الوجه المظلم للاقتباسات

الوجه المظلم للاقتباسات

من تويتر

يُعَرَّفُ الاقتباس بأنه "أخْذُ نَصٍّ عن مؤلف ونقله بتصرفٍ من دون التقيد بحرفيته"، ويقسم الى: المباشر، وغير المباشر، والجزئي، وإعادة الصياغة. ويُستخدمُ للاستشهاد العلمي بنصوصِ وأفكارِ الآخرين أو نقدِها، أو توضيحِ الخطأ فيها، وأحيانًا للتعريف بالكُتاب ونتاجهم مثلما يحصل في مواقعِ التواصلِ الاجتماعي.

الاقتباس من نصوص الآخرين عملية خطيرة إذا ما قام به قارئ سطحي

الاقتباس من نصوص الآخرين لأي غرض كان هو عملية خطيرة، وخصوصًا إذا ما قام به قارئ سطحي، والذي اقْتُبِسَ منه مُتَخَصِّص في عالَمِ الكتابة والبحث العلمي، فعند ذلك سنحصل على بضاعة مُزْجاةٍ من الاقتباسات التي نَقَلَها عَمَّنْ كتبَها فعلًا والذي قد يكون في سياق مناقشةٍ لفكرةٍ لم تَنْضُجَ بعد، أو يقتطفها من نصٍ طويل لم يفهمه بشكلٍ دقيق، مما يؤدي إلى خلق صورة مشوهة عن الكاتب، وأكثر ما يحدث ذلك في عالم الأدب، وهو يحسبها صورة جميلة، عكس القارئ المتعمق الذي يتأمل النص ويذوب فيه ليخرج بجواهر استقرت في لُجَجِ النص العميقة، ورُبَما غابت عن الكثيرين.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة معاوية عبد المجيد

في أحد الأيام، كنت داخل مكتبة كبيرة متخصصة لبيع وشراء الكتب المستخدمة، وليس لصاحبها أي حظ من المعلومات التي يحتاجها لمزاولة مهنته، فهو يبيع الكتاب حسب "سمنه" كأنه خروف، أو حسب الدهشة التي لاحظَها لدى الزبون، فيختار سعرًا مرتفعًا لأنه اكتشف أهمية الكتاب من خلال الذهول الذي ارتسم على وجهه.

حينما دخل شاب يسأل عن رواية "الجريمة والعقاب" للكاتب الروسي دوستويفسكي، ما كان من أحدهم وقد كان يقف في زاوية مِنَ المكتبة إلّا ان هزَّ يده واقترب من السائل وقال له: "وهل تعرف ماذا يقول دوستويفسكي عن نبيك محمد"، ثم أخذ الرواية من يده بعد أن عثر عليها، وبحركة واحدة فتح الكتاب على الصفحة  محل الشاهد وكأنه يحفظ رقمها وترتيب الجملة بين سطورها: "تفضل اقرأ"، فقرأ الشاب: "جميع المؤسسين والمُشرعين في تاريخ الإنسانية من أقدمهم الى أحدثهم، مرورًا بأمثال ليسورجوس وسولون ومحمد ونابليون وغيرهم يمكن أن يوصفوا جميعًا بأنهم مجرمون". (الجريمة والعقاب: ص421). ذُهِلَ الشاب وأرجع الكتاب إلى مكانه وامتقع وجه صاحب المكتبة ودَمْدَمَ بكلمات لم أفهمها، أمَّا أنا فبقيتُ صامتًا من فَرْطِ الدهشةِ مِنْ هذا الحوار الذي انتهى إلى هذه النتيجة البليدة، إذ نَسَبَ هذا الرجل كلام راسكولينكوف المجرم الذي قتل العجوز المرابية وأختَها إلى دوستويفسكي المسكين، مُقْتَطِعًا سياق الكلام الذي هو عِبارةً عن مَقالٍ كتبه راسكولينكوف أيام الجامعة واستشهد بهذا المثال محاولًا تبرير جريمته!

فهنا أصبحَ هذا الشاب ضحية من ضحايا الوجه المظلم للاقتباسات، وقد حُرِمَ مِنْ قراءةِ روايةٍ عظيمةٍ صُنِّفَتْ من ضمن أفضل مئة رواية عالمية في التاريخ، وذلك نتيجة للاقتباسات غير الدقيقة والقراءات السطحية التي تحفل بها صفحات التواصل الاجتماعي، وهذه هي احدى مشكلات الاقتباسات التي تسيء إلى الكاتب أكثر مما تحقق عملية الإشهار والدعوة إلى قراءة نتاجه، فغالبًا ما إن يُقْتَطَعَ النَصُّ عن سياقه إلّا وتحول إلى عكس ما أرادَ الكاتب. قراءة الاقتباسات أشبه بقراءةِ نتيجةٍ لمعادلةٍ رياضيةٍ معقَّدةٍ مُجَرَّدةٍ من خطواتها، فما بالك إذا كانت النتيجة التي يقتبسها القارئ خاطئة ولم يتبنها المؤلف أصلًا!

