الكتابة والمنفى.. تلك الهوية الرمادية

الكتابة والمنفى.. تلك الهوية الرمادية

الكاتب الليبي إبراهيم الكوني 2015 (Getty)

"ليس المنفى بقعة غريبة فحسب إنما هو مكان يتعذّر فيه الانتماء"، بهذه الكلمات يفتتح الدكتور عبد الله إبراهيم "بيان المنفى" كتقديم للكتاب الجماعي الذي أشرف على تحريره والصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، والذي شارك فيه نخبة من المثقفين والمفكرين والمبدعين العرب أمثال أدونيس، واسيني الأعرج، إبراهيم الكوني، سيف الرحبي، كمال أبو ديب، فريال غزول، فيصل دراج، أحمد يوسف، نبيل سليمان، فخري صالح، محمد لطفي اليوسفي، عبد الله إبراهيم.

إحساس المنفي بفقدان مكانه يورثه شكًا بأنه خارج الدائرة الحميمية للانتماء البشري

المنفى، كما يقول البيان، يخرب القدرة الإنسانية على الانتماء إلى الأوطان. والذات المنفية هي ذات اقتلعت من المكان الذي ولدت فيه وفشلت في الاندماج في المكان الجديد الذي رحلت إليه. من هنا تصبح منفصمة متوترة فاقدة لكينونتها. وسواء كان المنفى اختياريًا أم قسريًا، فإن إحساس المنفي بفقدان مكانه يورثه شكًا بأنه خارج الدائرة الحميمية للانتماء البشري.

اقرأ/ي أيضًا: البيت.. ترويض وحشية الأمكنة

من هنا ظهر نوع من الكتابة هي كتابة المنفى تستمد مادتها من الاغتراب والنفور وتراوح بين هويتين متباينتين، ومع ذلك فهي كتابة كاشفة تقوم على فرضية تفكيك الهوية الواحدة مقترحة هوية رمادية مركبة من عناصر كثيرة. كتابة المنفى هي كتابة عابرة للحدود الثقافية والجغرافية والتاريخية والدينية تتعالى على التسطيح، تشرح أوضاع المنفى بقساوة وصراحة، سواء للجماعة الأصلية أو الجماعة الحاضنة، لكنها من جهة أخرى كتابة تنأى بنفسها عن الحقد والكراهية والتعصب.

كتابة المنفى هي نوع من التحليل النفسي الذاتي رغم اتسامها بالقلق الوجودي والسخط العارم والانشقاق المتمرد، فالمنفي لا هو انخرط في المجتمع الجديد انخراطًا كاملًا، ولا هو تمكن من قطع الصلة بالمجتمع الأصلي الذي ولد فيه. يقترح عبد الله إبراهيم في هذا البيان استبدال عبارة "كتابة المهجر" بـ"كتابة المنفى". لأن الأولى تخلو من المحمول الذي تم وصفه في البيان، وتبقى حبيسة الدلالة الجغرافية، في حين نجد أن كتابة المنفى مشبعة به ومسكونة بفكرة إعادة كشف موقع الفرد في وطنه وفي منفاه على حد سواء.

استعان البيان بمجموعة من التجارب العالمية في كتابة المنفى التي تؤكد ما ذهب إليه من توصيف باعتباره اغترابًا وفقدانًا ومحرضًا على الإبداع والكتابة، مثل تجارب أسماء عالمية: سلمان رشدي وإيزابيل الليندي وتزفتيان تودوروف وإدوارد سعيد.

اقرأ/ي أيضًا: مأساة الأدب

تدور موضوعات الباب الأول حول كتابة المنفى: المفهوم والقواعد النظرية حيث تحدث فخري عن مفهوم أدب المنفى في بعض الكتابات العربية مثل كتابات إدوارد سعيد وقصائد محمود درويش، وفصلت فريال غزول في الأسس النظرية والثقافية لكتابة المنفى، في حين تناول عبد الله إبراهيم علاقة التجربة الاستعمارية بكتابة المنفى.

واسيني الأعرج: صحيح أني خسرت أرضًا جرحت ذاكرتي، ولكني ربحت وطناً عظيمًا هو وطن الكتابة

وخصص الباب الثاني لشهادات ذاتية مؤثرة وممتعة في نفس الوقت استهلها أدونيس بنص: مكان آخر في ما وراء الوطن والمنفى، وانتقل إبراهيم الكوني في شهادته من اغتراب الطبيعة إلى اغتراب الهوية وتحدث واسيني الأعرج عن أراضي المنفى، وطن الكتابة، وسار سيف الرحبي في الطريق إلى الربع الخالي.

أما الباب الثالث والأخير، فقد خصص للدراسات النقدية والتحليلية حيث تناول كمال أبوديب شعريات كتابة المنفى، ومحمد لطفي اليوسفي الكتابة الشعرية والمنفى، وقدم فيصل دراج بحثًا حول الكتابة الذاتية والمنفى، وتناول عبد الله إبراهيم تشريح إدوارد سعيد لحالة المنفى، وأخيرًا قدم أحمد يوسف دراسة حول اللغة وآداب المنفى.

من بين أجمل الصفحات في هذا الكتاب/الوثيقة والشهادة، نقرأ للروائي الجزائري واسيني الأعرج: "سمح لي المنفى بفتح أكثر من باب ظلت موصدة، وكتابة أحب رواياتي لدي لأنها نابعة من سحر الأعماق، والتعرف على آلاف القراء في وطني، والبلاد العربية والعالم والمرور عبر الترجمة بدون أي جواز ولا فيزا، والدخول إلى أجمل عواصم الدنيا. سمح لي المنفى أن أرى مدنًا صنعتها الحياة والكتابة وأن أحلم مئات الأحلام التي لم تكن بها الكوابيس إلا أفعالًا زائلة. المنفى علمني أن لا شيء يضاهي الجلوس في أية شرفة وفي أية مدينة في الدنيا، وشرب كأس بدون أدنى تفكير فيما يحيط بنا، وتأمل غروب شمس أو التمادي في بحر نيلي يذكرك بعالمك اللغوي الذي لا يموت.

السعادة لا تتطلب الكثير، سوى الحب والسخاء، وقليل من الحرية. صحيح أني خسرت أرضًا جرحت ذاكرتي، ولكني ربحت وطنًا عظيمًا، هو وطن الكتابة. أرضي الوحيدة والنهائية. وحدها الأصدق. وحدها الأبقى عندما ينكرك الآخرون. صحيح أن أقسى مافي المنافي هو أن تعرف بأنك ستموت وحيدًا في العزلة، خارج وطنك وخارج أرضك ولكن، صحيح كذلك أن المنفى يمنحك حياة لم تتخيلها ووطنًا لم تنشئه بسهرك وأظافرك وخوفك، لن تتخلى عنه مهما كان الثمن غاليًا وعسيرًا".

اقرأ/ي أيضًا:

الجسد الشرقي في منفاه الثاني

لا عقاب على الخيال