القدس...أرملة عروبتكم

القدس...أرملة عروبتكم

القدس ليلًا (getty)

لن ينتظر المقدسيون خطاب ترامب الموعود لتصير مدينتهم عاصمة لإسرائيل، فهم في صراع وجودي دائم مع الخبث الصهيوني منذ إعلان الدولة البغيضة عام 1948، وخاضوا نضالات صامتة وأخرى مدوية في سبيل الدفاع عن هوية المدينة المقدسة.

يختار المصارع ترامب الوقت المناسب ليتخذ قراره التاريخي، وهو مدرك أن لا جدوى من كل الرجاءات العربية

أما العرب الذين استنفروا إعلاميًا وسياسيًا منذ الأمس فتبدو المعركة بالنسبة لهم قصيرة كسواها... سيمر الخبر ومن ثم الحدث موجعًا في لحظته ثم ستتعايش الأنظمة مع الواقع بكل ما فيه من بؤس، ولا تلبث أن تعتاده عيونهم، وتكلفته ليست أكثر من بعض بيانات الاستنكار والتنديد، واجتماع طارئ على مستوى وزراء الخارجية سيصدر عنه بيان مرتجف كالعادة.

اقرأ/ي أيضًا: على خلفية توظيف ترمب للقدس في أزماته الداخلية.. غضب شعبي وانتقادات للأنظمة

الشارع العربي بدوره يدرك العقم الرسمي السياسي والعسكري العربي، وبالتالي ربما لحجم الحدث وكارثيته ستخرج بعض المظاهرات الصاخبة، وقد تكون أكثر أهمية وقوة في إندونيسيا وباكستان وتركيا، وأما العواصم العربية فأغلبها مهزوم أو محتل.

ليس ما تقدم تنجيمًا أو استباقًا لردة الفعل، ولكن العقد الأخير شهد هزائم عربية بالجملة، وإن لم تكن في أغلبها عسكرية، ولكن الأكثر إيلامًا هو الهزائم الكبرى التي جعلت الوجدان العربي في حلٍ من الصراخ، فهو صمت على كل الموبقات التي ارتكبت في أعرق عواصم العرب، واحتلالها إيرانيًا وروسيًا وأمريكيًا، وعاثت الميليشيات والمرتزقة في حواريها وشوارعها، وهدمت تاريخه الحديث، ونهبت آثارها الآبدة.

يختار المصارع الأمريكي دونالد ترامب الوقت المناسب ليتخذ قراره التاريخي، وهو مدرك أن لا جدوى من كل الرجاءات والصياح والصراخ العربي، وحتى الواقع الفلسطيني في أردأ أوضاعه، ومنقسم بين رايات الضفة الغربية وغزة، وأما الإسرائيلي فيرى أنها ليست سوى أفضل أيام الكيان الذي يستعد لنيل ما سعى إليه منذ وعد بلفور حتى اعتراف ترامب الكبير.

وحدها القدس عروس العروبة تعرف أي مآل ينتظرها بعد هذا الخراب العربي

العرب في أرذل أيامهم غير قادرين على عقد اجتماع على مستوى الزعماء... الزعماء الذين لا همّ لهم سوى الحفاظ على الكراسي التي تتهاوى أو ترتجف من تحتهم، أما الشعوب فإما هاربة من الحروب التي تعصف ببغداد ودمشق وصنعاء، وإما فقراء لا يجدون ما يسد رمق أبنائهم في عواصم أخرى، وفي أحسن أحوالهم حالمون بالفرار إلى أي شبر في أرض الله الواسعة.

اقرأ/ي أيضًا: لا يعرفون أين تقع القدس!

وحدهم المقدسيون لا ينتظرون خطاب ترامب ولا مواقف العرب وزعماء العرب، ووحدها القدس عروس العروبة تعرف أي مآل ينتظرها بعد هذا الخراب العربي، وأنها أمام استحقاق صمود جديد ريثما تجد الشعوب الشقيقة أسباب خلاصها، وحينها من الممكن أن لا تكون وحدها في مواجهة كل هذا العسف والجبروت، ولكنها اليوم ليست سوى أرملة عارهم وذلهم وخذلانهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

طَريقُنا إلى القدس عبر غبار حلب الكوني

القدس عربية.. هل ستبقى كذلك؟