الشباب..

الشباب.."ديكور" الأحزاب والحكومات في موريتانيا

لا يزال حضور الشباب ضعيفًا في مراكز صنع القرار (أ.ف.ب)

تتجه الأحزاب السياسية في موريتانيا إلى جذب فئة الشباب، التي تمثل أكثر من 70 % من المجتمع الموريتاني، لما تتميز به من نشاط وحيوية وحماس في تبني القضايا الحزبية والدفاع عنها. وتكون هذه الفئة محل تنافس حاد بين الأحزاب في الاستحقاقات الانتخابية.

ويتطلع الشباب الموريتاني إلى لعب دور سياسي فاعل لكنه لا يزال ينتقد ضعف تمثيله في مراكز صنع القرار وندرة حضوره في قيادة الأحزاب رغم شعار "تجديد الطبقة السياسية" الذي رفعه الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز منذ توليه السلطة في 2008.

تكشف خريطة الأحزاب السياسية بموريتانيا، التي تضم حوالي 70 حزبًا سياسيًا، عن  تصدر فئة الكهول المناصب القيادية مقابل ضعف حضور الشباب على مستوى المناصب العليا خاصة.

يذكر أن قادة أهم حزبين سياسيين في موريتانيا، "تكتل القوى الديمقراطية" و"التحالف الشعبي التقدمي"، تجاوزا حاجز السبعين سنة. كما أن قادة معظم الأحزاب قد تجاوزوا الخمسين عامًا تقريبًا.

تجاوز قادة معظم الأحزاب الموريتانية الخمسين عامًا 

وتوجد في العديد من الأحزاب السياسية الموريتانية، الكبرى خصوصًا، هيئات أو منظمات شبابية موازية للمكتب التنفيذي والمجلس الوطني أو السياسي، كما أن بعضًا منها يضم قادة شباب في مكتبه التنفيذي. لكن وجود هذه الهيئات الشبابية ظل مثار جدل وتساؤل عن الدور القيادي الفعلي أو الشكلي التجميلي.

يقول الناشط في كتلة الموالاة الحاكمة أحمد ولد محمدو لـ"الترا صوت": "إن الشباب في أحزاب الأغلبية الداعمة للرئيس الحالي يجدون مكانة مهمة وهي أكبر من تلك التي يجدها الشباب في أحزاب المعارضة". لكن المدوّن المستقل محمد الأمين ولد الناجي يقلل من هذا الحضور الذي يصفه بـ"تمثيل يصعب الجزم بأنه ناتج عن استحقاق لا عن تنويع مقصود".

ويشاطره الصحفي محمد حافظ الغابد الرأي إذ يقسم الأحزاب الموريتانية إلى "أحزاب ايديولوجية يتحكم فيها جيل من الكهول وأحزاب شخصية عائلية هي أشبه بمزارع خاصة لمؤسسيها"، حسب تعبيره ويضيف خلال حديثه لـ"الترا صوت": "الشباب في هذه الأحزاب ليس إلا ديكور للزينة".

وعن عزوف الشباب الموريتاني تدريجيًا عن العمل السياسي، يتحدث ببانا ولد كواد، القيادي الشاب في منتدى المعارضة، لـ"الترا صوت": "مستقبل عمل الشباب داخل الأحزاب مرتبط بتطور النظام الديمقراطي والذي يشهد في الحقيقة تراجعًا كبيرًا".

ويؤكد الصحفي أبوبكر ولد دهماش ذلك مستندًا إلى كون الشباب الموريتاني لم يجد مكانته داخل الأحزاب السياسية منذ الاستقلال سنة 1960 لكنه يستثني بعض الأحزاب الوليدة التي يرى أنها بدأت في إيلاء الشباب المكانة التي يستحقونها ولذلك نجحت في تزعم المعارضة الديمقراطية في البلاد.

نفوذ الكهول ومالهم

حرص الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز منذ وصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في السادس من آب/أغسطس 2008 على تضمين خطابه السياسي شعارات وتعهدات كان من أبرزها شعار "تجديد الطبقة السياسية".

كما تعهد في مهرجان بنواكشوط انعقد في آذار/مارس سنة 2014 تحت مسمى "لقاء الرئيس والشباب، أنتم الأمل" بتأسيس مجلس أعلى للشباب تسند إليه مهمة تنفيذ التوصيات التي أقرها المشاركون في هذا المهرجان.

غير أن ما يوصف بضعف حضور الشباب داخل أحزاب الأغلبية الحاكمة في ظل تواصل نفوذ القوى الاجتماعية ورجال المال، وكذا تعثر إنشاء المجلس الأعلى للشباب، يبعث على التساؤل حول مدى جدية خطاب "تجديد الطبقة السياسية" والتعهد بإنشاء المجلس الأعلى للشباب على أرض الواقع.

