العنف التلفزيوني المجاني ضد المرأة.. من المسؤول؟

العنف التلفزيوني المجاني ضد المرأة.. من المسؤول؟

بات حضور العنف ضد المرأة في الدراما العربية كثيفًا (Pinterest)

مشاهد ضرب وتعنيف جسدي ونفسي، وشخصيات نمطية؛ نساء رهن ذكوريّة مفرطة، والكثير من الأفكار الرجعيّة تكرسها نماذج وأدوار تمثيليّة يؤديها ملكات جمال وفنانات أو ممثلات بمواهب محدودة.

مشاهد ضرب وتعنيف جسدي ونفسي، وشخصيات نمطية؛ نساء رهن ذكوريّة مفرطة، هذه هي صورة المرأة العربية في دراما رمضان

هذه هي صورة المرأة العربية في بعض مسلسلات رمضان الفائت، التي تنبه لها صحفيون ونشطاء، قبل نهاية موسم المسلسلات الرمضانية، وتزامن ذلك مع ظهور مشاهد تعنيف في نهاية بعض المسلسلات التي حققت نسب مشاهدة عالية، حتى بات حضور العنف ضد المرأة مجانيًا.

اقرأ/ي أيضًا: رمضان الذي أصبح عنيفًا ومبتذلًا

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تنبه كثير من المستخدمين إلى هذا الحضور القوي للعنف في الدراما العربية، وقاموا برصدها والتعليق عليها.

وسواءً كان الأمر عن نيّة مسبقة أو من دونها، يتعاطى منتجو تلك المسلسلات مع صورة المرأة بشكلٍ أشبه بالاستسهال والتسطيح، مؤكدين بشكلٍ قطعيّ أن هذه هي الصورة التقليدية التي ترى بها المجتمعات العربية النساء، غير مهتمين بذائقة المشاهد، الذي لم يعد مقتنعًا بما يراه من جهة كما يتضح، ومن جهة أخرى، ضاربين بعرض الحائط كل نداءات ونضال النسويّات في المنطقة للدفاع عن المرأة العربية وحقوقها.

واحد من عشرات المشاهد المستفزة والتي أثارت انتقادات الناس، كانت من المسلسل السوري اللبناني بإنتاج خليجي "الهيبة الحصاد". تُقدّم زوجة زعيم المنطقة، البطل، اقتراحًا عن ضرورة القيام بعمل ما من أجل تلك المنطقة، ويعود رد الرجل على خطتها بردٍ يُخفي الاستخفاف والانتقاص من شخصية المرأة ومن فكرة عملها. ربما لم تثر حفيظة الناس أهمية العمل الذي كانت تفكر بالقيام به، بل الطريقة التي تعاطى معها البطل والتي أظهرت المرأة بأنها كائن وجد لتلبية رغبات الرجل فقط.

مشاهد العنف مسؤولية الممثلات والإنتاج

لذلك العنف وجوه عديدة، لا يتوقف الأمر على مشاهد العنف الجسدي، بل مشاهد الفرح وطريقة التعبير عن الحب فيها الكثير من الاستخفاف بمشاعر النساء، وتُقدّم بنظرة دونيّة تشوه شخصية المرأة، وهذا الأمر يبدأ من اختيار الأبطال وطريقة عرض حكاياتهم، فمنذ بداية التعامل السوري اللبناني المشترك، ونحن أمام هذه الفرضية التي تصلح لكل الحكايات؛ البطل هو رجل سوري قوي وصاحب نفوذ، والبطلة امرأة لبنانية جميلة وذكية من طراز ملكة جمال لبنان نادين نسيب نجيم أو المغنية والممثلة سيرين عبد النور، وأخريات.

وتكرس هذه الثنائية صور غاية في النمطية عن الرجال والنساء على حدّ سواء. أريد التوقف قليلًا عند مشهد له شهرة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي من مسلسل "خمسة ونص"، وهو كيف تَقدم "غمار" الذي يلعب دوره الممثل السوري قصي خولي، لطلب يد الطبيبة "بيان" الذي تلعب دورها الممثلة نادين نسيب نجيم. وفقًا لطريقته الخاصة والتي تشبه شخصيته، يطلب من عناصره المسلحة محاصرتها ورفع المسدسات في وجهها ومن ثم يدخلها معه إلى القصر الفاخر وهكذا وسط مفاجأة عارمة وارتباك يحصل الأمر.

