الموت جوعًا في 2016

الموت جوعًا في 2016

طفل يمني (Getty)

أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراته من حدوث مجاعة في اليمن، وقال إن هناك عشر محافظات يمنية تعاني من انعدام الأمن الغذائي وإن هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء. اليمن ليس حالةً استثنائيةً في هذا الصدد، فبحسب إحصائيات برنامج الأغذية العالمي هناك أكثر من ثمانمئة مليون إنسان لا يجدون طعامًا كافيًا، هذه الإحصائية تتوزع على جنوب وغرب آسيا ومنطقة أفريقيا، ويتسبب سوء التغذية في وفاة حوالي 3.1 مليون طفل دون سن الخامسة كل عام.

بحسب برنامج الأغذية العالمي، هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء

أن يموت الملايين جوعًا في القرن الحادي والعشرين مفارقة مؤلمة تستحق التوقف مليًا عندها، فالإنسان الذي تذللت الأرض لسلطانه وأخرجت له أثقالها من الثروات والكنوز فشل في توزيع هذه الثروات بالعدل والقسط بما يضمن الحد المقبول من العيش الآدمي الكريم على هذه الأرض.

ليس ثمة ندرة في الموارد، هناك في العالم ما يكفي من الغذاء لكل إنسان ليحصل على التغذية التي يحتاجها من أجل حياة صحية ومنتجة وفق حسابات برنامج الأغذية، وفي الوقت الذي يموت فيه فريق من الناس جوعًا يموت فريق آخر تخمةً وشبعًا، المشكلة ذات طابع أخلاقي تتعلق بسلوك الهيمنة والاستعلاء الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء والرغبة في الاستئثار بالثروات بما ينتج توزيعًا مخلًا في العالم. الاعتبارات الأخلاقية غير حاضرة في حسابات المتنفذين سواء كانوا دولًا عظمى أو أنظمةً محليةً استبداديةً أو شركات ربحيةً جشعةً، لذلك من الطبيعي ألا تمثل مأساة الجوعى عبر العالم مشكلةً مؤرقةً تدفع الأقوياء إلى الاجتماع وبحث سبل حلها.

في كتاب يحمل اسم "صناعة الجوع.. خرافة الندرة" صدر في بداية الثمانينيات، وهو كتاب يظهر توجهه من عنوانه يرى مؤلفاه فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز أن العديدين يعتقدون خطأ بأن العدالة لو صارت لهـا الأولـويـة فسوف تتم التضحية بالإنتاج، ولكن العكس هو الصحيح، فالعالم فيه ما يكفي من الغذاء لكل فرد، فهو ينتج يوميًا رطلين من الحبوب أي أكثر من ثلاثة آلاف سعر حراري وبروتين وفير لكل رجل وامرأة وطفل على الأرض وهذا التقدير أكثر مما يستهلكه شخص في أوروبا الغربية، فإذا وضعنا في الاعتبار ملاحظة الفروق بين الإنتاج الحالي والإنتاج الممكن، فإنه في كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يزرع سوى أقل من 25% من الأراضي التي يمكن زراعتها، وأن العقبات أمام تحرير الطاقة الإنتاجية ليست في معظم الحالات فيزيائيةً بل اجتماعية فحيثما تكون هناك سيطرة غير عادلة وغير ديمقراطية على الموارد الإنتاجية فإن تطورها يعاق.

ويرى الكتاب أنه في معظم البلدان التي يجوع فيها الناس يسيطر كبار الملاك على معظم الأرض، وقد أظهرت دراسة عن 83 بلدًا أن 3% من ملاك الأرض فقط يسيطرون على نحو 79% من كل الأرض المزروعة، لكن هؤلاء الملاك الكبار هم الأقل إنتاجيةً، فالأرض التي تحتكرها قلة تعاني حتمًا من قلة الاستخدام.

مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها

يذهب الكتاب أبعد من ذلك فهو يكشف بالأمثلة والحقائق كيف أن الدول العظمى تستعمل الغذاء كسلاح سياسي، فقد قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً عندما انتخبت حكومة تهدد مصالح الشركات الأمريكية الكبرى، وفي عام 1974 نقلت الواشنطن بوست وثيقةً حكوميةً غير منشورة فيها تعارض الولايات المتحدة توسيع برنامج الغذاء العالمي لإعانة مناطق المجاعات وتنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة لم تكن قادرةً في السنوات الأخيرة على التأثير بصورة ملموسة في السياسات أو الإجراءات الخاصة بتوزيع المعونات على جهات معينة، بما يعني بشكل واضح أن الولايات المتحدة غير مستعدة لتقديم أي معونة غذائية لا تستطيع تشكيلها وفقًا لأهدافها.

هذه الدراسات والأبحاث تثبت بلغة الأرقام حقيقةً مبدئيةً بأن الأرض لم تبخل يومًا بخيراتها على أهلها، لكن الناس أنفسهم يظلمون، وكل مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها ولا تقيم اعتبارًا لقيم العدالة والكرامة وحقوق الإنسان، إن من التناقض المريع أن الإنسان الذي غزا الفضاء لا يزال عاجزًا عن إقامة العدل في الأرض، وأن العبقرية التي اخترعت الأدوية التي تحمي الإنسان من الميكروبات والجراثيم عجزت عن حماية الإنسان من ظلم أخيه الإنسان.

لقد بدأ الإنسان مسيرته الحضارية قبل أكثر من خمسة آلاف عام ولم يكن شيئًا مذكورًا، كان يكافح ضد الحيوانات المفترسة في الغابة ويغلق على نفسه باب الكهف مخافة الوحوش، ويعجز عن مواجهة البرد والمرض والجوع، ثم شهد مساره الحضاري قفزات مذهلةً في تسخير الطبيعة لسلطانه فابتكر كل وسائل الراحة وتيسير المعيشة وطوى مشارق الأرض ومغاربها وامتلك من القوة ما يمكنه من تدمير الأرض عن بكرة أبيها، لكن هذا الكائن ذاته لا يزال عاجزًا عن تحقيق صيغة اجتماعية للتعايش بعدل وسلام يكون الناس فيها سواءً لا يبغي أحدهم على أحد. هل هو عجز فعلًا أم أنه الظلم والإفساد والاستكبار في الأرض! وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

اقرأ/ي أيضًا:

مقابر اليمن.. خفف الوطء

اليمن.. هنا تعز