برهان غليون: الدين هو أكبر سدٍّ ضدّ الطائفية

برهان غليون: الدين هو أكبر سدٍّ ضدّ الطائفية

برهان غليون وكتابه

يُكمل كتاب "المسألة الطائفية ومُشكلة الأقليات"  (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2012) هذا العام عامه الأربعين، لمؤلّفه برهان غليون، وهو أُستاذ علم الاجتماع السياسي ومُدير مركز دراسات الشرق المُعاصر في جامعة السوربون بباريس ورئيس المجلس الوطني السوري السابق، حيث صدرت طبعته الأولى عام 1979 عن دار الطليعة ببيروت، وهو رُغم قِدَمِه نسبيًا؛ إلّا أنّه يُعتبر سبّاقًا في تناول المسألة الطائفية من خلال مُقاربة موضوعية ومُعتدلة تعكس الراهن العربي، وتُشخّص مُشكلاته بشفافية، وتُقدّم أنسب الاستنتاجات والتصوُّرات والحلول بواقعيةٍ ودون التطرُّق إلى المثاليات الّتي تُحشى بها كُتب أُخرى تناولت الموضوع نفسه. ورُغم صغر حجمه، حيث يقع الكتاب في حوالي (176) صفحة في طبعته الثالثة الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ولكنّه كثيف وتَخِم من ناحية الأفكار الّتي يطرحها، ويستدعي عدّة قراءات حتّى يتمُّ استيعابه، بالإضافة إلى كونه بادئةً مُشجّعة للاطلاع على مُجمل أعمال المؤلّف ومشروعه الفكري.

يُعتبر كتاب "المسألة الطائفية ومُشكلة الأقليات" لبرهان غليون سبّاقًا في تناول المسألة الطائفية من خلال مُقاربة موضوعية ومُعتدلة تعكس الراهن العربي

يقع الكتاب في أربعة فصول رئيسية، سعى الكاتب من خلالها إلى "تحرير" المسألة الطائفية عن المسألة الدينية، وإرجاعها إلى بُنى اجتماعية وسياسية مُرتبطة بالسُلطة بشكلٍ أساسي، ليدحض الادّعاءات السطحية السائدة حول أنّ الطائفية جاءت نتيجة وجود تعدُّدات مذهبية ودينية، والّتي أسفرت عن اعتبار الطائفية سِمَةً مُلازِمَةً للمُجتمعات المشرقية، وعاهة مُستدامة لا يُمكن التخلُّص منها، وهو يقوم يذلك بتفنيد ورفض مسألة الخصوصية العربية، حيث ينسِب غليون ظهور النزاعات الطائفية إلى غياب الدولة، أي إلى غياب الرابطة السياسية الّتي تُعامل أعضاء هذه الرابطة بتساوٍ تام، دون الاكتراث إلى الامتيازات أو الاختلافات الدينية أو المذهبية؛ فهذه الدولة-الأُمّة لا تُلغي وجود تعدُّديات مُتنوّعة، ولكنّها تُوجِد حيِّزًا جديدًا للتفاعُل بين الأعضاء، وهو الوطنية. ويعتقد غليون أنّ مُشكلة الدول العربية هي الزواج الّذي أُقيم بين مؤسّسات الدولة الحديثة، والهوية القومية أو الإثنية، وهو ما أدّى إلى تفشّي آليات الإقصاء والاستبعاد، والتعامُل بمواجهةٍ مع الآخر بدلًا من المُشاركة السياسية. ويُشبّه غليون الطائفية بالسوق السوداء أو الموازية للسياسة، وطوّر هذه الفكرة في كتابه اللّاحق بعنوان "نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة"، فيقول أنّ الطائفية "تظهر بمقدار ما تفسد سوق السياسة الطبيعية أو يتمُّ التلاعُب بها أو تُلغى" (ص 7-13).