مشهد كهذا، وما يعرضه، يمثل الإصرار المستمر على رؤية المرأة العربية وكأنها دمية جميلة تقبل ما ما يمارسه الرجل "الأزعر" الوسيم. هل يجب أن تقبل المرأة عرضًا للزواج بتلك الطريقة العنيفة الذكوريّة؟ لا أعتقد بأننا أصبحنا مهووسين بالشهرة لتكون هي الطريقة الوحيدة التي نعبر من خلالها عن حكايات الحب، كيف إذا علمنا بأن هذا المشهد موجود في مسلسل كتبته امرأة، وهي الكاتبة السوريّة إيمان السعيد!

هناك آراء أخرى مختلفة  تُحمّل المرأة مسؤولية تلك الصورة التي تعرضها الدراما، فالمرأة عدو نفسها في حال موافقتها على الظهور في هذه الأدوار، وهنا يمكن أن نوجه سؤال للممثلات والفنانات اللواتي يقبلن بتلك الأدوار، ولكن العذر معروف: أجور خرافيّة تُعرض عليهنّ، فإذًا لا مشكلة في المحتوى! 

كما وأنه من غير المعقول إلقاء اللوم على الممثلات وأدوارهن المختارة، وكأننا نفترض مسبقًا بأن تلك الممثلات يعرفنّ مجتمعهنّ ويراهنّ على وعيه، وهذا غير صحيح طبعًا، فهنّ لن يتوقفن عن التعرض للضرب ما دام الإنتاج يريد ذلك.

غالبًا ما يرفق ذلك العنف برسائل إنسانية باهتة، كالتي لا تمل من طرحها ملكة جمال لبنان السابقة نادين نسيب نجيم، والتي لها حصة الأسد من تكريس تلك الصورة النمطية عن المرأة، فهي غالبًا ما تلعب أدوار تكون فيها مُحبة للناس ولعمل الخير، تتلقى العنف المعنوي أو الجسدي من الشريك غير المناسب لها، ودائمًا ما تخطأ باختيار الشريك، ودائمًا تظهر بمظهر المضطهدة، والسبب طيبة قلب المرأة وصغر عقلها بالإضافة لخضوعها الكلي أمام من تحب. هذا ما تقوله الشخصيات التي تلعبها على الدوام، والتي تمرر عبرها من دون وعي صورة مشوهة منقوصة عن النساء!

على سبيل المثال، في آخر رسائلها "التوعويّة"، قدمت دعمها للأطفال المصابين بمرض السرطان، مؤكدةً على أن الجمال أمر غير هام أمام ضرورة التمسك بالأمل في الحياة، وظهرت برأس حليق مرتديةً ملابس أنيقة تظهر رشاقتها، في إشارة ضمنية لم تتنبه لها ربما، واعتراف صريح بأهمية موضوع الجمال وغلبته على المرض. لذلك هنّ يخطئن حتى عندما يكنّ إنسانيات.

تبدأ المشكلة عند من يدفع لإنتاج الدراما التي تظهر حضور المرأة وتُنمّط صورتها، ومع من يكتب تلك السيناريوهات النمطية

ولكن، هل يمكن تغيير الصورة النمطية التي تظهر عليها المرأة العربية بتنبيه الممثلات العربيات؟ نعتقد أن المشكلة تبدأ عند من يدفع لإنتاج تلك الصورة، ومع من يكتب تلك السيناريوهات النمطية، على اعتبار أن مشاكل الدراما العربية كثيرة يمكن أن نضيف عليها هذه المشكلة أيضًا، علينا توجيه أنظار المنتجين إلى أن المشاهد لم يعد مقتنعًا بما يراه، ولم تعد تمسه تلك الدراما التي لا تشبهه على الإطلاق، خصوصًا إذا كانت تشوه صورته وتكرس نظرة نمطية منقوصة عنه. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

نبتدي منين الحكاية.. دراما الطبقة المخملية السورية

برامج الـ"Make Over".. هوس الجمال والتنميط