"ترحال"..سيناء كما يرويها نيكوس كازانتزاكيس

الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس (1883 - 1957)

يوميات رحلات نيكوس كازانتزاكيس التي يتألّف منها كتابه "ترحال"، كان قد كتبها بين عامي 1926-1927 للجريدة اليونانية "اليغيثروس لوغوس"، التي كانت قد دفعت له تكاليف الرحلة كي يزور الأراضي المقدسة في أعياد الفصح عام 1926، وكي يزور مصر في السنة التالية.

كانت رؤية نيكوس كازانتزاكيس للرب في الأدبيات اليهودية والمسيحية شديدة الفرادة والإنسانية

الطريف أن النسخة الأصلية من الكتاب كتبت بالإغريقية الصافية، التي وصفتها السيدة هيلين كازانتزاكيس بأنها "ليست كازانتزاكيسة أبدًا"، لأنها كانت تشبه لغة الصحافة الفجة المحايدة، لذا أدخل عليها نيكوس كازانتزاكيس تعديلات شتى بحيث تكون باللغة اليونانية الشعبية واسعة الانتشار، وأضاف فصلًا عن مدينة موريا العريقة، في نسخة جديدة منقحة من الكتاب نُشرت بعد وفاته كانت عام 1961.

اقرأ/ي أيضًا: رامبرانت.. يوميات المرح والاضطهاد

الجزء الذي يتحدث فيه نيكوس كازانتزاكيس عن مصر من الكتاب، كشف فيه عن ملامحها في منتصف العشرينات من القرن الماضي، حلّل فيه بعض ملامح شخصية الفلاح العربي، الذي كان يجر المياه من نهر النيل بالقادوس البدائي نفسه الذي كان يستخدمه أجداده الأوائل، وكأنه يريد أن يرينا أن الإنسان العربي لا ينفصل عن ماضيه أبدًا.

اكتسبت مقالات كازانتزاكيس فرادتها من نوعية الأماكن التي زارها بناسها وتفاصيلها، وتطورت فيما بعد لتظهر في أحد أعماله التي تستلهم السيرة الذاتية مثل "تقرير إلى غريكو" الذي تأثر به، في أكثر من موضع، بوصفه الفريد لسيناء، وقد تكررت استلهاماته المأخوذة من زيارته إلى سيناء في أكثر من عمل له مثل "الإغواء الأخير للمسيح"، و"الوجد اليوناني"، و"الحرية أو الموت".

من الصعب تأطير الرحلة التي خاضها نيكوس كازانتزاكيس إلى سيناء في إطار واحد، كما لا يمكن أن نقول إنها رحلة ذات طابع وجودي فحسب، بل هي رحلة تأملية إنسانية ومعرفية أيضًا، فعلى الرغم من كون كازانتزاكيس لادينيًّا، إلا أن رؤيته للرب متأثرة بالأدبيات اليهودية والمسيحية، وتأمله لدير سانت كاترين وللكنيسة والرهبان، ولحياة الصحراء، وللأماكن المقدسة التي جرى فيها الحوار المباشر بين الرب والإنسان، وكانت كذلك رؤية شديدة الفرادة والإنسانية، كما أنه عالجها بشكل فني وأدبي، يجعل منها مرآة مفتوحة لأي متأمل ذي طبيعة صوفية، لينهل من تصوراته وتأملاته عنها.

وعلى اتساع تلك الرؤية كانت هناك عدة عناصر واضحة وضوحًا جليًا، ضمن محاولة هادئة لتبسيط تلك الرؤية إلى عناصرها الأولية، وهي الربّ، والمكان، والجماد من كنوز وأحجار وجبال ورمال، والبشر أو الإنسان، والرحلة ذاتها كماعون كبير تجري فيه قصة كلّ شيء.

المعالجة الفنية للرب عند نيكوس كازانتزاكيس تأثرت كثيرًا بالأساطير الواردة في التوراة، وتجلت في حديثه مع السيدة في الحديقة. وبطبيعة الحال لم تكن الصورة الإلهية منزهة عن كل شرٍّ كما اعتادت الديانات أن ترسمها، ولكنها كانت فاعلًا أساسيًا في الحدث، وأعظم وأجمل تجلياتها في قصة النبي صموئيل، النبي العجوز الذي كلفه الرب بالبحث عن ديفيد "ليمسح رأسه بزيت الملك ويجعله ملك اليهود المكرس".

