العيد في الجزائر.. قداسة الحضور وضغوط التقشّف

العيد في الجزائر.. قداسة الحضور وضغوط التقشّف

ارتبط عيد الفطر لدى الجزائريين بالحلوى (أ.ف.ب)

يحمل كثير من الجزائريين اسم "العيد"، وكثير من الجزائريات اسم "عيدة"، من باب تقديس هذا اليوم، الذي يأتي مرّتين في السّنة، والتبرّك بنفحاته والفرح الذي يزرعه في النفوس والبيوت. خاصّة عيد الفطر الذي يعرف بـ"العيد الصّغير"، فيما يُسمّى عيد الأضحى بـ"العيد الكبير".

يقدس الجزائريون العيد، لدرجة أنهم يسمون باسمه، كما أنه يتجاوز عندهم المناسبة الدينية إلى الطقوس الاجتماعية

فالجزائريون يتعاملون مع العيد أبعدَ من كونه مناسبةً دينيةً، "فهو يقرّب البعيد، إذ السّائد فيه أن المهاجر يعود إلى الحضن الأسري. ويجمع الشّمل، إذ يُنظر شعبيًا إلى المتخاصم، الذي لا يُسامح خصمه فيه نظرة ازدراء. وينشر البهجة، إذ من النّادر أن يُكتفى فيه باللّباس القديم. ويُجدّد الذّاكرة، إذ تتحوّل المقابر من فضاءات للموت والنسيان إلى فضاءات للحركة والتذكّر". يقول المربّي عمر بارة.

اقرأ/ي أيضًا: عيد الجزائريين.. كل شيء أقل

ما أن يدخل الأسبوع الأخير من شهر رمضان حتى تدبّ الحركة في البيت الجزائريّ استعدادًا لاستقبال العيد الصّغير، بشراء الملابس للأطفال، ومستلزمات الحلوى التي تهيمن على المائدة إلى ما بعد يوميه الرّسميين. تقول السيدة عائشة من مدينة برج بوعريريج لـ"ألترا صوت"، إنه لا يتمّ الاكتفاء بتناول الحلوى في البيت، بل يُهدى منها للأقارب والجيران والمصلّين في المساجد والفقراء في الشّوارع، "وهذا ما يدفعنا إلى مضاعفة الكمّية في هذه المناسبة".

وتلفت محدّثة "ألترا صوت" الانتباه إلى أنّ صناعة حلوى العيد تشكّل مناسبة لتجديد التّواصل بين الجارات من خلال اجتماعهنّ عند إحداهنّ لمساعدتها، وتسمّى العملية "التويزة"، وبين الصّبايا وكبيرات السنّ لنقل الخبرة إليهنّ. تقول: "تجعلنا متعة اللقاء ننسى ما يُكلّفنا الأمر من مال".

في السّنوات الثلاث الأخيرة، هيمنت حالة من التقشّف أملاها هبوط أسعار النّفط في الأسواق العالمية، بما حمل الحكومة على رفع أسعار كثير من السّلع، فانعكس ذلك على القدرة الشّرائية للمواطن، الذي راح يتراجع عن بعض الطقوس الاجتماعية، التي تكلّفه مصاريف إضافية.

يقول الجامعي أبو بكر جابر فرحي لـ"ألترا صوت" إنه "لا يكفي إيماننا بمناسبة معيّنة لأن نحييها وفق الطّقوس التي تعودنا عليها فيها"، موضحًا: "ذلك أن الوضع الماليّ يلعب دورًا حاسمًا في تعزيز حماسنا لها أو تراجعه. فالجزائري الذي كان يحجز للعطلة الصّيفية حتّى قبل حلولها خلال السّنوات العشر، التي سبقت سياسة التقشف بات يعجز حتى عن الخروج إلى الشّواطئ المجاورة".

في السنوات الثلاث الأخيرة، هيمنت على الجزائر حالة من التقشف أملاها هبوط أسعار النفط عالميًا، ما دفع الحكومة إلى رفع أسعار كثير من السلع

ويضيف أبو بكر: "يأتي العيد في مقدّمة المناسبات المعنية بالتقشّف في الجزائر. فهي تتطلّب مبلغًا للكسوة الجديدة ومبلغًا لألعاب الأطفال ومبلغًا لخروجهم إلى فضاءات التّرفيه ومبلغًا لصناعة الحلويات، وهي كلّها تشكّل عبئًا كبيرًا لأنّها تأتي مباشرةً بعد ثلاثين يومًا من رمضان، حيث يستنزف كلّ يوم منه جيوب النّاس، في ظلّ حرصهم على أن تكون المائدة خلاله مختلفة عنها في أيّام الشّهور العادية".