مثلًا يشتهر اقتباس للدكتور علي شريعتي مأخوذ من أحد كتبه، ونَصُّ الاقتباس يقول: "أنتَ الذي تحمل راية الإصلاح وهداية الناس والمجتمع هل أصلحت نفسك أولًا". ولو توجهنا بهذا السؤال إلى أغلب المصلحين في العالم بما فيهم شريعتي صاحب العبارة، فلرُبَما كان الجواب بالإجماع: "أنا لم أصلح نفسي بل في سعي دائب لإصلاحها". إذًا، العبارة بهذا الشكل أشبه بالأفيون الذي يخدر الناس عن أداء واجباتهم الاجتماعية والمساهمة في عملية الإصلاح بشتى أشكاله، ولا يقوموا بأداء وظيفتهم هذه إلّا بعد أن يتأكدوا من إصلاح أنفسهم، ولرُبَما لا يكونُ ذلك إلّا بعد قرنين من الزمن!

لو رجعنا إلى سياق العبارة التي كتبها شريعتي لاتضحَ لنا المعنى الحقيقي لهذه العبارة، والتي وردت في كتابه "الشهادة" بهذا الشكل: "أليس ممكنًا الوصول الى الله بغير الجهاد؟ هناك واجبات أخرى هل أدَّيتها؟ هناك الصلاة وشروطها وآدابها هل تعلمتها وعملت بها؟ إن الصلاة هي عمود الدين، أما الجهاد فهو نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! ثم إنك أنتَ الذي تحمل راية الإصلاح وهداية الناس والمجتمع، هل أصلحت نفسك أولًا". (الشهادة: ص 95).

يتكلم شريعتي عن وعاظ السلاطين، وأساليبهم الشيطانية في تثبيط المجتمع ووأدِ الثورات، حتى يُسَوِّغوا أمامَ جُهّالِ الناسِ طُغيانَ الُحّكامِ وفسادهم من خلال بث هذه المغالطات التي تجعل الناس تعيش بحالة سيزيفية بدعوى إصلاح النفس!

من الخطأ أنْ نقيّم الكاتبَ عن طريق ما ينشَر له من اقتباساتٍ ونحكمُ عليه وفقًا لذلك

تحول شريعتي بهذا الاقتباس الساذج إلى شخصية وعظية مثل هؤلاء الذين صَوَّبَ إليهم سهام انتقاده. ثم إن هناك ظاهرة بدأتْ في اجتياح مواقع التواصل الاجتماعي وهي كتابة نصوص تُذَيَّلُ بأسماء كُتَّابٍ كِبارٍ، والغاية من ذلك هو ان يأخذ هذا النص حَيِّزًا واسعًا من الانتشار، وأن يحصل على الكثير من التفاعل والمشاركات، فنجد عبارة غارقة بالسطحية تُنْسَبُ إلى فيلسوف ونجد عبارة مبتذلة تُنْسَبُ إلى شاعر، بينما نجد عبارة تَرْشَحُ منها الإنسانية تُنْسَبُ إلى دكتاتورٍ ما. وبعد أن يأخذ النَصُّ صداه يَعْمَدُ المُقْتَبِسُ إلى كتابة اسمه الحقيقي تحت النَصِّ بعد أن نال رضى الكثيرين، لأن الناس تهتم أحيانًا بشخصية الكاتب أكثر من كتاباته.

اقرأ/ي أيضًا: 5 مجموعات أساسية في تاريخ قصيدة النثر العربية

أضِفْ إلى ذلك فإنّه لمن الخطأ أنْ نقيّم الكاتبَ عن طريق ما ينشَر له من اقتباسات ونحكم عليه وفقًا لذلك، أو نظن أننا فهمنا الكتاب على أساس ما يُنْشَرُ مِنهُ من كلماتٍ مُقْتَطَعَةٍ، فهي إنْ نُقِلَتْ بأمانةٍ فإنها تُعَبِّر عن فهم القارئ ومستواه وذائقته لغرض التعريف بالكاتب، وهي أيضًا أشبه بالدعوة المبطنة لقراءة نتاج هذا الكاتب ليس إلا، وهو أمرٌ حَسَن إذا لم يجئ بكلمات يريد أن يحتج بها الكاتب على خصومه أو يسخر من أفكارهم وإذا به ينسبها للكاتب نفسه، أو أنه لا يفرق بين شخصيات الرواية وشخصية الكاتب نفسه، أو لا يفرّق بين الكلمات التي تنتج عن الضحية وكلمات المجرم. فيحصل مثل الذي حصل مع صاحبنا الذي كَفَّرَ دوستويفسكي واتهمه بانه أحد أقطاب الماسونية. جَرَّبوا أن تقرأوا هذا الاقتباس المأخوذ من أجمل قصص أنطوان تشيخوف بعنوان "الشقاء": "والأفضل أن يتحدث مع النساء، فهؤلاء وإنْ كُنَّ حَمْقاوات يُوَلْوِلْنَ من كلمتين". بالتأكيد لو حكمتم عليه الآن من خلال هذا النص لاتَّهَمْتُموه بالمتخلف والذكوري، وانقضضتم عليه بالشتم والتسقيط دعاة الـ"فيمنست"، ولكن حتمًا ستغيرونَ آراءَكم لو عرفتم أنَّ هذه العبارة جاءت في القصة، وهي تصف حال الحُوذي أيونا الشخصية الرئيسية فِيهَا. فما أكبر الإساءة التي نُلْحِقُها بالكُتّابِ حينما نجعل كتاباتهم "عِضين".

 

اقرأ/ي أيضًا:

هاروكي موراكامي في "قتل قائد الفرسان".. الأدب والسحر

ماذا أبدعتَ أيها الأديب حتى تستحق اهتمام النقاد بك؟