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "عطب الذات" لبرهان غليون.. عطب التصور للدولة السورية

في تحوُّل الجماعات إلى طوائف

يعتقد غليون أن ارتباط مسألة الأقليات بالمسألة السياسية في العالم العربي جاء في أواخر القرن التاسع عشر، عندما حاولت الأقليات غير المُسلمة تأكيد ذاتها من خلال الهجوم على "الذاتية الإسلامية السياسية" في الدولة، ما أدّى إلى ظهور الدولة العلمانية، كتعبير عن التنازل عن هذه الذاتية الإسلامية، وحكمت اللُّعبة السياسية مُنذ ذلك الحين فكرة التمسُّك بالتمايُز الثقافي، وأضحت قضية قومية مُهدِّدةً للاستقرار السياسي للدول. وإنّ العلمانية في هذا السياق تعني مذهبًا سياسيًا يتّبع نظامًا حُرًا، فتكون بذلك بديلًا للثقافية الدينية نافيةً الذاتية القومية (26-31).

يرى غليون أنّه لا يُمكن القول إنّ مُشكلة الأقليات الدينية في العالم العربي تكمُن في توجُّهها نحو التميُّز وإنشاء طوائف مُستقلّة تسعى للإبقاء على ذاتيتها؛ حيث إنّ هذا هو النمط المُعتاد لوجود الأقليات، وإلّا فقدت نفسها كأقلية، ولكن تكمُن المُشكلة في أنّ "يُصبح لهذا التمايُز الثقافي وجود سياسي مُميّز، أي تُصبح الأقلية أو الطائفة حزبًا سياسيًا وقناة للسُلطة". وتستفحل المُشكلة إذا ما ارتبطت الجماعة الأقلية بسُلطة استبدادية أو بكيان أجنبي مُهيمن على المستوى العالمي، لأجل الدفاع عن نفسها أو لأسباب أُخرى. وفي هذه الحالة، يُصبح من السهل على الأغلبية أن ترفُض التمايُز الثقافي لهذه الجماعة الأقلية، وتبرير هذا الرفض مُحتجّةً بما له من نتائج سياسية، حيث أنّه كُلّما استخدمت الأقلية تميُّزها الثقافي كأداة لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية، كُلّما تذرّعت الأغلبية بالحاجة إلى تصفية وجودها السياسي، ولتحقيق مصالح سياسية واقتصادية جديدة، وهُنا تبرز مُشكلة الطائفية، فالطائفية "ليست الدين ولا التديُّن" وإنمّا هي "إخضاع الدين لمصالح السياسة الدُنيا، سياسة حُبّ البقاء والمصلحة الذّاتية والتطوُّر على حساب الجماعات الأُخرى". وبرأي غليون، تبرز المُشكلة عندما تمُسُّ الكيان الاجتماعي، وهي عندما تُصبح الجماعة القومية الكُبرى الأغلبية إلى طائفة، أي أن تُصبح طائفة في سلوكها إزاء نفسها وإزاء الجماعات، بدلًا من أن تكون أُمّة، أو أساسًا للأُمّة، لأنّه هُنا ينشأ النظام الطائفي، وهو ما يُنذِر باحتمالية قيام حرب كُلمّا اشتدّت الصراع. ويطرح غليون سؤاله الأكثر اهتمامًا، وهو: "كيف تحوّلت الجماعة ككُل من أغلبية إلى أقلية سياسية؟"، وذلك انطلاقًا من أنّ الطائفية هي سياسة الأقليات، بغض النظر عن دينها أو علمها. ويعتقد غليون أنّ الأقلية تبرز في المُجتمعات العصبوية الّتي لا تقدر على إنشاء علاقة سياسية مُتفوّقة على العلاقة الأيديولوجية، فهي ليست رابطة قومية توحّدُ التمايُزات وتفتح الانغلاقات، دون أن تقوم بإلغائهما (ص 38-40).

يرى غليون أنّ دور الأقلية الأكثر تأثيرًا يكون بارزًا عندما تنخرط في لعبة الصراع على السُلطة، حيث تدخل في أحلاف أو ائتلافات

