بلقنة الشرق الأوسط

بلقنة الشرق الأوسط

تجمع للاجئين السوريين في الجبل الأسود (الأناضول)

أكثر من أي وقت مضى، تشير التطورات السياسية والعسكرية في آن واحد، إلى أن منطقة الشرق الأوسط، أو بلدان "الربيع العربي" تحديدًا، ذاهبة إلى بلقان جديدة، يُماثل حتى حد قريب جدًا، ما حصل مع يوغوسلافيا غداة انهيار الاتحاد السوفيتي، أو مشابه لتقسيم السودان، ولا يمكن هنا نفي أن الحدثين حديثا النشأة.

حتى الدول العربية، التي اشتركت في تأسيس جامعتها منتصف أربعينيات القرن الفائت، هي دول حديثة النشأة، أي أنها إلى ما قبل خروج الاستعمار، كانت مقسمة إلى دويلات صغيرة تتبع حكومة مركزية

إلا أنه وفي نفس الوقت يجدر بنا استثناء، تونس ومصر، نظرًا لأن الأولى، كانت المحرك الرئيس للشعوب العربية التي دخلت موكب "الربيع العربي"، والثانية على اعتبار أنها كبرى دول الوطن العربي، والمراجع التاريخية تدل أن الاثنين كان لهما تجاربهما الخاصة، منذ بدء الخلافة الأموية، وحتى خروج الاستعمار، وتشكل الدولة الوطنية الحديثة.

حتى الدول العربية، التي اشتركت في تأسيس جامعتها منتصف أربعينيات القرن الفائت، هي دول حديثة النشأة، أي أنها إلى ما قبل خروج الاستعمار، كانت مقسمة إلى دويلات صغيرة تتبع حكومة مركزية، وبدأ تشكلها الفعلي كدول وطنية مستقلة مع نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي استمرت لسنوات متفاوتة، لكنها لم تتجاوز الثلاثين عامًا، تحاول بناء الدولة الوطنية بمفهومها الحديث، قبل أن تأتي الدكتاتوريات العسكرية، وتقضي على المشاريع الوطنية نهائيًا.

اقرأ/ي أيضًا: هل كان يمكن لحدودٍ مختلفة أن تنقذ الشرق الأوسط

في الوقت الحالي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا لدى باقي دول "الربيع العربي" (سوريا، اليمن، وليبيا)، وهو ما تثبته الوقائع، والتطورات العسكرية يومًا بعد يوم. إذ إن الدول سالفة الذكر، لن نقول إنها تشهد فوضى في السلاح، قدر ما تشهد مشاريع أيديولوجية مختلفة، بدءًا من تنظيم "القاعدة" ووصولًا إلى المشاريع الانفصالية.

وهنا لا يمكن إغفال مشروع تنظيم "الدولة الإسلامية" المُحارب من جميع القوى المتصارعة على الأرض، إلا أن مصير بقائه أو عدمه لا يزال مجهولًا، حتى أن المتحدث الرسمي أبي محمد العدناني، قبل استهدافه من التحالف الدولي، توقع في كلمة مسجلة أن يقضى على التنظيم في (سرت، الموصل، والرقة)، إلا أنه أكد على أن فكرة "الخلافة الإسلامية" لن تنتهي.

وإذ ما أردنا أن نعرج قليلًا إلى الدول الثلاث عينها، نجد أن سوريا تسير باتجاه التقسيم من دون أي نكران، وهذا الكلام قد لا يعجب أصحاب النوستالجيا الطافحة، لأن معظم المؤشرات تقول إن حدود سوريا المعروفة سابقًا بدأت بالانهيار، علمًا أنها -أي سوريا- هي أكثر دول "الربيع العربي" تعقيدًا بين نظرائها.

وتدل المعطيات على أنها ستكون مناصفة بين "سوريا المفيدة" وهي الدولة التي يحكمها بشار الأسد، وتريدها روسيا وإيران، والشمال السوري سيكون مناصفة بين الأكراد، الذين يتصرفون كما لو أن لديهم حكمًا ذاتيًا، وفصائل المعارضة في (إدلب وحلب)، وخصيصًا أن قائد "جبهة فتح الشام"، أبي محمد الجولاني، قال في مقابلته الأخيرة مع قناة "الجزيرة" إن معركة "ريف حماة الشمالي" ستكمل طريقها حتى تسيطر على مدينة "حماة" بشكل كامل، وهنا لا يمكن تجاهل إفراغ "ريف دمشق الغربي" من سكانه، والذي بدأ مع مدينة "داريا"، ولن ينتهي إلا بمبادلة سكان (مضايا والزبداني) في ذات المنطقة، مع سكان (كفريا والفوعة) شمالي "إدلب" المواليتين للنظام السوري.

ويبدو أن اليمن يسير على ذات الخطوة، إذ على الرغم من قيادة المملكة العربية السعودية، لما يعرف باسم "عاصفة الحزم" ومن ثم إعادة الأمل، لم تستطع أن تحدث فارقًا نوعيًا، لأن جماعة "أنصار الله"، أو الحوثيين، الذين تدعمهم إيران، ما زالوا رافضين الرضوخ للمباحثات التي تستضيفها الكويت، ويطالبون بمخاطبتهم رسميًا عبر الأمم المتحدة حصرًا.

أما بالنسبة لليبيا، حذرت أخيرًا إحدى الدول الست الفاعلة في المسألة الليبية، وهي فرنسا من وجود خطر حقيقي لتفكك ليبيا، التي يتصارع فيها حكومة الوفاق الوطني، وميليشيا خليفة حفتر، وأخيرًا تنظيم الدولة.

صحيفة "الصنداي تايمز" البريطانية، أفردت مقالًا مطولًا عن خليفة حفتر، شبهته بقائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي، ووصفته بـ"القذافي الأكثر إنسانية" و"أمير الحرب"، وهو يسيطر على الهلال النفطي الليبي، ما جعله يدخل في صراع مع إبراهيم الجضران، الذي لديه مطامح إنشاء إقليم فيدرالي.

والواضح أكثر أن دول "الربيع العربي" أعادت إنتاج أنظمة الحكم التي ثارت ضدها، لكن في صيغ مختلفة، وزد عليها التدخلات الغربية في عدم ترجيحها لأي من الأيديولوجيات المتصارعة، ورفضها لفكرة غالب أو مغلوب، ما يجعل من إمكانية إنهاء الصراع في الشرق الأوسط، عن طريق استنساخ بلقان جديدة، تحفظ مصالح الأنظمة القديمة، وتؤسس لمصالح لاحقة مع أنظمة جديدة، الحل الأكثر جدية عند الدول الاستعمارية مجتمعًة.

اقرأ/ي أيضًا:
عندما كانت أوروبا تحب الإسلام
أفلام عن الشرق الأوسط لمحبي السياسة