المعالجة الفنية لشخصية الرب عند كازانتزاكيس، تأثرت كثيرًا بالأساطير الواردة في التوراة

كانت قصة النبي صموئيل تبدو في خيال نيكوس وكأنها قصة جديدة تمامًا، مضافًا إليها إنسانيات قد لا تتفق مع السائد عن الأنبياء، فبدت القصة أسطورية، مطعّمة بخيال كازانتزاكيس، فهو يصف صموئيل بالنبي العجوز، الذي يكلفه الرب بالبحث عن ملك اليهود المكرس، وهو واحد من أبناء "جيسي" السبعة. ينوء حمل صموئيل بالتكليف، ويتهم الرب صراحة بإثقاله بالأحمال. التفاصيل في القصة متأثرة بما قيل عن موسى النبي، فهو يكلم الرب صراحة، ويدور بينهما حوار طويل، وهو يأخذ منه التعليمات والعلامات ويهتدي بإشاراته، وهو مصاب بالتأتأة. ومشحون بطاقة غرائبية مستعدة للقتل، لكنه مسلوب الإرادة لتحقيق إرادة الرب.

اقرأ/ي أيضًا: زينة هاشم بيك.. الإرهاب الجميل للشعر

لنبدأ من هدف الرحلة الذي يظهر في الفقرة الأولى من كلامه عن سيناء، بترجمة بديعة جدًا لكل من محمد الظاهر ومنية سمارة (رحلة إلى مصر الوادي وسيناء، الهيئة المصرية للكتاب): "منذ سنوات وسيناء، ذلك الجبل الذي وطئه الله، يلمع في ذاكرتي مثل قمة لا سبيل للوصول إليها. البحر الأحمر، الجزيرة العربية، البتراء، ميناء ريثو الصغير، قافلة الجمال الطويلة التي تعبر الصحراء، الجبال الغادرة الوحشية التي أنَ فوقها اليهود بعدما تاهوا في الصحراء أربعين سنة، وأخيرًا ذلك الدير الذي بُني فوق ذلك المرج المحترق الذي لم يفن ولم يحترق".

الدير والعيش فيه، ومتابعة رهبانه، وكنوزه، وما يحوم حوله من وحوش برية، كان الهدف الأعظم للرحلة، كما كان هدف كازانتزاكيس، صقل خياله برؤية "حِمى الرب" ومتابعته عن كثب، وتذوق معاناة الوصول إليه، في صعود الجبل وهبوطه وفي الرحلة، وحرّها وشمسها ورمالها التي تدخل الفم وتغير طعم الريق. في بساطة رعاتها من أهل الصحراء، وفي ما أسميه بالوحدات الصغيرة التي أحاطت المكان. ولأن صاحب "زوربا" كانت معارفه شبه معدومة عن الحضارة الفرعونية، فقد تخيل وأسقط كل ما هو إغريقي على سيناء، حتى أن رفيق رحلته "كالموهوس" يقول: "لقد ارتكبنا خطأ، ألا ترى؟ لقد جئنا إلى جزيرة إغريقية، لقد جئنا إلى (سفينو)". كانت تلك إشارة إلى ميناء جزيرة سيناء الصغير "الذي يطفو فوق سطح بحرها الأخضر الزوارق الصغيرة الحمراء والصفراء والسوداء، وتكتسي الجبال الأزرق الفاتح والبحر يفوح برائحته العطرية التي تشبه البطيخ الأحمر".

اللغة أحد العناصر التي شغلت كازانتزاكيس في الصحراء، يقول عما تعلمه في رحلته أثناء مرافقتهم للبدو في طريقهم إلى الدير: "تعلمنا بضع كلمات، وهي أهم الكلمات التي لا غنى عنها أثناء إقامتنا مع هؤلاء البدو التي دامت ثلاثة أيام هي: النار، الماء، الخبز، الخبز، الله، الملح". حتى إيقاع الجَمّال المتماوج لعدة ساعات فوق الجِمَال ألهمه فيقول: "أدركت لماذا يقرأ الأناضوليون القرآن وهم يتمايلون إلى الأمام وإلى الخلف، كما لو أنهم يركبون جملًا، فبهذه الطريقة كانوا يتواصلون مع أرواحهم (...) وسوف يقودهم إلى ذلك الفرح الصوفي الصحراوي".