يستنتج غليون إذًا أنّه "لا تنشأ مُشكلة الأقلية إلّا عندما تكون هُناك مُشكلة أغلبية، أي عندما تعجز طبقة اجتماعية واسعة عن تحقيق مواطنيتها في الدولة، وتفشل في تغيير هذه الدولة فتنكفئ إلى حلّ مُشكلتها، ليس على صعيد المُجتمع السياسي، لكن على صعيد المُجتمع المدني، أي في إطار السُلطة الّتي تملكها والواقعة غير الرسمية". (ص 45-46) ويرى كذلك أنّ دور الأقلية الأكثر تأثيرًا يكون بارزًا عندما تنخرط في لعبة الصراع على السُلطة، حيث تدخل في أحلاف أو ائتلافات، وإنّ الصراع والتفاهم بين هذه الأقليات وبين الأغلبية هو جزء من هذا الصراع، أي بين "أغلبية اجتماعية وأقلية حاكمة". وليس هُناك حل سهل وسحري لمُشكلة الأقليات برأي غليون، كالاعتراف أو عدم الاعتراف بحقوق الأقليات، ولكنّ الحلّ الحقيق يكمن في العلاقة بين السُلطة والجماعة، وهذا هو ميزان القوى الاجتماعي الّذي ترتكز عليه السُلطة، الّذي إن تعارضت معه تكون قد هدّدت بنُكران ذاتها وبإمكانية ظهور بديل عنها (ص 54-55).

اقرأ/ي أيضًا: برهان غليون يقدم سيرة شخصية لـ"وقائع ثورة لم تكتمل"

الدين عائق أمام الطائفية

يُجادل غليون، على عكس ما هو سائد، أنّ "الدين هو أكبر سدٍّ ضدّ الطائفية"، فهو يقف أمام تفتُّت الجماعة وتصفية الأقليات من خلال إدانته للتمييز الموروثة العرقية أو الجنسية، وهو الّذي يُنشئ الشعور القومي العربي، أمّا أوروبا فلم تقم فيها دولة على أساس المُعتقد والأخلاق الّتي تمنع وجود أيّ تمايز إلا بين الفكر والإيمان، ويرى أنّ العناصر الدينية والقومية المُختلفة هي ما تكوّن المُجتمعات، وإنّ هذا التكوين الّذي يتجدّد بشكل مُستمر هو "إعادة توزيع" لهذه العناصر، وبالتالي يضحى وجود أُمّة مُتجانسة فكرة ً مُخترَعة في القرن التاسع عشر من قِبَل الأيديولوجيا القومية الأوروبية، والّتي أتت لتُعمّق الروابط الضعيفة بين الجماعات المُختلفة، وهو ما يتناقض في أساسه مع فكرة القومية، الّتي ما كان ليكون لها أيّ حاجة فيما لو كانت المُجتمعات جد مُتجانسة، وبالتالي يجب عدم المُبالغة في إشكالية الأقليات. ولكن، عربيًا، يكون اللّافت أنّ "المسيرة التاريخية تبدو هُنا مقلوبة"، فبدلًا من أن تسير المُجتمعات العربية باتّجاه التجانس والاستيعاب، فإنّها على العكس من ذلك تسير نحو التفتُّت والتبعثُر، ويتّضح أنّ المُشكلة تتعلّق بعُنصر أساسي، وهو تكوين الأُمم أو تفتُّتها، أي بتطوّر تاريخي لهذه الأُمم، فهي مُشكلة سياسية لا يصح اختزالها في مُشكلة التعصُّب الموجود عند دين ما من حيث هو غير مُتغيّر أو ثابت. (ص 42-44) ويرى غليون أنّه "تقلّ أهمية الاستعمال السياسي للدين، بقدر ما تزداد الوسائل السياسية للتعبير عن المصالح الاجتماعية فاعلية وحيوية.، فباطنية الرفض تعكس إلى حدٍّ كبير ظاهرية القمع" (ص 55-56).