اقرأ/ي أيضًا: "الدار الكبيرة" تجمع الأسر الجزائرية في العيد

حاول "ألترا صوت" أن يرصد مظاهر تقشّف الجزائريين في الإعداد للعيد، فقصد مجموعة من المخابز في مدينة المسيلة، الواقعة على بعد 260 كيلومتر إلى الجنوب من الجزائر العاصمة، ليؤكد الخبّازون أنّهم كانوا في السّابق يستقبلون عددًا كبيرًا من النّساء اللّواتي يحجزن أوقاتًا لإنضاج حلوياتهنّ في أفرانهم، "إذ يُفضّلن أفران المخابز على أفران البيوت لفعاليتها ولكبر حجمها"، يقول منصور، "غير أنّ هذا العدد تراجع إلى الثّلث". يواصل: "كما كانت ربّات البيوت يشترين بعض أنواع الحلويات منّا مباشرةً ربحًا للوقت وتوفيرًا للجهد، وهذا ما بات نادرًا، إذ يكتفين بما يصنعنه في بيوتهنّ ربحًا للمال".

من مظاهر العيد في الجزائر، زيارة المقابر (Getty)
من مظاهر العيد في الجزائر، زيارة المقابر (Getty)

تدخّلت إحدى الزّبونات بالقول إنّ ارتفاع الأسعار جعلها تحسب حسابًا لكلّ شيء، "حتى لا تختلّ ميزانية البيت ونضطرّ إلى الاستدانة بما يُرهقنا أكثر". وذكرت السّيدة بعض العادات الاستهلاكية التي تراجعت عنها في إطار إعدادها للعيد: "كنت أحضر كلّ الحلوى، التي أصنعها في البيت إلى فرن الخبّاز، فصرت لا أحضر إلا ما أعجز عن إنضاجه بنفسي مثل البقلاوة. وكنت أعدّ الكثير من الأصناف حتّى أني كنت أستعين بوصفات في مواقع الطبخ، فصرت أكتفي بنوعين أو ثلاثة".

سألناها عن الأصناف التي باتت تركّز عليها في الأعياد الثلاثة الأخيرة، فذكرت "المقروط" و"المشوّك" و"القريوشات". وجميعها حلوى تقليدية لا تتطلّب عناصر كثيرة. يجعلنا هذا أمام ظاهرة عودة الحلويات والأطباق التّقليدية إلى الواجهة، بعد أن تراجعت لصالح الحلوى العصرية في ظلّ سنوات البحبوحة.

نقلنا هذه الملاحظة إلى الباحث في علم الاجتماع الثّقافي محمّد بن زيان، فقال إنّه "من إيجابيات التقشّف دفع الأسرة إلى الاعتماد على نفسها، وهي خاصّية أخذت في التّراجع بفعل سياسة الدّعم الرّيعي الدّاخل في مسعى الحكومة إلى شراء السّلم الاجتماعي". كما دفعها إلى التّصالح مع أطباق تدخل في صميم الهوّية الغذائية الوطنية. يوضح زيان: "لأنّ هذه الأطباق أصلًا هي ثمرة لروح التكيّف لدى أجدادنا مع الأوضاع الاقتصادية الصّعبة". ويتساءل بن زيان: "هل لاحظت العودة القويّة للكسكسيّ إلى المائدة الجزائرية، بعد أن كان يُثير الاشمئزاز لدى الجيل الجديد؟".

دفع التقشف الأسرة الجزائرية إلى الاعتماد على نفسها، والعودة إلى العادات التقليدية التي تسبق سنوات سياسة الدعم الريعي من الحكومة

من هنا، الباحث الاجتماعي، المنظومات المعنية بالتّعامل مع الأوضاع الاقتصاديّة وما يترتّب عنها من تحوّلات اجتماعية، إلى استغلال الوضع في إعادة الاعتبار إلى الأطباق الشّعبية التي فقدت سلطتها، بفعل الانخراط غير الواعي في الثقافة الاستهلاكية. يقول: "لم نحسن استغلال زمن البحبوحة، فلنحسن استغلال زمن التقشّف".

 

اقرأ/ي أيضًا:

7 ملاحظات على تهاني العيد

أعياد الأسرى.. قطايف و"بوظة" وشوق لـ"تفاصيل صغيرة"