ويعتبر الصحفي ولد دهماش أن دعوات الرئيس الحالي إلى تجديد الطبقة السياسية "بقيت حبرًا على ورق مع تواصل سيطرة رجال المال والنفوذ على الحزب الحاكم". بينما يرجع عبد الله ولد الراعي، أحد الشباب الناشطين في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم سبب ذلك إلى "نفوذ الجيل القديم". ويوضح لـ"ألترا صوت": "ديمقراطيتنا الوليدة تقف حائرة أمام نخب تكره الديمقراطية خوفًا من أن تفقد مكانتها داخل السلطة والمجتمع التقليدي. وقد أدت هذه الظاهرة المرضية إلى إحداث عطب عميق في دينامكية العمل الشبابي داخل معظم الأحزاب".

تقف الديمقراطية الوليدة  حائرة أمام جيل قديم يكره الديمقراطية خوفًا من أن يفقد مكانته 

وينتقد الشباب أنفسهم شعار "تجديد الطبقة السياسية في موريتانيا". في سياق متصل، يقول الناشط الشبابي محمد الأمين ولد سيدي مولود لـ"ألترا صوت": "من المضحك أن نحاول الاستغناء عن تجارب أجيال ناضلت وسجنت ولوحقت بسهولة لنضع مكانهم بعض الشباب المغمور ممن لم تعرفه ساحات النضال ولا منابر النقابات ولم يستنشق مسيلات الدموع في حياته".

تجارب من رحم النظام 

نشأت في السنوات الأخيرة بموريتانيا وبالتزامن مع الشرارة الأولى للربيع العربي عدة أحزاب شبابية، كان أبرزها حزب "الحراك الشبابي من أجل الوطن" الذي تولت رئاسته وزيرة الثقافة السابقة لاله بنت الشريف.

لكن هذه الأحزاب ظلت مقربة من السلطة ما جعل أصابع الاتهام توجه إليها باعتبارها "أوراقًا سياسية بيد النظام" أكثر منها تطورًا في النضج السياسي لدى الشباب الموريتاني. في هذا الإطار، يقول ولد سيدي مولود: "أغلب هذه الأحزاب كان بأمر من السلطة ولا يعكس نضجًا شبابيًا".

لم يحالف الأحزاب الشبابية في موريتانيا النجاح في الاستحقاقات الانتخابية فحزب الحراك الشبابي الذي استطاع أن يحجز لنفسه المرتبة الخامسة في الانتخابات التشريعية والبلدية في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2013، سرعان ما شهد انقسامات عميقة على مستوى مكتبه التنفيذي، وقادته الخلافات إلى القضاء حيث أوقِفت أنشطته منذ حوالي عام.

ويرجع المدون ولد الناجي فشل تجربة الأحزاب الشبابية إلى قيامها منذ البدء على "فلسفة خاطئة وفكرة آنية تتعلق بامتصاص الغاضبين من الشباب وجذب آخرين إبان الثورات العربية".

تعتبر الأحزاب الشبابية الموريتانية الناشئة أوراقًا سياسية بيد النظام

أما أحمد ولد محمدو، الناشط الشبابي في الأغلبية الحاكمة، فيرى "أن ظهور فكرة الأحزاب الشبابية مؤشر على نضج الشباب وتطورًا من مجرد الإقتصار على التنظيم والمشاركة إلى إتخاذ القرارات بغض النظر عن نجاح هذه الأحزاب"، حسب تعبيره.

الحكومة والبرلمان.. لا للشباب

ظل حضور الشباب في تشكيلات الحكومة الموريتانية ضعيفًا واشتركت في ذلك الأنظمة المدنية والعسكرية المتعاقبة منذ استقلال البلاد. ويوجد في الحكومة الموريتانية الحالية ثلاثة وزراء فقط دون سن الأربعين من أصل 32 وزيرًا وهم وزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي (مواليد 1982) ووزيرة الشؤون الخارجية والتعاون (مواليد 1977) والوزيرة المنتدبة لدى وزارة الخارجية المكلفة بالشؤون الأفريقية والمغاربية وبالموريتانيين في الخارج (مواليد1978).

أما على مستوى البرلمان، فقد حضر الشباب ضمن الفائزين في الانتخابات التشريعية المنظمة في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2013 بنسبة معتبرة تصل إلى حدود 30 في المئة تقريبا وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع البرلمانات الموريتانية السابقة. ويعتبر الأمانة ولد يربه وهو النائب المنتخب في البرلمان عن مقاطعة "انبيكة الاحواش"، في أقصى الشرق الموريتاني، أصغر عضو في هذه الهيئة التشريعية، وهو من مواليد سنة 1987.