تقسيمات جماعية انعزالية

ساهم الغرب، بحسب غليون، بإثارة مُشكلة الأقليات الدينية، وذلك منذ القرن السادس عشر في محاولاته التدخُّل في المنطقة، وحتّى خلال القرن التاسع عشر حين سُمّيت هذه المُشكلة الّتي باتت عالمية "المسألة الشرقية"؛ وذلك من خلال مُحاولاتها فرض حمايتها الأقليّات الدينية في الدولة العُثمانية؛ فمُنِحَت امتيازات لقِيامها بهذا الدور من قِبَل الدولة العثمانية، وهو ما أدّى إلى نتائج على مُستويات عِدّة، منها اقتصادية تتعلّق بانتقال مُعظم التعامُلات التجارية إلى يدّ الأقليات الدينية، خاصةً المسيحية منها واليهودية؛ ومنها اجتماعية وهي العزل الاجتماعي لجماعات دون غيرها، ومنها العزل الثقافي، حيث انعزلت الأغلبية الإسلامية من خلال تحوُّلها إلى أقلية ثقافية؛ بالتّحديد بعد إبعاد الدين عن تكوُّن الدول العربية وعجز الفكرة القومية عن تشكيل وعي جماعي، ما أسفر عن تعميق الدين في السياسة، ما أدّى لاغتراب مُزدوج لكُلٍ من الجماعة الدينية والدهرية، فبدت الدهرية وكأنّها تفرِض سُلطة تتعامل مع الأجنبي وتتهاون معه؛ حيث ارتبطت العلمانية بظاهرتين أدّتا إلى تحويلها من قومية دهرية إلى روابط ذاتية تُغذّي الانقسامات الطائفية، فالظاهرة الأولى هي الاستعمار، حيث استخدم المُستعمِرون الدعوات العلمانية ليتمكّنوا من السيطرة على البلاد، والظاهرة الثانية هي الحداثة، الّتي كانت علمية في وسائلها، وعلمانية في نظامها الاجتماعي. وكذلك، حصل عزل سياسي، حيث بقيت الأقليات هاشمية من حيث قُدرتها على اتّخاذ قرارات والمُشاركة في السُلطة (ص 59-98).

ما الطائفية؟

يعتبر غليون أنّ الطائفية تقوم على أساس الاستخدام السياسي للدين، ويُحذّر من الخلط بين الدين والطائفة. ويقول نصًّا أنّ "الطائفية هي الوليد غير الشرعي للدهرية، أي للانفصال الطبيعي للدين عن الدولة"، ويُلاحظ أنّه في ظلّ الطائفية، تتدهور الحضارة، ويصفها بأنّها المادّية الحقيقية والفعلية الّتي لا حدود لها، فهي تستخدم التُراث لتحقيق أهدافٍ خاصة. ويُلاحظ كذلك أنّ المُتحمّسين للطائفية هم المُنكرين للدين الّذين لا يؤدّي الدين إلى تغيير سلوكهم في الحياة اليومية، وأنّ ما يقومون به هو فعل سياسي محض. والطائفية، من وجهة نظر غليون، هي "التعبير السياسي عن المُجتمع العصبوي، الّذي يُعاني نقص الاندماج الذاتي والانصهار"، وتكون الطريقة الوحيدة للتواصل هي من النوع الصراعي، فيضحى المُجتمع فاقدًا لأي إجماع كان، سياسي أو أيديولوجي أو اقتصادي أو اجتماعي (ص 101-104).

الطائفية بين الأقلية والأغلبية

يعتقد غليون أنّ التبعية الموضوعية في العالم العربي على المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية ستؤدّي إلى مزيد من التفكُّك، إلى استفحال العصبيات بين الأقليات الدينية والقومية، وبين الجماعات المُختلفة الّتي تنتمي إلى دين واحد، وهو ما يُمكن مُلاحظته بشكل قوي في حالة لبنان، بحيث لم تعُد الأغلبية واضحة بسبب الانقسامات الداخلية الّتي يُعاني منها كُل فريق، وتتحوّل السُلطة المركزية إلى دولة طائفة، إمّا طائفة دينية أو عشائرية أو إقليمية أو غير ذلك (ص 105-106).

يُجادل غليون، على عكس ما هو سائد، أنّ "الدين هو أكبر سدٍّ ضدّ الطائفية"، فهو يقف أمام تفتُّت الجماعة وتصفية الأقليات من خلال إدانته للتمييز الموروثة العرقية أو الجنسية

ويرى غليون أنّ موضوع الأقليات لا ينفصل عن موضوع تكوين الأُمّة، فالمُناداة بتجاوز العصبوية وإنشاء تيّار قومي هو ما سيُساهم في طمس الحساسيات الطائفية، وبالتالي لا يكمُن حلّ مسألة الطائفية في العلمانية أو المساواة، ولا في دعوات التسامُح، ولا في إقرار القوانين المُحدّدة للحقوق وللواجبات، وإنّما بتغيُّر السُلطة، وباستيعاب الدولة للتحوّلات بين القوى الاجتماعية، وبعلاقة الأفراد في المُجتمع بالدولة. ويرى غليون أنّه "بقدر تحوّل الدولة إلى دولة-عصبة دينية أو علمانية حديثة أو قديمة، تتكوّن عصبويات مُقابلة، وتتحوّل إلى أشباه دول موازية تبدأ كمركز للدعوة الأيديولوجية لتُصبح تنظيمًا، وفيما بعد، جيشًا ومؤسّسةً كاملةً شبه قومية". (ص 120، 123)