أما ما ذكره في أكثر من موضع عن عادات أهل الواحة فهو مثير للشغف، فيقول: "إذا مررت بواحة نخيل لرجل غريب وأكلت من ثمرها وتركت بذور التمر على شكل كومة حول الشجر، فإن صاحب واحة النخيل سيسر كثيرًا لأنه أحسن لعابر سبيل جائع. لكن إذا وجدت بذور التمر متناثرة بعيدًا عن الشجرة فإن صاحب الواحة، سوف يغضب كثيرًا، ويبدأ بمطاردة اللص، ويثأر لنفسه بشكل همجي من جماله وماشيته".

يعيد كازانتزاكيس هز الجسد إلى الأمام والخلف عند قراءة القرآن، إلى طريقة ركوب الجِمال

نقطة التنوير في النص وجمال الوصف، كانت في اللحظة التي وصل فيها نيكوس كازانتزاكيس إلى الدير "ظهر أمامنا دير سيناء الشهير، مثل حصن منيع محاط بغابات التوت". يقول في موضع آخر: "رأيت أشجار الزيتون، أشجار البرتقال، وأشجار الجوز وأشجار التين، وأشجار اللوز المزهرة الضخمة، دفء لذيذ، أريج وطنين حشرات عاملة صغيرة".

اقرأ/ي أيضًا: "عن الحب والموت".. باتريك زوسكيند في مطبخ الشيطان

داخل الدير كان المكان بسيطًا لدرجة عجائبية، حتى الرهبان في تصوفهم وتعبدهم كانوا أبعد ما يكون عن التعالي وأقرب إلى طفولية المتعبد الزاهد. وكان ذلك متجليًا بوضوح في رسوماتهم التي تحيط بالمكان: "ذهبنا إلى قاعة الطعام بالدير، قاعة ذات أقواس، من طراز بناء العصور الوسطى، بحروف قوطية منقوشة على الجدران الحجرية، (....) و كان الأب باهوميوس قد رسم هذه الجدران بحميمية صادقة وبساطة طفولية، ولا تزال هناك لوحة جدارية رائعة في زاوية من زوايا الغرفة تصور المجيء الثاني للمسيح، وتحت اللوحة يوجد الملائكة الثلاثة الذين يمثلون الثالوث المقدس".

ثم يأخذنا نيكوس كازانتزاكس بلغته الطازجة -التي ستظل تبدو كذلك مهما مر عليها الوقت– إلى تفاصيل الدير، والكنوز التي يزدحم بها، فهو مملوء بالشمعدانات الفضية، والأيقونات الذهبية التي تسمو بالأبهة والفخامة، وتذكارات مقدسة وأردية كهنوتية ذهبية، وزخارف فاتنة ضخمة من الفن البيزنطي. ويرى أن الكنيسة متحف لم ير مثيله في حياته لسير القديسين. حتى المشهد الجليل الذي وصفه كازانتزاكيس وهو على ما يبدو قمة الجمال، حين كان أمام تابوت القديسة كاترين: "أضاء حافظ غرفة المقدسات بالشموع وبدأ يصلي، وبخشوع ديني فتح التابوت الكبير الذي يسجى فيه جثمان القديسة كاترين، كانت يداها مغطاتين بالأساور، والتاج الملكي يزين رأسها، وبشعور عميق، قام كالمهووس المنجذب صوفيًا لهذا المشهد بخلع الخاتم من إصبعه وقدمه هدية للقديسة".

أما المكتبة، وهي آخر وأهم ما حكى عنه نيكوس كازانتزاكس في الدير، فكانت كنزًا من المخطوطات النادرة، والكتب القديمة، حتى أنه قال إنه يمكن لأعمال الكتّاب الإغريق التي لم يُعثر على مخطوطها الأصلية، مثل سوفوكليس وسافر وأسخيليوس، أن تكون موجودة ومترجمة إلى العربية. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

جعفر مدرس صادقي.. كوابيس نهر "زاينده"

"آخذك وأحملك بعيدًا"..رواية عن بؤساء إيطاليا