الموت السوري العادي

الموت السوري العادي

يموت السوري كما لو أنه يلعب بجثته، والعالم بات يتعامل مع هذه المقبرة الكبيرة كزائر يضع إكليل ورد

"وطن الأم طفلها ووطن الطفل أمه، والفلسطينيون باعوا أراضيهم وهاجروا.. هكذا يقول الأصدقاء والأعداء على السواء... الموت ليس استشهادًا حين يكون بالمجان، ودير ياسين لم تكن دعاية عربية كما يقول البعض الآن، أن تطلب من شعب أعزل أن يموت ليس تحديدًا صحيحًا لمفهوم الوطن، ليست هذه حربًا ولا كفاحًا هذه مجزرة... والذين يقولون إن الفلسطينيين باعوا وطنهم كانوا يعتبرون البقاء في الوطن خيانة، وكانوا يعتبرون الحرب نزهة، والرحيل رحلة".

سوريا المطعونة بكل هذه الحراب الملونة، تتمنى أن تكون فلسطينَ أخرى من أجل أن يتوقف هذا الدم

لم تكن كلمات محمود درويش هذه سهلة الفهم، وقد قرأت "يوميات الحزن العادي" في فترة مبكرة، والآن أدركها كلمة كلمة، وأعي تمامًا ما حلًّ بالفلسطيني ساعة بساعة، ويومًا بيوم حتى وصل إلى ما هو عليه. مجرد قضية عربية يتلذذ العرب بلوكها على اعتبار أنهم شعوب ماضوية ومازوخية، وفكرة يمسك بها مثقفو اللطم القومي من أجل قصة وقصيدة وموقف تراجيدي.

اقرأ/ي أيضًا: عن المطران الغائب يوحنا إبراهيم

سوريا المطعونة بكل هذه الحراب الملونة، في قلبها وعقلها وتاريخها، تتمنى أن تكون فلسطينَ أخرى فقط من أجل أن يتوقف هذا الدم المسال، أو تخف استباحته بمسميات ولأغراض متعددة. في الرستن، بالأمس، أم تودع ثلاثة أطفال في عمر الورد بنحيب طويل، وأب يعوي كذئب مطعون في قلبه يفرغ ما تبقى من روح على أجساد الصغار، ومشيعون يلقون موتاهم على عجل خوف غارة جديدة تلقي بهم في قبور قتلاهم.

حلب، لا مكان فيها إلا للموت المباغت، وهنا بالضبط يكون لعبارة درويش معنى الصدمة "الموت ليس استشهادًا عندما يكون بالمجان"، وحيث الوطن ومفهومه صراع الأحياء وقاطنيها، المؤيدون الذي يدعون لفناء جيرانهم بالتساوي، وبالتوازي لا ترى الطائرات بينهم فروقًا كبيرة، فالوطن الذي تحمله الطائرات متعددة الجنسيات والأهداف هو الأسمى والأعلى والأقوى.

أما ما يوزع من موت جماعي تحت عناوين كثيرة لم يعد يعنيها القتيل ليست سوى عمل فظ، قد يصل في قسوته العظمى إلى تذييل الخبر بنعيّ إنساني من باب أنسنة اللغة المحايدة، وأما العرب الذين استنفذوا كل صيحاتهم التاريخية من المعتصم بالله إلى خادم الحرمين الشريفين، فقد باتوا ينامون في أسرّتهم الهانئة على مشهد الموت السوري كما لو أنه حلم عابر.

اقرأ/ي أيضًا: حادثة أورلاندو ودعاية مكافحة الإرهاب المسلم

سوريا هي تلك المجزرة على امتداد الكيلومترات التي تقاسمتها الأعلام الملونة؛ الصفراء والخضراء والحمراء والسوداء

هي مجزرة على امتداد الكيلومترات التي تقاسمتها الأعلام الملونة الصفراء والخضراء والحمراء والسوداء، وهي "ليست حربًا ولا كفاحًا هذه مجزرة"، ترتفع فيها صيحات التكبير من كل صوب، والذبح فيها لغايات التقرب من الله، وكل نشرات الأخبار تبدأ من هنا، الجبهات التي تشكل مادة دسمة لأولئك المحشوّين بغضبة التاريخ المخذول، تاريخهم الخاص الطائفي الانتقامي كما لو أنها أمة مرت على جثث الماضي لترفع جثة الحاضر راية حياة.

هنا الوطن الذي كان لمن خرجوا حالمين بالعودة، ولكنهم ماتوا بعيدين في رحلة تشبه كل من خرج من بيته في هذا الوطن العربي الكبير إلى اللاعودة، وعليهم أن ينتظروا نصف قرن ليطالبوا بحق العودة كما إخوتهم الفلسطينيين، ثم ينسونه في عرض البحر المتوسط غرقى أو تائهين.

يموت السوري كما لو أنه يلعب بجثته، والعالم بات يتعامل مع هذه المقبرة الكبيرة كزائر يضع إكليل ورد، والعرب يقرؤون الفاتحة كعادتهم، ويذهبون إلى السوق لشراء حلويات العيد الصغير.

اقرأ/ي أيضًا:

عراق ما بعد داعش

نم على بطنك.. أنت من "عبيد إحساناتهم"!