اقرأ/ي أيضًا: برهان غليون: الرهان دائمًا على الشعب

المُجتمع الطائفي

يُجادل غليون أنّ هُناك مفهومين للأُمّة، الأول "يربط بين الجماعة الثقافية والجنسية المُتميّزة وبين قيام دولة مُرتبطة بها جُغرافيًا"، أمّا الثاني فيفهم الدولة القومية على أنّها "الدولة الّتي تُعبّر عن مصالح الجماعة أو الجماعات الّتي تتكوّن منها، فتكون الدولة قومية عندما لا تمثّل احتكار فئة اجتماعية للسُلطة ضدّ الفئات الاُخرى". ويجد غليون أنّ مُشكلة الخلط بين قيام دولة لجماعة ذات ثقافية وجنسية واحدة يُشير هو نفسه إلى بناء دولة قومية تعكس مصالح مُختلف الفئات، هو ما أعطى الأولوية إلى العامل الثقافي عند الحديث عن الأُمّة، ولكن يرى غليون أنّ مسألة السُلطة هي الّتي تُحدّد الثقافة وهي ما تسمح بنشوء دولة وأُمّة. ويجد غليون أنّ "الدولة-الأُمّة، أي الدولة القومية فعلًا، لا يُمكن أن تقوم إلّا إذا كانت دولة لا تبني شريعتها على تحقيقها للمُطابقة والتماثُل الثقافيين للجنس أو للعرق، بل على دعوة اجتماعية قابلة للتّحقيق ولتقديم الحلول والوسائل الكفيلة بتنظيم الحياة الاجتماعية وتقدُّم الجماعة" (ص 127-144).

ويعتقد غليون أنّه لكي تنشأ الأُمّة، يجب أن تنشأ ثقافة عُليا مُشتركة، والّتي لا تتبلوّر إلّا مع نُخبة ترتبط بالسُلطة، والّتي لا تُلغي الثقافات الدُنيا وإنّما تجعلها ثقافات فرعية، وتكون وظيفتها الأساسية هي تحقيق شرعية السُلطة المُستنِدة إلى الإجماع الثقافي كإطار لتحقيق الهوية الّتي تُمثّل شرطَ الإجماع السياسي، كون المواطنة ترتبط بعُنصُري الإجماع الثقافي والمُشاركة السياسية (ص 144-153).

ويُثمّن غليون وجود ثقافة عُليا يتجاوز من أجلها الأفراد عن ثقافتهم الدُنيا، وبأهمية وجود دولة مركزية تصون المصالح العٌليا وتنأى عن المصالح العصبية، وغياب هذين سيتسبّب بقتل الديمُقراطية وبزوال الإجماع الثقافي، ويكون الاستبداد هو البديل. إنّ فُقدان الإجماع السياسي هو ما يمنح قيمة للتمايُزات الموروثة ويوظّفها في الصراعات الطائفية (ص 154-159).

اقرأ/ي أيضًا: برهان غليون: ابتعدنا كثيرًا عن حلم الديمقراطيّة

خِتامًا، لا تكمُن أهمية هذا الكتاب في زخم الأفكار الّتي استعرضها فقط، وإنّما تتجلّى فيما أحدثه من تأثير عند أهم المُنظّرين حول الطائفية في العالم العربي، نذكُر منهم عزمي بشارة، الّذي أثنى على هذا الكتاب في كتابه بعنوان "الطائفة، الطائفية، الطوائف المُتخيّلة"، حيث يتقاربان معًا في كثير من الأفكار حول هذا الموضوع، ليُشكّلا مًعا توجُّهًا في الفكر العربي المُعاصر حول مسألة الطائفية، من حيث ربط علم الاجتماع بالفكر السياسي.

 

اقرأ/ي أيضًا: