدة، توجد ثلاث حكومات. والبيادق متفرقّة في الرقعة في غياب ملك واحد، وكلّ قلعة تخشى القلعة التي على أقصى جانبها قبل القلعة المقابلة. الجميع يضع يده على الزّناد في ليبيا، فسرت معقل "ثورة الفاتح" في كسبها "فتح" لكل فريق.

فأن ينتصر الليبيون على مقاتلي داعش في سرت فهذا من باب المعلوم، غير أن الخشية هي في انفلات ما يخشاه الليبيون منذ سنتين بحصول المواجهة المسلّحة بين قوات حفتر من جهة وقوات مصراتة وحلفائها من جهة أخرى، لتكون سرت بذلك هي ساحة نزال بين "الإخوة الخصوم" في مواجهة عدوّ قد ينفلت عنهما، والخشية أن تُمزّق سرت بعد طرد العدوّ كما مُزّقت ألمانيا على يد "الحلفاء الأعداء".

اقرأ/ي أيضًا:

هل التدخل العسكري ضرورة حتمية في ليبيا؟

الحرب في ليبيا أم في الإعلام التونسي؟